0021655423074

قوانين المجتمع الرأسمالي

حين نعرض لقوانين المجتمع الرأسمالي من وجهة نظر المادية التاريخية،
نكون بحاجة إلى إبراز الوجه الإقتصادي للماركسية، الذي لا يتجلى بملامحه
الاقتصادية الكاملة عند تحليل الماركسية لأي مرحلة من مراحل التاريخ،
كما يتجلى عند دراستها للمرحلة الرأسمالية. فقد قامت الماركسية بتحليل
المجتمع الرأسمالي وشروطه الاقتصادية، ودرست قوانينه العامة على أسس
المادية التاريخية، وانتهت من ذلك إلى التأكيد على ما يكمن في أعماق
الرأسمالية من تناقضات، تتراكم وفقاً للقوانين المادية التاريخية، حتى
تدفع بالنظام الرأسمالي في النهاية إلى قبره المحتوم في لحظة حاسمة من
لحظات التاريخ.

القيمة أساس العمل

وقد بدأ(ماركس) دراسته لجوهر المجتمع الرأسمالي، وقوانين
الاقتصاد السياسي البورجوازي، بتحليل القيمة التبادلية، بوصفها عصب
الحياة في المجتمع الرأسمالي_ كما بدأ غيره من الاقتصاديين الذين عاصروه
وسبقوه_ وجعل من  نظريته التحليلية في القيمة، حجر الزاوية في بنائه
النظري العام.

ولم يصنع ماركس شيئاً أساسياً في مجال تحليل القيمة التبادلية، وإنما
أخذ بالنظرية التقليدية، التي شادها قبله(ريكاردو) وهي النظرية القائلة:
إن العمل البشري هو جوهر القيمة التبادلية. فالقيمة التبادلية لكل منتوج

 

إنساني، تقدر على أساس كمية العمل المتجسد فيه، وتتفاوت قيم الأشياء
بتفاوت العمل المهراق فيها. فقيمة السلعة التي يتطلب إنتاجها ساعة واحدة
من العمل، تساوي نصف قيمة السلعة التي ينفق عليها في العادة ساعتان من
العمل.

وتعتبر هذه النظرية نقطة البدء عند(ريكاردو) وماركس معاً في
دراستهما التحليلية لهيكل الاقتصاد الرأسمالي. فقد جعل كل منهما منها القاعدة
التي يقوم عليها بناؤه العلمي. ولئن كان(ريكاردو) قد سبق(ماركس)
إلى وضع هذه النظرية في صيغة علمية محددة، فقد سبقهما معاً عدة مفكرين
اقتصاديين وفلسفيين إلى التنويه بها، كالفيلسوف الإنجليزي(جون لوك)،
الذي أشار إلى هذه النظرية في بحوثه، ثم أخذ بها(آدم سميث) الاقتصادي
الكلاسيكي المعروف في حدود ضيقة، فاعتبر العمل أساساً للقيمة التبادلية
بين الجماعات البدائية.. غير أن(ريكاردو) كان بحق هو الذي أعطى
النظرية معنى الشمول والاستيعاب، وآمن بأن العمل هو المصدر العام للقيمة
التبادلية، ثم جاء ماركس يسير في طريقه بأسلوبه الخاص.

وهذا لا يعني_ بطبيعة الحال_ أن ماركس لم يصنع شيئاً، في حقل
هذه النظرية، سوى ترديد الصدى الذي تركه(ريكاردو)، بل أنه
_ حين أخذ النظرية منه_ صاغها في إطاره الفكري الخاص، فادخل على
بعض جوانبها ايضاحات جديدة، وضمّنها عناصر ماركسية، وقبل بعض
جوانبها الأخرى كما تركها سلفه.

ف (ريكاردو) حين آمن بهذه النظرية:(العمل أساس القيمة)،
أدرك أن العمل لا يحدد القيمة في حالات الاحتكار التي تنعدم فيها المنافسة،
إذ أن من الممكن في هذه الحالات أن تتضاعف قيمة السلعة المحتكرة،
وفقاً لقوانين العرض والطلب، دون أن تزيد كميات العمل المنفقة عليها.
ولأجل هذا اعتبر المنافسة الكاملة شرطاً أساسياً، لتشكل القيمة التبادلية على

 

أساس العمل. وهذا ما قاله ماركس أيضاً، معترفاً بأن النظرية لا تنطبق
على حالات الإحتكار.

ولاحظ(ريكاردو) أيضاً أن العمل البشري يتفاوت في كفايته،
فساعة من عمل الصانع الذكي النشيط، لا يمكن أن تساوي ساعة من عمل
الصانع البليد البطيء. وقد عالج ذلك بافتراض مقياس عام للكفاية الإنتاجية
في كل مجتمع. فكل كمية من العمل إنما تخلق القيمة التي تتناسب معها،
إذا كانت تتوافق مع ذلك المقياس العام. وهذا المقياس نفسه هو الذي عبّر
عنه ماركس: بكمية العمل الضرورية اجتماعياً، إذ قال: إن كل عمل
إنتاجي يخلق قيمة تناسبه، إذا انفق بالطريقة المتعارفة اجتماعياً.

ووجد(ريكاردو) نفسه_ بعد وضع النظرية_ مضطراً إلى إبعاد
غير العمل من عناصر الإنتاج_ كالأرض ورأس المال_ عن عملية تكوين
القيمة، ما دام هو الأساس الوحيد لها. فجاء لأجل ذلك بنظريته الجديدة،
في تفسير الريع العقاري، التي قلب بها المفهوم الاقتصادي السائد عن الريع،
كي يبرهن على أن الأرض لا تساهم في تكوين القيمة التبادلية. في حالة
المنافسة الكاملة. فقد كان من عادة الاقتصاديين قبل(ريكاردو)، أن
يفسروا ريع الأرض بأنه هبة من الطبيعة تنشأ، من اشتراك الأرض مع
الجهود الإنسانية، في الإنتاج الزراعي وبالتالي في تكوين القيمة التبادلية
المنتجة وهذا يعني ضمناً: أن العمل ليس هو الأساس الوحيد للقيمة. فكان
من الضروري لريكاردو أن يرفض هذا التفسير للريع، وفقاً لنظريته عن
القيمة، ويأتي بالتفسير الذي ينسجم مع النظرية وهذا ما قام به فعلاً،
فقرر أن الريع نتيجة للاحتكار، ولا يمكن أن يظهر في حالة المنافسة الكاملة. فالأشخاص الذين سيطروا على الجزء الأكثر خصباً من الأرض يحصلون على
ريع نتيجة لاحتكارهم، واضطرار الآخرين إلى استثمار الأراضي الأقل
خصباً.

 

وأما فيما يتصل برأس المال، فقد ذكر(ريكاردو) أن رأس المال
ليس إلا عملاً متجمعاً، قد ادخر مجسداً في أداة أو مادة، لينفق من جديد
في سبيل الإنتاج، فلا مبرر لاعتباره عاملاً مستقلاً في تكوين القيمة التبادلية.
فالمادة التي بذلت في إنتاجها ساعة من العمل، ثم استهلكت في عملية إنتاج
جديدة، تعبّر عن عمل ساعة يضاف إلى الكمية الجديدة من العمل، التي
يتطلبها الإنتاج الجديد وهكذا ينتهي ريكاردو إلى أن العمل هو الأساس
الوحيد للقيمة.

وكان من المنتظر أن يشجب(ريكاردو) الربح الرأسمالي، ما دام
رأس المال لا يخلق قيمة تبادلية جديدة، وما دامت السلعة مدينة في قيمتها
التبادلية لعمل العامل فحسب. غير أن ريكاردو لم يفعل شيئاً من هذا،
واعتبر من المنطقي أن تباع السلعة بسعر يعود بعائد صاف لمن يملك رأس
المال، وفسر ذلك بفترة الوقت التي تمضي بين الاستثمار وظهور المنتجات
للبيع. وبهذا اعترف بالزمن بوصفه عاملاً آخر، لتكوين القيمة التبادلية.
ومن الواضح أن هذا يعتبر من ريكاردو تراجعاً عن نظريته القائلة: بأن
العمل هو الأساس الوحيد للقيمة، وعجزاً عن الاحتفاظ بالنظرية حتى
النهاية.

وأما ماركس فهو حين عالج عناصر الإنتاج، التي تشترك مع العمل
في العملية الإنتاجية، والتي عالجها ريكاردو من قبله.. أدخل على أفكار
سلفه من ناحية شيئاً من التعديل، وجاء من ناحية أخرى بأفكار جوهرية
لها خطرها. فمن الناحية الأولى: درس الريع العقاري، فأقر تفسير
(ريكاردو) له، واستطاع أن يميز بين الريع التفاضلي الذي تحدّث عنه
ريكاردو، والريع المطلق الذي أثبت عن طريقه: أن للأرض بمجموعها
ريعاً قائماً على أساس الاحتكار الطبيعي، ومحدودية مساحة الأرض([62]).

 

ومن الناحية الثانية: هاجم اعتراف ريكاردو بمنطقية الربح الرأسمالي،
وشن حملة عنيفة ضده، على أساس نظرية القيمة الفائضة، التي تعتبر بحق
الجزء الماركسي الصميم في البناء النظري الذي شاده ماركس.

كيف وضع ماركس القاعدة الأساسية لاقتصاده؟

يبدأ ماركس في استدلاله على جوهر القيمة، بالتفرقة بين القيمة
الاستعمالية والقيمة التبادلية. فالسرير والملعقة ورغيف الخبز مجموعة من
السلع، تتضمن كل واحدة منها قيمة استعمالية معينة، بسبب المنفعة التي
تؤديها السلعة، وتختلف قيمها الإستعمالية تبعاً لاختلافها في نوعية المنفعة
التي يجنيها الإنسان منها. ولكل واحدة من تلك السلع قيمة من نوع آخر.
فإن السرير الخشبي الذي ينتجه الصانع، كما يمكن أن ينام عليه_ وهذا
ما يحدد قيمته الاستعمالية_ كذلك يمكنه أن يستبدله بثوب يلبسه. وهذا
يعبر عن القيمة التبادلية. فالثوب والسرير، بينما كانا متناقضين في منافعهما
وقيمهما الإستعمالية. نجد أنهما يشتركان في قيمة تبادلية واحدة. أي أن
كلاً منها يمكن استبداله بالآخر في السوق. لأن سريراً خشبياً واحداً
يساوي ثوباً حريرياً من نوع معين.

وهذه المعادلة تعني أنه يوجد ثمة في شيئين مختلفين: السرير والثواب،
شيء مشترك، بالرغم من اختلاف منافعهما وموادهما. فالشيئان هما إذن
مساويان لشيء ثالث، ليس في ذاته سريراً ولا ثوباً. وهذا الشيء الثالث
لا يمكن أن يكون خاصة طبيعية أو هندسية للبضائع، لأن خصائصهما
الطبيعية لا تدخل في الحساب، إلا بقدر ما تمنحها من منفعة استعمالية،
ولما كانت القيم والمنافع الاستعمالية في الثوب ولسرير مختلفة، فيجب أن
يكون الشيء الثالث المشترك بينهما، أمراً غير القيم الاستعمالية ومقوماتها

 

الطبيعية فإذا أسقطنا من الحساب هذه القيم وطرحنا جميع الخصائص الطبيعية
للثوب والسرير، لا يبقى بين أيدينا إلا الصفة الوحيدة، التي تشترك فيها
السلعتان، وهي: العمل البشري. فكل منهما تجسيد لكمية خاصة من
العمل، ولما كانت الكميتان المنفقتان على السرير والثوب متساويتين،
نتج عن ذلك تساويهما في القيمة التبادلية أيضاً...

وهكذا ينتهي تحليل عملية التبادل إلى: أن العمل هو جوهر القيمة
التبادلية([63]).

ويتحدد ثمن السلعة في السوق بصورة أساسية، طبقاً لقانون القيمة
التبادلية هذا، أي لكمية العمل البشري المتجسد فيها. غير أن الثمن السوقي
لا يطابق مع القيمة التبادلية الطبيعية، التي يحددها القانون الآنف الذكر،
إلا في حالة معادلة العرض للطلب. ومن هنا يمكن لثمن السلعة أن يرتفع عن
قيمتها الطبيعية، وفقاً لنسبة العرض إلى الطلب. فقوانين العرض والطلب
نستطيع أن ترفع الثمن أو تخفضه، أي أن تجعله مناقضاً للقيمة الطبيعية،
ولكن القيم الطبيعية للسلع تحدد بدورها من فعل قوانين العرض والطلب.
فهي وإن سمحت للسلعة بأن يزيد ثمنها عن قيمتها، بسبب قلة العرض
وزيادة الطلب مثلاً ولكنها لا تسمح لهذا الارتفاع أن يتزايد بشكل غير
محدود، ولذلك نجد أن المنديل_ مثلاً_ مهما تحكمت فيه قوانين العرض
والطلب، فهي لا تتمكن من رفع ثمنه إلى ثمن السيارة. وهذه القوة الكامنة
في المنديل التي تجذب الثمن إليها، ولا تسمح له بالإنطلاق غير المحدود،
هي القيمة التبادلية.

فالقيمة الطبيعية حقيقة ثابتة من وراء الثمن، تخلقها كميات العمل
المتجسدة في السلع. والثمن تعبير سوقي عنها تحدده القيمة الطبيعية، وتلعب

 

قوانين العرض والطلب دوراً ثانوياً في خفضه ورفعه، وفقاً لحالة المنافسة
ونسبة العرض إلى الطلب ومدى وجود الاحتكار في السوق.

وقد لاحظ ماركس_ و(ريكاردو) من قبله_: أن قانون القيمة
هذا لا ينطبق على حالات الاحتكار، لأن القيمة في هذه الحالات تحدد
وفقاً لقوانين العرض والطلب، التي يتحكم فيها المحتكرون، وكذلك
لا ينطبق أيضاً على بعض ألوان الإنتاج الفني والأثري، كاللوحة التي تنتجها
ريشة فنان مبدع، أو الرسالة الخطية التي يمتد تاريخها إلى مئات السنين،
فيكون لها ثمن مرتفع جداً نظراً إلى طابعها الفني أو التاريخي، رغم الضآلة
النسبية لكمية العمل الممثلة فيها.

ولأجل هذا أعلنت الماركسية أن قانون القيمة القائم على أساس العمل،
يتوقف أولاً: على توفر المنافسة التامة، فلا يسري إلى حالات الاحتكار.
وثانياً: على كون السلعة نتاجاً اجتماعياً يمكن إيجاده عن طريق العمل
الاجتماعي دائماً، فلا يسري القانون على الإنتاج الفردي الخاص، كاللوحة
الفنية والرسالة الخطية.

ونود أن نشير قبل كل شيء إلى ظاهرة خطيرة، في التحليل الماركسي
لجوهر القيمة، وهي أن ماركس اتّبع في تحليله واستكشافه لقانون القيمة،
طريقة تجريدية خالصة، بعيداً عن الواقع الخارجي، وتجاربه الإقتصادية.
وهكذا بدا فجأة وقد تقمص شخصية(أرسطو) الميتافيزيقية في الاستدلال
والتحليل. ولهذه الظاهرة سببها الذي اضطر ماركس إلى هذا الموقف،
لأن الحقائق الواضحة عن الحياة الإقتصادية، تعبر دائماً عن ظواهر تناقض
تماماً النتائج التي تؤدي إليها النظرية الماركسية. فإن من نتيجة هذه النظرية
أن الأرباح المكتسبة تختلف من مشروع إلى آخر، تبعاً لإختلاف كمية
العمل المأجور المنفق خلال الإنتاج، دون أن يكون لكمية الآلات والأدوات
أثر في ذلك، لأنها لا تضفي على النتائج أية قيمة أكثر مما تفقده، مع أن

 

الربح في الحياة الإقتصادية السائدة، يزداد كلما ازدادت الآلات والأدوات
التي يتطلبها المشروع. فلم يتمكن ماركس لأجل هذا من التدليل على
نظريته بشواهد من واقع الحياة الإقتصادية، فحاول أن يبرهن عليها بصورة
تجريدية، حتى إذا أكمل مهمته هذه، جاء إلى النتائج المقلوبة في واقع
الحياة الإقتصادية. ليؤكد أنها لم توجد مقلوبة نتيجة لخطأ النظرية التي
يؤمن بها، وإنما هي مظهر من مظاهر المجتمع الرأسمالي، الذي يضطر
المجتمع إلى الإنحراف عن قانون القيمة الطبيعي، والتكيف وفقاً لقوانين
العرض والطلب([64]).

نقد القاعدة الأساسية للإقتصاد الماركسي

والآن فلنفحص قانون القيمة عند ماركس، في ضوء الدليل الذي
قدمه عليه.

يبدأ ماركس في دليله_ كما رأينا_ من تحليل عملية التبادل(تبادل
السرير الخشبي بثوب من حرير مثلاً)، فيرى أن هذه العملية تعبّر عن
مساواة السرير للثوب في القيمة التبادلية، ثم يتساءل: لماذا كان السرير
والثوب متساويين في القيمة التبادلية؟. ويجيب أن السبب في ذلك اشتراكهما
في أمر واحد، موجود فيهما بدرجة واحدة، وليس هذا الأمر المشترك
بين الثوب والسرير إلا العمل المتجسد فيهما، دون المنافع والخصائص
الطبيعية التي يختلف فيها السرير عن الثوب فالعمل هو إذن جوهر القيمة.
ولكن ماذا تقول الماركسية لو اصطنعنا نفس هذه الطريقة التحليلية، في
عملية تبادل بين إنتاج اجتماعي وإنتاج فردي؟!، أفليس للخط الأثري

   

 

 
 

اقتصـادنا_13

 


- وهو ما تسميه الماركسية بالإنتاج الفردي_ قيمة تبادلية؟!، أو ليس
من الممكن استبداله في السوق بنقد أو كتاب أو بأي مال آخر؟!، فإذا
استبدلناه بنتاج اجتماعي، كنسخة مطبوعة من تاريخ الكامل مثلاً، كان
معنى ذلك أن صفحة الخط الأثري مثلاً، تساوي قيمتها التبادلية نسخة من
تاريخ الكامل. فلنفتش هنا عن الأمر المشترك الذي أملى على السلعتين قيمة
تبادلية واحدة. كما فتشت الماركسية عن الأمر المشترك بين السرير والثوب،
فكما كان يجب أن تكون القيمة التبادلية الواحدة للسرير والثوب تعبيراً
عن صفحة مشتركة بينهما( وهي في رأي الماركسية كمية العمل المنفقة
فيهما) كذلك أيضاً بعد القيمة التبادلية الواحدة للخط الأثري ونسخة من
تاريخ الكامل، عن الأمر المشترك، فهل يمكن أن يكون هذا الأمر المشترك
هو كمية العمل المنفقة عليهما؟!. كلا طبعاً، فإننا نعلم أن العمل المتجسد
في الخط الأثري، أقل كثيراً من العمل المتجسد في نسخة مطبوعة من تاريخ
الكامل، بورقه وجلده وحبره وطباعته، ولأجل هذا استثنت السلع الفنية
والأثرية، من قانون القيمة.

 

ولسنا نؤاخذ الماركسية على هذا الاستثناء، لأن لكل قانون من قوانين
الطبيعة شروطه واستثناءاته الخاصة، ولكننا نطالبها_ على هذا الأساس_
بتفسير الأمر المشترك بين الخط الأثري، ونسخة من تاريخ الكامل، اللذين
تم التبادل بينهما في السوق، كما يتم التبادل بين السرير والثوب. فإن كان من الضروري أن يوجد من وراء المساواة في عملية التبادل، أمر مشترك بين
السلعتين المتساويتين في قيمتها، فما هو هذا الأمر المشترك بين الخط الأثري
ونسخة من تاريخ الكامل، هاتين السلعتين المختلفتين في كمية العمل المكتنز
فيهما، وفي نوعية المنفعة وشتى الخصائص؟!. أفلا يبرهن هذا على أن
هناك أمراً مشتركاً بين السلع، التي يجري بينها التبادل في السوق، غير العمل
المتجسد فيها، وأن هذا الأمر المشترك موجود في السلع المنتجة إنتاجاً فردياً،

 

كما يوجد في السلع التي تحمل طابع الإنتاج الاجتماعي؟!. وإذا كان يوجد
أمر مشترك بين جميع السلع، بالرغم من اختلافها في كميات العمل المنفقة
عليها، وفي طابع العمل من ناحية كونه فردياً أو اجتماعياً، واختلافهما
أيضاً في المنافع والخصائص الطبيعية والهندسية، إذا كان يوجد مثل هذا
الأمر المشترك العام حقاً، فلماذا لا يكون هو المصدر الأساسي للقيمة التبادلية وجوهرها الداخلي؟!.

وهكذا نجد أن الطريقة التحليلية التي اتخذها ماركس، تتوقف به في
منتصف الطريق، ولا تسمح له بمواصلة استنتاجاته، ما دامت كميات
العمل المتجسد في السلع قد تختلف إختلافاً كبيراً، مع مساواة بعضها لبعض
في القيمة التبادلية. فليست كميات العمل المتساوية هي السر الكامن وراء
المساواة في عمليات التبادل.

فما هو هذا السر الكامن إذن؟؟،

ما هو هذا الأمر المشترك بين الثوب والسرير. والخط الأثري والنسخة
المطبوعة من تاريخ الكامل، الذي يحدد لكل واحدة من هذه السلع قيمتها
التبادلية تبعاً لنصيبها منه؟؟.

*     *     *

وفي رأينا هناك مشكلة أخرى تواجه قانون القيمة عند ماركس
لا يمكن للقانون أن يتغلب عليها لأنها تعبّر عن تناقض هذا القانون مع الواقع
الطبيعي الذي يعيشه الناس مهما كان الطابع المذهبي والسياسي لهذا الواقع،
فلا يمكن أن يكون هذا القانون تفسيراً علمياً للواقع الذي يناقضه.

ولنأخذ الأرض مثالاً لهذا التناقض، بين القانون والواقع. فالأرض
تصلح_ دون شك_ لإنتاج عدد كبير من الحاصلات الزراعية، أي
لعدد كبير من الاستعمالات البديلة فيمكن أن تستعمل الأرض في زراعة

 

الحنطة، كما يمكن أن تستخدم_ بدلاً عن الحنطة_ في إنتاج القطن والرز
وهكذا. ومن الواضح أن الأرضي ليست متشابهة في كفاءتها الطبيعية،
فهناك من الأراضي ما يكون أكثر كفاءة في فرع معين من فروع الإنتاج
الزراعي، كإنتاج الرز مثلاً. وهناك ما هو أكثر كفاءة لزراعة الحنطة
أو القطن. وهكذا تتمتع كل أرض باستعداد طبيعي، يرشحها لفرع معين
من فروع الإنتاج. ويعني هذا أن كمية من العمل إذا أنفقت على
زراعة الأرض، في حالة تقسيمها على فروع الإنتاج الزراعي تقسيماً
صحيحاً، واستخدام كل أرض فيما هي أصلح له.. تنتج مقادير مهمة من
الحنطة والرز والقطن، بينما لو صرفت نفس تلك الكمية المعينة من العمل
الاجتماعي، في حالة توزيع سيء للأرض على فروع الإنتاج، واستخدام
كل أرض في غير ما هي أجدر به.. لما أمكن الحصول إلا على جزء من
تلك المقادير المهمة. فهل نستطيع أن نتصور أن هذا الجزء من الحنطة مثلاً،
يساوي_ من الناحية التبادلية_ ذلك المقدار المضاعف، الذي ينتج في حالة
توزيع الأرض_ على فروع الإنتاج_ توزيعاً صحيحاً.. لا لشيء إلا لأنه
يساويه في كمية العمل الاجتماعي المتجسد فيه؟!. وهل يسمح الاتحاد
السوفياتي_ القائم على أساس ماركسي_ لنفسه أن يساوي في التبادل بين
هاتين الكميتين المختلفتين، بوصفهما تعبيراً عن كمية واحدة من العمل
الاجتماعي.

إن الاتحاد السوفياتي، وأي دولة أخرى في العالم، تدرك عملياً_ دون
شك_ مدى الخسارة التي تحيق بها من جراء: عدم استخدام كل أرض فيما
هي أكثر صلاحية له.

وهكذا نعرف أن الكمية الواحدة من العمل الزراعي قد تنتج قيمتين
مختلفتين، تبعاً للطريقة المتبعة في تقسيمها على الأراضي المتنوعة.

ومن الواضح_ في ضوء ذلك_ أن القيمة المضاعفة، التي تحصل من

 

استخدام كل أرض فيما هي أكثر صلاحية له.. ليست نتيجة للطاقة التي
أنفقت في الإنتاج، لأن الطاقة هي الطاقة، لا تتغير، سواء زرعت كل
أرض بما هي أصلح له أم زرعت بغيره، وإنما هي_ القيمة المضاعفة_
مدينة للدور الإيجابي الذي تلعبه الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه([65]).

 

وهكذا نواجه السؤال السابق نفسه مرة أخرى: ما هو المحتوى
الحقيقي للقيمة التبادلية الذي تلعب الطبيعة دوراً في تكوينه، كما يلعب العمل
الإنتاجي دوره الخطير في ذلك؟.

*     *     *

وظاهرة أخرى لا تستطيع الماركسية أن تفسرها، على ضوء قانونها
الخاص في القيمة، بالرغم من وجودها في كل مجتمع، وهي: انخفاض
القيمة التبادلية للسلعة، تبعاً لانخفاض الرغبة الاجتماعية فيها: فكل سلعة
إذا تضاءلت الرغبة فيها، ولم يعد المجتمع يؤمن بمنفعة مهمة لها، تفقد
_ بسبب ذلك_ جزءاً من قيمتها التبادلية، سواء كان هذا التحول_
في رغبات المجتمع_ نتيجة عامل سياسي أو ديني أو فكري، أو أي عامل
آخر، وهكذا تتضاءل قيمة السلعة، بالرغم من احتفاظها بنفس الكمية
من العمل الاجتماعي، وبقاء ظروف إنتاجها كما هي دون تغيير. وهذا
يبرهن بوضوح على أن للدرجة التي تتيحها السلعة من الانتفاع وإشباع
الحاجات، أثراً في تكوين القيمة التبادلية. فمن الخطأ أن تعتبر نوعية القيمة
الاستعمالية، ودرجة الانتفاع بالسلعة كمية مهملة كما تقرر الماركسية.

والماركسية حين تتغاضى عن هذه الظاهرة، وتحاول تفسيرها في ضوء
قوانين العرض والطلب: تؤكد على ظاهرة أخرى، بوصفها تعبيراً واقعياً
عن قانونها في القيمة، وهي: أن القيمة التبادلية تتناسب طردياً مع كمية
العمل المتجسد في السلعة. فإذا ساءت ظروف الإنتاج، وتطلب عملاً
مضاعفاً في سبيل إنتاج السلعة تضاعفت قيمتها التبادلية تبعاً لذلك. وإذا
اتفق عكس هذا، فتحسنت ظروف الإنتاج، وأصبح من الممكن الاكتفاء
بنصف الكمية السابقة من العمل الاجتماعي، في إنتاج السلعة، انخفضت
قيمة السلعة بدورها إلى النصف أيضاً.

وهذه الظاهرة وإن كانت حقيقة واضحة في مجرى الحياة الاقتصادية،

ولكنها لا تبرهن على صحة قانون القيمة عند الماركسية، إذ كما يمكن لهذا
القانون أن يفسر هذا التناسب بين القيمة وكمية العمل، كذلك يمكن تفسيره
في ضوء آخر أيضاً. فإن ظروف إنتاج الورق مثلاً، إذا ساءت وتطلّب
إنتاجه كمية مضاعفة من العمل، انخفضت كمية الورق المنتجة اجتماعياً
إلى النصف_ في حالة بقاء مجموع العمل الاجتماعي المنفق على إنتاج الورق،
بنفس الكمية السابقة_ وحين تنخفض كمية الورق المنتج إلى النصف،
يصبح أكثر ندرة، وتزداد الرغبة فيه، وترتفع منفعته الحدية.

وإذا حدث العكس، فانخفضت كمية العمل التي يتطلبها إنتاج الورق
إلى النصف، فسوف تتضاعف كمية الورق التي ينتجها المجتمع_ في حالة
بقاء مجموع العمل الاجتماعي المنفق على إنتاج الورق، بنفس الكمية السابقة
وتهبط منفعة الحدية، وتقل ندرته نسبياً، وبالتالي تنخفض قيمته التبادلية.

وما دام من الممكن تفسير الظاهرة في ضوء عامل الندرة، أو المنفعة
الحدية، كما يمكن تفسيرها على أساس القانون الماركسي في القيمة... فلا
يمكن أن تعتبر دليلاً علمياً من واقع الحياة، على صحة هذا القانون دون
سواه من الفرضيات.

*     *     *

والعمل_ بعد هذا كله_ عنصر غير متجانس، يضم وحدات من الجهود
مختلفة في أهميتها، ومتفاوتة في درجتها وقيمتها. فهناك العمل الفني الذي
يتوقف على خبرة خاصة، والعمل البسيط الذي لا يحتاج إلى الخبرة العلمية
والفنية. فساعة من عمل الحمال تختلف عن ساعة من عمل المهندس المعماري،
ونهار من عمل الصانع الفني الذي يبذله لإنتاج محركات كهربائية، يختلف
_ تمام الاختلاف_ عن عمل العامل الذي يحفر السواقي الصغيرة في الحديقة.

وهناك أيضاً العوامل الذاتية الكثيرة_ التي تؤثر على العمل_ باعتباره

 

صفة إنسانية_ فتحدد أهمية ودرجة كفايته، كما تحدد الجهد النفسي
والعضوي الذي يتطلبه. فالاستعداد الطبيعي العضوي والذهني للعامل،
ومدى رغبته في النبوغ والتفوق على الآخرين، ونوعية ما يختلج في نفسه
من عاطفة بالنسبة إلى العمل، يجعله يقبل عليه مهما بلغت مشقته، أو يعرض
عنه مهما خف عبؤه، وما يشعر به من حيف وحرمان، أو ما ينعم به من
حوافز تدفعه إلى التفنن والإبداع، وما تحيط به من ظروف تدعه فريسة
لعوامل السأم والضجر، أو تبعث في نفسه شيئاً من قوة الأمل والرجاء...
كل هذه الأمور تعتبر من العوامل التي تؤثر على نوعية العمل وتحدد قيمته.

فمن الخطأ أن تقاس الأعمال قياساً كمياً عددياً فحسب، وإنما هي
بحاجة إلى قياس نوعي وصفي أيضاً، يحدّد نوعية العمل المقاس ومدى تأثره
بتلك العوامل. فساعة من العمل في ظل شروط نفسية ملائمة، أكثر كفاية
في إنتاجها من ساعة عمل في ظل شروط معاكسة.فكما يجب أن نقيس
كمية العمل_ وهذا هو العنصر الموضوعي في المقياس_ كذلك يجب أن
نقيس أيضاً نوعية العمل وأوصافه، في ضوء العوامل النفسية المختلفة التي
تؤثر فيه، وهذا هو العنصر الذاتي في المقياس.

ومن الواضح أنا إذا كنا نملك دقائق الساعة، بوصفه مقياساً للعنصر
الموضوعي ضبط كمية العمل، فلا نملك مقياساً نقيس به العنصر الذاتي
للعمل، ونوعيته وأوصافه التي تحدد طبقاً له.

فيم تتخلص الماركسية من هاتين المشكلتين: مشكلة قياس عام للكميات
الفنية وغير الفنية من العمل، ومشكلة قياس نوعي لكفاية العمل، وفقاً
للمؤثرات النفسية والعضوية والذهنية، التي تختلف بين عامل وآخر.

أما المشكلة الأولى، فقد حاولت الماركسية حلها عن طريق تقسيم
العمل إلى: بسيط ومركب. فالعمل البسيط هو الجهد الذي يعبّر عن طريق

 

القوة الطبيعية التي يملكها كل إنسان سوي، بدون تنمية خاصة لجهازه
العضوي والذهني، كعمل الحمال. والعمل المركب هو: العمل الذي
تستخدم فيه الامكانات والخبرة، التي اكتسبت عن طريق عمل سابق،
كأعمال المهندس والطبيب. فالمقياس العام للقيمة التبادلية هو العمل البسيط.
ولما كان العمل المركب عملاً بسيطاً مضاعفاً، فهو يخلق قيمة تبادلية أكبر
مما يخلقه العمل البسيط المجرد. فالعمل في أسبوع الذي ينفقه المهندس
الكهربائي، على صنع كهربائي خاص، أضخم من عمل المهندس من
جهد وعمل سابق، بذل في سبيل اكتساب الخبرة الهندسية الخاصة.

ولكن هل يمكن أن نفسر الفرق بين العمل الفني وغيره على هذا الأساس؟

إن هذا التفسير الماركسي للتفاوت، بين عمل المهندس الكهربائي
وعمل العامل البسيط يعني: أن المهندس الكهربائي إذا أنفق عشرين سنة
مثلاً، في سبيل الظفر بدرجة علمية وخبرة فنية في الهندسة الكهربائية، 
ومارس العمل بعد ذلك عشرين سنة أخرى.. يحصل على قيمة لمجموع
نتاجه الذي أنجزه خلال العقدين، تساوي القيمة التي يخلقها الحمال عن
طريق مشاركته في الإنتاج، بحمل الإثقال خلال أربعة عقود وبمعنى آخر:
أن يومين من عمل الحمال الذي يساهم في الإنتاج بطريقته الخاصة، تعادل
يوماً واحداً من عمل المهندس الكهربائي، لما يتضمنه هذا اليوم من عمل
دراسي سابق. فهل هذا هو الواقع الذي نشاهده في مجرى الحياة الإقتصادية؟
أو هل يمكن لأي سوق أو دولة، الموافقة على مبادلة إنتاج يومين من عمل
العامل البسيط، بنتاج يوم واحد من عمل المهندس الكهربائي؟!.

ولا شك أن من حسن حظ الاتحاد السوفياتي، أنه لا يفكر في الأخذ
بالنظرية الماركسية عن العمل البسيط والمركب، وألا لمني بالدمار إذا أعلن:
استعداده لإعطاء مهندس، في مقابل كل عاملين بسيطين. ولذلك نجد أن

 

العامل الفني في روسيا، قد يزيد راتبه على راتب العامل البسيط، بعشرة
أضعاف أو أكثر، بالرغم من أنه لم يقض تسعة أضعاف عمر العامل البسيط
في الدراسة، وبالرغم من توفر الكفاءات الفنية في روسيا بالكمية المطلوبة،
كتوفر القوى العاملة البسيطة كذلك. فمرد الفرق إذن إلى قانون القيمة،
وليس إلى ظروف العرض والطلب، وهو فرق كبير لا يكفي لتفسيره
إدخال العمل السابق في تكوين القيمة.

وأما المشكلة الثانية(مشكلة قياس نوعي لكفاية العمل، وفقاً للمؤثرات
النفسية والعضوية والذهنية، التي تختلف بين عامل وآخر) فقد تخلصت
عنها الماركسية بأخذ المعدل الاجتماعي للعمل، مقياساً للقيمة. فقد كتب
ماركس يقول:

((إن الوقت الضروري اجتماعياً لإنتاج البضائع،
هو الوقت الذي يقتضيه كل عمل يجري إنتاجه بدرجة وسطية، من المهارة والقوة وفي شروط اعتيادية طبيعية، بالنسبة إلى البيئة الاجتماعية المعينة... إذن فكمية العمل وحدها، أو وقت العمل الضروري، في مجتمع معين
لإنتاج صنف ما، هي التي تحدد كمية القيمة. وكل
بضاعة خاصة، تعتبر_ بصورة عامة_ بمثابة نسخة
وسطية عن نوعها
 ))([66]).

وعلى هذا الأساس، إذا كان العامل المنتج يتمتع بشروط ترفعه عن
الدرجة الوسيطة اجتماعياً، يصبح بإمكانه أن يخلق لبضاعته خلال عمل
ساعة، قيمة أرقى من القيمة التي يخلقها العامل الوسطي خلال تلك الساعة، لأن
ساعة من عمله تفوق ساعة من معدل العمل الاجتماعي للعمل. فالمعدل

 

الاجتماعي للعمل، ولمختلف العوامل المؤثرة فيه، هو المقياس العام للقيمة.

والخطأ الذي ترتكبه الماركسية بهذا الصدد، هو أنها تدرس المسألة
دائماً بوصفها مسألة كمية. فالشروط العالية التي تتهيأ للعامل، ليست_
في نظر الماركسية_ إلا عوامل تساعد العامل، على إنتاج كمية أكبر في
وقت أقصر، فتصبح الكمية التي ينتجها في ساعة، أوفر من الكمية المنتجة
في ساعة من معدل العمل الاجتماعي، وبالتالي أكثر قيمة منها. بينما ينتج
هذا العامل مترين من النسيج في ساعة واحدة، ينتج العامل الوسطي خلال
تلك الساعة متراً واحداً فقط. فيكون للمترين ضعفا قيمة هذا المتر الواحد،
لأنهما يعبّران عن ساعتين من العمل الاجتماعي العام، وإن تم إنتاجهما في
الواقع بساعة واحدة من العمل الممتاز.

ولكن الشيء الجدير بالملاحظة، هو أن الشروط الذهنية والعضوية
والنفسية، التي لا يتمتع بها العامل الوسطي... لا تعني دائماً زيادة كمية
في منتوج العامل الذي يحظى بتلك الشروط. بل قد تعني أحياناً امتيازاً كيفياً
في السلعة المنتجة. كما إذا كان هناك رسامان، تستغرق عملية التصوير عند
كل منهما ساعة، ولكن الاستعداد الطبيعي عند أحدهما يجعل الصورة التي
يرسمها أروع من الصورة الأخرى. فالمسألة هنا ليست مسألة إنتاج كمية
أضخم في وقت أقصر، بل الذي لا يملك تلك الموهبة الطبيعية لا يستطيع أن
يأتي بنظير تلك الصورة، ولو ضاعف الوقت الذي ينفقه على عملية التصوير.
فلا نستطيع إذن القول: بأن الصورة الأكثر روعة تعبر عن ساعتين من
العمل الاجتماعي العام، فإن ساعتين من العمل الاجتماعي العام لا تكفي
أيضاً لإنتاج هذه الصورة، التي أبدعها الرسام الموهوب بفضل استعداده
الطبيعي.

وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في شأن هاتين الصورتين، وهي أنهما
تختلفان في قيمتهما دون شك في كل سوق، مهما كانت طبيعته السياسية،

 

ومهما كانت نسبة العرض فيه إلى الطلب، فإن أحداً لا يقبل أن يستبدل
الصورة الرائعة بالصورة الأخرى، ولو كان الطلب والعرض متعادلين،
وهذا يعني: أن الصورة الرائعة تستمد قيمتها من عنصر لا يوجد في الصورة
الأخرى، وليس هذا العنصر هو كمية العمل، لأن روعة الصورة_ كما
عرفنا_ لا تعبّر عن عمل كمي زائد، وإنما تعبر عن نوعية العمل المنفق
على إنتاجها_ فلا يكفي إذن المقياس الكمي للعمل_ أو دقائق الساعة بتعبير
آخر_ لضبط قيمة السلع، التي تتجسد فيها تلك الكميات المختلفة من
العمل. فليس من الممكن أن نجد دائماً، في كمية العمل الفردي أو
الاجتماعي.. تفسيراً لتفاوت السلع في قيمتها التبادلية، لأن مرد هذا التفاوت
أحياناً إلى الكيف لا إلى الكم، إلى الصفة والنوعية لا إلى عدد ساعات
العمل.

هذه بعض الصعوبات العلمية التي تعترض طريق ماركس، يبرهن
على عدم كفاية القانون الماركسي لتفسير القيمة التبادلية. ولكن ماركس
_ بالرغم من كل هذه الصعاب_ وجد نفسه مضطراً إلى قانونه هذا، كما
يبدو_ بكل وضوح_ من تحليله النظري للقيمة، الذي استعرضناه في
مستهل هذا البحث، لأنه حين حاول أن يستكشف الأمر المشترك بين
السلعتين المختلفتين، كالسرير والثوب.. أسقط من الحساب. المنفعة
الاستعمالية، وجميع الخصائص الطبيعية والرياضية، لأن السرير يختلف
عن الثوب في منفعته، وخصائصه الفيزيائية والهندسية. وبدا له_عندئذ_
أن الشيء الوحيد الذي ظل مشتركاً بين السلعتين، هو العمل البشري المنفق
خلال إنتاجهما، وهنا يكمن الخطأ الأساسي في التحليل، فإن السلعتين
المعروضتين في السوق بثمن واحد، وإن كانتا مختلفتين في منفعتهما، وفي
خصائصهما الفيزيائية والكيميائية والهندسة. ولكنهما بالرغم من ذلك
مشتركتان في صفة سيكولوجية موجودة بدرجة واحدة فيهما معاً، وهي

 

الرغبة الإنسانية في الحصول على هذه السلعة وتلك. فهناك رغبة اجتماعية
في السرير، ورغبة اجتماعية في الثوب، ومرد هاتين الرغبتين إلى المنفعة
الاستعمالية، التي يتمتع بها السرير والثوب. فهما وإن كانا مختلفين في
نوعية المنفعة التي يؤديها كل منها، ولكنهما يشتركان في نتيجة واحدة،
وهي الرغبة الإنسانية. وليس من الضروري_ في ضوء هذا العنصر المشترك_
أن يعتبر العمل أساساً للقيمة، بوصفه الأمر المشترك الوحيد بين السلع
المتبادلة، كما زعمت الماركسية.. ما دمنا قد وجدنا أمراً مشتركاً بين
السلعتين، غير العمل المنفق على إنتاجهما.

وبذلك ينهار الاستدلال الرئيسي الذي قدمه لنا ماركس على قانونه،
ويصبح من الممكن أن تحل الصفة السيكولوجية المشتركة موضع العمل،
وتتخذ مقياساً للقيمة ومصدراً لها. وعندئذ فقط يمكننا أن نتخلص من
الصعوبات السابقة التي اعترضت ماركس، وإن نفسر_ في ضوء هذا
العنصر الجديد المشترك_ الظواهر التي عجز قانون القيمة الماركسي عن
تفسيرها. فالخط الأثري، والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل، اللذان
كنا نفتش عن الأمر المشترك بينهما، فلم نجده في العمل، لاختلاف كمية
العمل المنفقة فيهما.. سوف نجد الأمر المشترك منهما، الذي يفسر قيمتهما
التبادلية في هذا المقياس السيكولوجي الجديد. فالخط الأثري والنسخة
المطبوعة من تاريخ الكامل، إنما يتمتعان بقمية تبادلية واحدة، لأن الرغبة
الاجتماعية موجودة فيهما بدرجة متساوية.

وكذلك تذوب سائر المشاكل الأخرى في ضوء هذا المقياس الجديد.

ولما كانت الرغبة في السلعة ناتجة عن منفعتها الاستعمالية، فلا يمكن
إذن أن نسقط المنافع الاستعمالية من حساب القيمة. ولذلك نجد أن السلعة
التي ليس لها منفعة، لا تملك قيمة تبادلية إطلاقاً، مهما انفق على إنتاجها
من عمل. وقد اعترف ماركس نفسه بهذه الحقيقة، ولكنه لم يوضح لنا

 

_ولم يكن من الممكن له أن يوضح_ سر هذا الترابط، بين المنفعة الإستعمالية
والقيمة التبادلية، وكيف دخلت المنفعة الاستعمالية في عملية تكوين القيمة
التبادلية، مع أنه أسقطها منذ البدء، لأنها تختلف من سلعة لأخرى؟! وأما
في ضوء المقياس السيكولوجي، فالترابط بين المنفعة والقيمة واضح تماماً،
ما دامت المنفعة هي أساس الرغبة، والرغبة هي مقياس القيمة ومصدرها
العام.

والمنفعة الاستعمالية، وإن كانت الأساس الرئيسي للرغبة، ولكنها
لا تنفرد بتحديد الرغبة في الشيء فإن درجة الرغبة_ في أي سلعة كانت_
تتناسب طرداً مع أهمية المنفعة التي تؤديها السلعة. فكلما كانت السلعة أعظم
منفعة، كانت الرغبة فيها أكثر. وتتناسب درجة الرغبة عكسياً مع مدى
إمكانية الحصول على السلعة، فكما توفرت إمكانات الحصول على السلعة
أكثر، تنخفض درجة الرغبة في السلعة، وبالتالي تهبط قيمتها. ومن الواضح
أن إمكانية الحصول على السلعة تتبع الندرة والكثرة، فقد يكون الشيء
كثيراً ومتوفراً_ بصورة طبيعية_ إلى الدرجة، التي تجعل من الممكن
الحصول عليه من الطبيعة دون جهد، كالهواء. وفي هذه الحالة تبلغ القيمة
التبادلية درجة الصفر، لانعدام الرغبة، ومهما قلّت إمكانية الحصول على
الشيء، تبعاً لقلة وجوده، أو صعوبة إنتاجه. ازدادت الرغبة فيه وتضخمت
قيمة([67]).

نقد الماركسية للمجتمع الرأسمالي

قد يتبادر إلى بعض الأذهان، إننا حين ندرس الملاحظات الماركسية

 

حول المجتمع الرأسمالي، إنما نستهدف من وراء ذلك إلى تزييف هذه
الملاحظات، وتبرير الرأسمالية، نظراً إلى كونها واقعاً معترفاً به في المجتمع
الإسلامي، الذي يؤمن بالملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج، ويرفض الأخذ
بمبدأ الملكية الاشتراكية، فما دام الإسلام يحتضن الرأسمالية، فيجب إذن
على المذهبيين الإسلاميين أن يفندوا مزاعم الماركسية، حول الواقع الرأسمالي
المعاش في تاريخنا الحديث، ويقدّموا الدليل على خطأ التحليل الماركسي،
فيما يبرزه من مضاعفات هذا الواقع وتناقضاته، ونتائجه الفظيعة التي
تشتد وتتفاقم حتى تقضي عليه...

قد يتبادر إلى الأذهان شيء من هذا، ولكن الواقع أن الموقف الإسلامي
للباحث، لا يفرض عليه أن ينصب نفسه مدافعاً عن الواقع الرأسمالي المعاش،
وأنظمته الاجتماعية، وإنما يجب إبراز الجزء المشترك بين المجتمع الإسلامي
والمجتمع الرأسمالي، ودرس التحليل الماركسي، ليتبين مدى علاقته بهذا
الجزء المشترك.

فمن الخطأ إذن ما يتجه إليه بعض المذهبيين الإسلاميين، من الدفاع عن
واقع الرأسمالية الغربية، وإنكار ما يضج به من أخطاء وشرور، ظناً منهم

 

 

       
     
 
 

=من قدرة على إشباع الرغبة. والوحدة الأخيرة هي: اقل الوحدات إشباعاً للرغبة، نظراً إلى تناقض
الرغبة بالإشباع التدريجي، فتحدد قيمة كل الوحدات طبقاً لما تتيحه الوحدة الأخيرة من إشباع.
ولهذا كانت كثرة السلعة سبباً في تناقض المنفعة الحدية. وانخفاض قيمتها بوجه عام.

وهذه النظرية لا تفسر الواقع تماماً، لأنها لا تنطبق على بعض الحالات التي قد يكون استهلاك
الوحدة الأولى من السلعة، أو الوحدات الأولى سبباً = لزيادة الرغبة وشدة الحاجة إلى استهلاك وحدات جديدة، كما يتفق ذلك في المواد التي يسرع الاعتياد عليها. فلو صحت نظرية المنفعة الحدية، لكان
من نتيجتها أن تزداد القيمة التبادلية في مثل هذه الحالة، بزيادة الوحدات المعروضة من السلعة لان
الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الثانية، أشد، من الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة
الأولى. مع أن الواقع العام يدل على العكس وهذا يدل على أن المقياس العام للقيمة، ليس هو
الدرجة التي يحسها الإنسان من الحاجة إلى الإشباع عند استهلاك الوحدة الأخيرة، بل أن درجة
إمكانية الحصول هي التي تحدد_ مع نوعية المنفعة وأهميتها_قيمة السلعة.

 

 


بأن هذا هو السبيل الوحيد لتبرير الاقتصاد الإسلامي، الذي يعترف بالملكية
الخاصة.

 

كما أن من الخطأ أيضاً_ وقد عرفنا أن العامل الاقتصادي ليس هو
العامل الأساسي في المجتمع_ الطريقة التي اتخذها ماركس في تحليل المجتمع
الرأسمالي، والكشف عن عوامل الدمار فيه، إذ اعتبر جميع النتائج التي
تكشّف عنها المجتمع الرأسمالي على مسرح التاريخ، وليدة مبدأ أساسي لهذا
المجتمع، وهو مبدأ الملكية الخاصة فكل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة،
يسير حتماً في الاتجاه التاريخي الذي سار فيه المجتمع الرأسمالي، ويمني
بنفس النتائج والتناقضات.

وهكذا أرى من الضروري، لتصفية الحساب مع موقف الماركسية من
المجتمع الرأسمالي، أن نؤكد دائماً على هاتين الحقيقتين:

أولاً: إن الهدف المذهبي للباحثين المسلمين في الاقتصاد، لا يفرض
عليهم أن يصححوا أوضاع المجتمع الرأسمالي، ويتنكروا للحقائق المرة التي
تعصف به.

وثانياً: إن الواقع التاريخي للمجتمع الرأسمالي الحديث، لا يمكن أن
يعتبر صورة صادقة لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
ولا أن تعمم النتائج التي ينتهي إليها الباحث من درسه المجتمع الرأسمالي
الحديث، على كل مجتمع آخر يتفق معه في القول بالملكية الخاصة، وإن
اختلفت معه في الإطارات والحدود.

وإنما أدانت الماركسية مبدأ الملكية الخاصة، بكل النتائج التي تمخض
عنها المجتمع الرأسمالي.. تجاوباً مع فكرتها الأساسية في تفسير التاريخ،
القائلة: بأن العامل الاقتصادي، الذي تعبر عنه نوعية الملكية السائدة في
المجتمع، هو حجر الزاوية في الكيان الاجتماعي كله. فكل ما يحدث في

 

المجتمع الرأسمالي، تنبع جذوره الواقعية من القاعدة الاقتصادية، من الملكية
الخاصة لوسائل الإنتاج. فتزايد البؤس وشبكات الاحتكار وفظائع الإستعمار
وجيوش العاطلين من العمل، واستفحال التناقض في صميم المجتمع،
كل تلك الأمور نتائج حتمية وحلقات من التسلسل التاريخي، المفروض على
كل مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة.

وتتلخص وجهة نظرنا حول آراء الماركسية هذه، عن المجتمع الرأسمالي
في نقطتين:

إحداهما: أنها تخلط بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وواقعها
الرأسمالي المتميزة اقتصادية وسياسية وفكرية معينة فتعتبر مضاعفات
هذا الواقع الفاسد، نتائج حتمية لكل مجتمع يسمح بالملكية الخاصة.

والأخرى: أنها على خطأ في الأسس العلمية الاقتصادية المزعومة،
التي تستمد منها الماركسية طابعها العلمي، في تحليلها لتناقضات المجتمع
الرأسمالي وتطوراته التاريخية.

تناقضات الرأسمالية

ولنبدأ الآن بأهم تناقضات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية أو
المحور الرئيسي للتناقض بتعبير آخر، وهو الربح الذي يدره الإنتاج بالأجرة،
على الرأسماليين من مالكي وسائل الإنتاج. ففي الربح يكمن سر التناقض
المزعوم، ولغز الرأسمالية كلها، الذي حاول ماركس الكشف عنه في
القيمة الفائضة. فهو يؤمن بأن البضاعة مدينة بقيمتها للعمل المأجور الذي
أنفق عليها. فإذا اشترى الرأسمالي كمية من الخشب بدينار، ثم استأجر
العامل ليصنع من ذلك الخشب سريراً يبيعه بدينارين، فقد حصل الخشب
على قيمة جديدة. وهي الدينار الثاني، الذي انضم إلى قيمة الخشب الخام.                       

 

 
 

اقتصـادنا_14

 


ومصدر هذه القيمة الجديدة هو العمل، وفقاً للقانون الماركسي في القيمة.
فيجب لكي يربح مالك الخشب والأدوات شيئاً، أن لا يدفع إلى العامل إلا
جزءاً من القيمة الجديدة_ التي خلقها العامل_ بوصفه أجراً على عمله،
ويحتفظ لنفسه بالجزء الآخر من القيمة، باعتباره ربحاً خاصاً به. وعلى هذا
الأساس يصبح من الضروري دائماً، أن ينتج العامل قيمة تزيد على أجرته.

 

وهذه الزيادة هي التي يسميها ماركس بالقيمة الفائضة، ويعتبرها المصدر
العام لأرباح الطبقة الرأسمالية كلها.

ويزعم ماركس_ هو يفسر لنا الربح في هذا الضوء_: أن هذا هو
التفسير الوحيد للمسألة الرأسمالية كلها. فإننا إذا حلّلنا عملية الإنتاج الرأسمالي،
نجد أن المالك اشترى من التاجر كل ما يحتاج إليه الإنتاج، من مواد وأدوات،
واشترى من العامل كل ما يحتاجه الإنتاج، من طاقة بشرية. وهاتان مبادلتان
إذا فحصنا التبادل فيهما، وجدنا أنه من ناحية المنفعة الاستعمالية، يمكن
أن ينتفع كلا الشخصين المتبادلين، لأن كلا منهما يستبدل بضاعة_ ذات
منفعة استعمالية_ لا يحتاجها، ببضاعة يحتاج إلى منفعتها. ولكن هذا
لا ينطبق على القيمة التبادلية، فإن تبادل البضائع في شكله الطبيعي هو تبادل متعادلات، وحيث يوجد التعادل لا يمكن أن يوجد الربح، لأن كل فرد
يعطي بضاعة ويتسلم بدلاً عنها بضاعة ذات قيمة تبادلية مساوية، فمن أين
يحصل على قيمة فائضة أو على ربح؟!

ويستمر ماركس في تحليله مؤكداً: أن من المستحيل فرض حصول
البائع أو المشتري على الربح اعتباطاً، لتمتعه بامتياز بيعه للبضاعة بأعلى من
ثمن اشترائها، أو اشترائه لها بأرخص من قيمتها، لأنه في النتيجة سوف
يخسر ما ربحه، حينما يبدل دوره فينقلب مشترياً بعد أن كان بائعاً، أو
بائعاً بعد أن كان مشترياً. فلا يمكن إن تتشكل قيمة فائضة، لا عن

 

كون البائعين يبيعون البضائع بأكثر من قيمتها، ولا عن كون الشارين
يشرونها بأقل من قيمتها.

وليس من الممكن أيضاً القول بأن المنتجين يحصلون على قيمة فائضة،
لأن المستهلكين يدفعون ثمن البضائع أغلى من قيمتها، فيكون لأصحاب
البضائع_ بصفتهم منتجين_ إمتياز البيع بسعر أغلى. فإن هذا الامتياز
لا يفسر اللغز، لأن كل منتج يعتبر من ناحية أخرى مستهلكاً فيسخر
بصفته مستهلكاً ما يربحه بوصفه منتجاً.

وهكذا ينتهي ماركس من هذا التحليل إلى: أن القيمة الفائضة التي
يربحها الرأسمالي، ليست إلا جزءاً من القيمة التي أسبغها عمل العامل على
المادة، وقد ظفر المالك بهذا الجزء لسبب بسيط، وهو أنه لم يشتر من العامل
_ الذي استخدمه عشر ساعات_ عمله في هذه المدة، ليكون ملزماً بالتعويض
عن عمله بما يساويه، أو بكل القيمة التي خلقها بتعبير آخر. فإن العمل
لا يمكن أن يكون سلعة يشتريها الرأسمالي بقيمة تبادلية معينة_ لأن العمل هو
جوهر القيمة عند ماركس، فكل الأشياء تكتسب قيمتها من العمل، وأما
العمل فلا يكتسب قيمته من شيء، فليس هو سلعة إذن_ وإنما السلعة التي
اشتراها المالك من العامل هي قوة العمل، هذه السلعة التي تحدد قيمتها بكمية
العمل اللازم للحفاظ على تلك القوة وتجديدها، أي بكمية العمل الضروري
لإعاشة العامل والمحافظة على قواه. فالمالك اشترى من العامل إذن قوة عمل
عشر ساعات، لا العمل نفسه. وقد اشترى تلك القوة بالقيمة التي تضمن
للعامل خلق تلك القوة وتجديدها، وهي الأجور. ولما كان عمل عشر
ساعات، أكثر من العمل الذي يتوقف عليه تجديد قوى العامل وإعاشته،
فسوف يبقى الرأسمالي محتفظاً بالفارق بين قيمة قوة العمل التي سلمها إلى
العامل، والقيمة التي خلقها العمل التي تسلمها من العامل. وهذا الفارق
هو فائض القيمة الذي يربحه الرأسمالي.

 

وفي هذا الضوء يعتقد ماركس بأنه كشف عن التناقض الرئيسي في
جهاز الرأسمالية، الذي يتمثل: في أن المالك يشتري من العامل قوة عمله،
ولكنه يتسلم منه العمل نفسه وإن العامل هو الذي يخلق القيمة التبادلية كلها،
ولكن المالك يضطره إلى التنازل والاكتفاء بجزء من القيمة التي خلقها،
ويسرق الجزء الآخر بوصفه فائضاً، وعلى هذا الأساس يقوم الصراع
الطبقي بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة.

وهذه النظرية(نظرية القيمة الفائضة) تعتبر قبل كل شيء: أن المنبع
الوحيد لقيمة السلع هو العمل الذي أهرق فيها. فإذا تسلم العامل كل القيمة
التي خلقها في السلعة، لم يبق لغيره شيء يربحه. فيجب لكي يوجد ربح
للمالك، أن يقتطع نصيباً لنفسه من القيمة التي أوجدها العامل في منتوجه.
فنظرية القيمة الفائضة_ إذن_ ترتكز بصورة أساسية، على قانون القيمة
عند الماركسية. وهذا الارتباط بين النظرية والقانون يوحد مصيرهما،
ويجعل من فشل القانون علمياً سبباً لسقوط النظرية، وسقوط كل النظريات
في الاقتصاد الماركسي، التي تقوم على أساس ذلك القانون.

*     *     *

وقد استطعنا أن نعرف في دراستنا في القانون القيمة عند ماركس، بوصفه
العمود الفقري للاقتصاد الماركسي كله: أن العمل ليس هو الجوهر الأساسي
للقيمة التبادلية، وإنما تقاس القيمة بمقياس ذاتي سيكولوجي، وهو الرغبة
الاجتماعية، وإذا كانت الرغبة هي جوهر القيمة التبادلية ومصدرها،
فلن نضطر إلي تفسير الربح_ دائماً_ بكونه جزءاً من القيمة التي يخلقها
العمل، كما صنع ماركس. بل لا يمكن أن نغفل حينئذ_ عن عملية تكوّن
القيمة للسلع_ نصيب المواد الطبيعية الخام_ ذات الندرة النسبية_ من
قيمة تلك السلع. فالمادة الخشبية مثلاً، بوصفها مادة طبيعية نادرة نسبياً
_ وليست كالهواء_ تتمتع بقوة تبادلية، وتساهم في تكوين القيمة التبادلية

للسرير الخشبي، في ضوء المقياس السيكولوجي للقيمة، بالرغم من عدم
انفاق عمل بشري في سبيل إنتاجها. وهكذا كل المواد الطبيعية التي تتجسد
في مختلف السلع المنتجة، والتي أهملتها الماركسية تماماً، ولم تؤمن بأي دور
لها في تكوين القيم التبادلية للسلع، زاعمة: أنها ليست ذات قيمة تبادلية،
ما دامت لا تعبّر عن عمل منفق على إيجادها.

صحيح أن المادة الخام، وهي في باطن الأرض مثلاً وبصورة مجردة
عن العمل البشري. تبدو تافهة، ولا تكتسب أهمية خاصة إلا عند امتزاجها
بالعمل البشري. ولكن هذا لا يعني أن المادة ليس لها قيمة تبادلية، وأن
القيمة كلها ناتجة عن العمل وحده، كما ترى الماركسية، إذ كما ينطبق هذا
الوصف على المادة المعدنية في الأرض، كذلك ينطبق أيضاً على العمل المنفق
على استخراج المادة وتعديلها. فإن هذا العمل إذا عزل عن تلك المادة
المعدنية، لم تكن له قيمة إطلاقاً. فمن السهل أن نتصور تفاهة هذه الكمية
من العمل البشري، التي انفقت على استخراج معدن كالذهب، لو أنها
كانت منفقة في مجالات العبث والمجون، أو على استخراج صخور لا تجدي
نفعاً. فالعنصران إذن( المادة والعمل) متفاعلان متضامنان، في تكوين
القيمة التبادلية للكمية المستخرجة، من المعدن مثلاً، ولكل منها دور
إيجابي في تكوين بضاعة الذهب التي تتمتع بقيمة تبادلية خاصة، وفقاً
للمقياس السيكولوجي لها.

وكما يصبح للمواد نصيبها من قيمة السلع في ضوء المقياس السيكولوجي
للقيمة، كذلك يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مختلف عناصر الإنتاج.
فالناتج الزراعي لا يستمد قيمته التبادلية، من كمية العمل المنفقة على إنتاجه
فحسب، بل أن للأرض أثراً في هذه القيمة، بدليل أن تلك الكمية من
العمل نفسها، قد تنفق في زراعة الأرض بما هي أقل صلاحية له، فتحصل
على ناتج لا يتمتع بنفس تلك القيمة التبادلية التي يملكها الناتج الأول. وإذا

 

كان للمواد الخام وعناصر الإنتاج المختلفة، أثر في تكوين قيمة السلعة،
فليست القيمة كلها_ إذن_ نابعة من العمل، وليس صاحب العمل هو
المصدر الوحيد لقيمة السلعة، وبالتالي ليس من الواجب أن تكون القيمة
الفائضة (الربح) جزءاً من القيمة التي يخلقها العامل، ما دام يمكن أن تكون
تعبيراً، عما لمواد الإنتاج الطبيعية من نصيب في قيمة السلعة المنتجة.

ويبقى بعد ذلك سؤال واحد، يتصل بهذه القيمة التي تستمدها السلعة
من الطبيعة: فلمن تكون هذه القيمة؟، ومن الذي يملكها؟، وهل يملكها
العامل أو شخص سواه؟. وهذه نقطة أخرى خارجة عن نطاق البحث،
وإنما النقطة التي كنا ندرسها هي علاقة القيمة الفائضة بالعمل، وهل يجب
أن تكون جزءاً من القيمة التي يخلقها العمل، أو يمكن أن تكون نابعة من
مصدر آخر؟. فماركس حين اعتبر العمل أساساً وحيداً للقيمة، لم يستطع
أن يفسر القيمة الفائضة (الربح)، إلا على اقتطاع جزء من القيمة التي يخلقها
العامل. وأما في ضوء مقياس آخر للقيمة، كالمقياس السيكولوجي، فمن
الممكن تفسير القيمة الفائضة، دون أن نضطر إلى اعتبارها جزءاً من القيمة
التي يخلقها العامل. فبالمجتمع تزداد_ دائماً القيم التبادلية التي يملكها_
كما تزداد ثروته باستمرار_ عن طريق اندماج كميات جديدة من العمل
بالمواد الطبيعية، وتكوين سلع جاهزة عن هذا الطريق، تحمل قيمة تبادلية
مستمدة من العنصرين المندمجين فيها، من العمل والمادة الطبيعية. الأمرين
اللذين استطاعا_ بالاندماج والإشتراك_: أن يولدا قيمة جديدة، لم تكن
توجد في كل منهما حالة وجوده بصورة مستقلة عن آخر.

وهناك شيء آخر أقصته الماركسية من حسابها، لدى محاولة استكشاف
سر الربح، دون أن نجد مبرراً لإقصائه، حتى إذا أخذنا بقانون القيمة عند
ماركس، وهو: القدر الذي يخلقه المالك نفسه من قيمة، بسبب مواهبه
التنظيمية والإدارية، التي يستعملها في تسيير المشروع الصناعي أو الزراعي.

 

وقد أثبتت التجارب بكل وضوح_: أن مشاريع متساوية في رؤوس
أموالها، والأيدي العاملة التي تشتغل فيها.. قد تختلف اختلافاً هائلاً في
الأرباح التي يجنيها، طبقاً لكفاءات التنظيم. فالإدارة عنصر عملي ضروري
في عملية الإنتاج ونجاحها، ولا يكفي لتحقيق عملية الإنتاج ونجاحها أن
تتوفر القوى العاملة وأدوات الإنتاج والمواد اللازمة فحسب، بل تحتاج
عجلة الإنتاج إلى قائد، يعين المقدار اللازم وجوده من القوى العاملة والمواد
والأدوات، ويحدد النسب التي تمتزج بها جميعاً، ويوزع الواجبات على
مختلف أنواع العمال والموظفين، ويشرف إشرافاً تاماً على سير العملية
الإنتاجية، ثم يبحث_ بعد ذلك_ عن منافذ لتوزيعها وإيصالها إلى
المستهلكين. فإذا كان العمل هو جوهر القيمة، فيجب أن يكون للعمل
القيادي والتنظيمي، نصيب من القيمة التي يخلقها العمل في السلعة. ولا
يمكن لماركس أن يفسر الربح، على ضوء نظرية القيمة الفائضة، إلا بالنسبة
إلى القيمة التي يربحها الرأسمالي الربوي، أو المشاريع الرأسمالية التي لا يساهم
فيها المالك بإدارة وتنظيم.

وإذا انهارت نظرية القيمة الفائضة، تبعاً لانهيار أساسها العلمي المتمثل
في قانون القيمة عند الماركسية... فمن الطبيعي أن نرفض حينئذ التناقضات
الطبقية، التي تستنتجها الماركسية من هذه النظرية، كالتناقض بين العامل
والمالك بوصفه سارقاً يقتطع من العامل الجزء الفائض من القيمة التي يخلقها
والتناقض بين ما يشتريه المالك من العامل وما يتسلمه منه، إذ يشتري منه
_ في زعم الماركسية_ طاقة العمل، ويتسلم منه العمل نفسه.

فالتناقض الأول يتوقف على تفسير الربح، في ضوء نظرية القيمة
الفائضة، وأما في ضوء آخر، فليس من الضروري أن يكون الربح جزءاً
من القيمة التي يخلقها العامل لنفسه، ما دام للقيمة مصدر غير العمل، وبالتالي
ليس من الضروري في نظام العمل بالأجرة، أن يسرق المالك من العامل

 

شيئاً من القيمة التي يخلقها، ليكون الصراع الطبقي بين المالك والعامل قضاءاً
محتوماً في هذا النظام. صحيح أن من مصلحة المستأجرين تخفيض الأجور،
ومن مصلحة الأجراء رفعها، فهم مختلفون في مصالحهم كما قد تختلف
مصالح الأجراء أو المستأجرين أنفسهم.. وصحيح أن أي ارتفاع أو هبوط
في الأجرة يعني إضراراً بالجانب الآخر في الوقت الذي يستفيد منه أحد
الجانبين... ولكن هذا يختلف عن المفهوم الماركسي للتناقض الطبقي، الذي
يجعل التناقض والابتزاز داخلاً في صميم العلاقة، بين المستأجر والأجير،
مهما كان لونها وشكلها. فالتناقض الطبقي في طابعه العلمي الموضوعي
الصارم القائم على أسس الاقتصاد الماركسي، هو الذي ينهار بانهيار تلك
الأسس. وأما التناقض بمعنى اختلاف المصالح، الذي يجعل أحد الفريقين
يكافح في سبيل رفع الأجور، والفريق الآخر يحاول الاحتفاظ بمستواها..
فهو تناقض ثابت، ولا يرتبط بالأسس العلمية المزعومة للاقتصاد الماركسي،
بل هو نظير اختلاف مصالح البائعين والمشترين، الذي يدفع بالبائعين إلى
محاولة رفع الأثمان، بينما يعمل المشترون لمقابلة ذلك. وكذلك اختلاف
مصالح العمال الفنيين وغيرهم إذ أن من مصلحة الفني أن يحتفظ لعمله
بمستوى عال من الأجر، بينما يكون من مصلحة سائر العمال أن يطالبوا
بمساواة كاملة في الأجور.

وأما التناقض الثاني، بين ما يشريه المالك من العامل وما يسلّمه إليه..
فهو يتوقف على الرأي الماركسي السابق، القائل بأن السلعة التي يشتريها
المالك من العامل_ في مجتمع يسمح بالعمل المأجور_ هي قوة العمل،
لا العمل نفسه، كما يردد ذلك الاقتصاد الرأسمالي المبتذل، على حد تعبير
الماركسية. لأن العمل في رأس ماركس هو جوهر القيمة ومقياسها، فلا
يمكن أن تكون له قيمة قابلة للقياس والتقدير، حتى يباع بتلك القيمة،
وعلى العكس من ذلك قوة العمل، فإنها تعبر عن كمية من العمل المنفق

 

عليها_ أو على إعاشة العامل بتعبير آخر_ فتقاس قيمة قوة العمل، بالعمل
المنفق في سبيلها، وتصبح بذلك سلعة ذات قيمة، يمكن أن يشتريها المالك
من العامل بتلك القيمة.

ولكن الحقيقة التي يقررها الاقتصاد الإسلامي بهذا الصدد، هي أن
المالك لا يتملك ولا يشتري من العامل عمله، كما يرى الاقتصاد الرأسمالي
المبتذل، على حد تعبير الماركسية، ولا يشتري أيضاً قوة العمل، كما يقرر
الاقتصاد الماركسي، فلا العمل ولا قوة العمل هو السلعة أو المال الذي
يشتريه المالك من العامل، ويدفع الأجرة ثمناً له.. وإنما يشتري المالك من
العامل منفعة عمله، أي الأثر المادي الذي ينتجه العمل في المادة الطبيعية.

فإذا استأجر مالك الخشب والأدوات عاملاً، ليصنع من ذلك الخشب
سريراً، فهو يدفع له الأجرة ثمناً للهيئة أو التعديل، الذي سوف يطرأ على
الخشب فيجعله سريراً، نتيجة لعمل العامل. فهذا التعديل الذي يصبح
الخشب به سريراً، هو الأثر المادي للعمل، وهو بالتالي منفعة العمل التي
يشتريها المستأجر من العامل بالأجرة. فمنفعة العمل شيء مغاير للعمل ولطاقة
العمل، وهي كذلك ليست جزءاً من كيان الإنسان، وإنما هي بضاعة لها
قيمة، بمقدار ما لتلك المنفعة من أهمية، وفقاً للمقياس السيكولوجي العام
للقيمة( مقياس الرغبة الاجتماعية). فالمالك إذن يشتري من العامل منفعة
عمله، ويتسلم هذه المنفعة ضمن الخشب الذي أصبح بالتعديل سريراً في
مثالنا السابق، دون أي تناقض بين ما يشتريه وما يتسلمه([68]).

ولا يفوتنا أن نلاحظ الفرق بين منفعة العمل، والمواد الطبيعية الخام
النادرة نسبياً، كالخشب والمادة المعدنية. فإنها وإن كانت جميعاً ذات
قيم تبادلية، وفقاً للمقياس العام في القيمة، غير أن منفعة العمل_ وهي

 

حالة التعديل تحصل في المادة الطبيعية، نتيجة للعمل_ كالخشب الذي
يصبح سريراً_ بوصفها ذات بضاعة ناتجة عن عمل إنساني، تتمتع بعنصر
الإرادة والاختيار. فمن الممكن للإرادة الإنسانية، أن تتدخل في جعل
هذه البضاعة نادرة، وبالتالي في رفع ثمنها، كما تقوم به نقابات العمال في
البلدان الرأسمالية. ولهذا يبدو_ لأول وهلة_ كأن هذه البضاعة تحدد
أثمانها اعتباطاً، ووفقاً لمدى القوى السياسية لتلك النقابات، ولكن الواقع
أنها تخضع لنفس المقياس العام للقيمة، غير أن الإدارة الإنسانية بإمكانها أن
تتدخل أحياناً، فتجعل المقياس يرتفع، وتزداد بذلك الأجور.

*     *     *

ولنواصل الآن_ بعد أن درسنا نظرية القيمة الفائضة_ استعراض
المراحل الأخرى من تحليل الماركسية للمجتمع الرأسمالي. فقد عرفنا_ حتى
الآن_: أن ماركس وضع نظرية القيمة الفائضة، على أساس قانونه الخاص
في القيمة، وفسر في ضوئها طبيعة الربح الرأسمالي، وانتهى من ذلك إلى أن
التناقض الأساسي في الرأسمالية، يكمن في الربح الرأسمالي، بوصفه سرقة
يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور.

وحين فرغ ماركس من فكرتيه الأساسيتين المتشابكتين)قانون
القيمة، ونظرية القيمة الفائضة)، واطمأن إلى كشفهما عن التناقض الأساسي
في الرأسمالية بدأ يستنتج في ضوئها قوانين هذا التناقض التي تسوق الرأسمالية
إلى حتفها المحتوم.

فأول هذه القوانين: قانون الصراع والكفاح الطبقي الذي يخوضه
الأجراء ضد الطبقة الرأسمالية. والفكرة في هذا القانون ترتكز على التناقض
الأساسي، الذي كشف عنه نظرية القيمة الفائضة: بين ما يدفعه الرأسمالي
إلى العامل من أجور، وما يتسلمه من نتاج. فحيث أن الرأسمالي يقتطع من
العامل جزءاً من القيمة التي يخلقها، ولا يدفع إليه إلا جزءاً منها.. فهو

يقف من العامل موقف السارق، وهذا يؤدي_ بطبيعة الحال_: إلى قيام
صراع عنيف بين الطبقة المسروقة والطبقة السارقة.

ويجيء بعد ذلك دور قانون آخر، ليعمل في تشديد هذا الصراع
ومضاعفته، وهو قانون: انخفاض الربح، أو بكلمة، أخرى: اتجاه معدل
الأرباح دائماً إلى الهبوط.

وترتكز الفكرة في هذا القانون، على الاعتقاد بأن التنافس بين مشاريع
الإنتاج، الذي يسود المراحل الأولى من الرأسمالية، يؤدي إلى المزاحمة
والسباق بين المنتجين الرأسماليين أنفسهم ومن طبيعة هذا السباق أن يدفع
الإنتاج الرأسمالي إلى الأمام، ويجعل كل رأسمالي حريصاً على إنماء مشروعه
وتحسينه سعياً وراء المزيد من الربح، ولا يجد كل فرد من الطبقة المالكة
_ لأجل هذا_ مناصاً عن تحويل جزء من أرباحه إلى رأس مال، والإستفادة
بصورة مستمرة من التقدم العلمي والتكنيكي، في تحسين الأدوات والآلات،
أو استبدادلها بما هي أكثر كفاءة وأضخم إنتاجاً، ليستطيع أن يواكب حركة
الإنتاج الرأسمالي مع منافسيه الآخرين، ويعصم نفسه من السقوط في منتصف
الطريق. فهناك إذن في وضع المجتمع الرأسمالي قوة ترغم الرأسمالي على
تراكم رأس المال، وتحسين الأدوات وتنميتها، وهي قوة المزاحمة بين
الرأسماليين أنفسهم.

وينبثق عن هذه الضرورة لتراكم رأس المال، قانون اتجاه معدل
الأرباح دائماً إلى الهبوط. لأن الإنتاج الرأسمالي_ في نموه_ يتزايد اعتماده
على الآلات والمعدات، تبعاً للتقدم العلمي في هذا المضمار، وتقل الكمية
التي يحتاجها من العمل بصورة متناسبة، مع تقدم الآلات وتكاملها. وهذا
يعني انخفاض القيمة الجديدة التي يخلقها الإنتاج، تبعاً لانخفاض كمية العمل
المنفق في هذا السبيل، فينخفض الربح الذي يعبّر عن جزء من تلك القيمة
الجديدة.

 

ولا يملك الرأسماليون إزاء هذه الضرورة( ضرورة انخفاض الربح)
من علاج، إلا مطالبة العمال بكميات أكبر من العمل بنفس الأجرة السابقة،
أو تخفيض نصيبهم من القيمة الجديدة التي يخلقونها، بالتقليل من أجورهم.
وبذلك يشتد الصراع بين الطبقتين. ويصبح تزايد البؤس والحاجة في أوساط
العمال، قانوناً حتمياً في المجتمع الرأسمالي.

ومن الطبيعي أن تنجم بعد ذلك أزمات شديدة، لعدم تمكّن الرأسماليين
من تصريف بضائعهم، نتيجة لانخفاض مستوى القدرة الشرائية عند الجماهير
ويصبح من الضروري التفتيش عن أسواق خارج الحدود، فتبدأ الرأسمالية
مرحلتها الاستعمارية والاحتكارية، في سبيل ضمان أرباح الطبقة الحاكمة.
ويتهاوى تحت نير الاحتكار الضعفاء نسبياً، من الطبقة البورجوازية،
فيضيق نطاق هذه الطبقة تدريجياً، بينما يتسع نطاق الطبقة الكادحة، إذ
تتلقى بكل حرارة أولئك البورجوازيين الضعفاء، الذين يخرّون صرعى
في معركة الاحتكار الرأسمالي. ومن ناحية أخرى: تبدأ الطبقة البورجوازية
تفقد مستعمراتها، بفضل الحركات التحررية في تلك المستعمرات، وتتفاقم
الأزمات شيئاً بعد شيء، حتى يصل المنحنى التاريخي إلى النقطة الفاصلة،
ويتحطم الكيان الرأسمالي كله، في لحظة ثورية يشعل نارها الكادحون والعمال.

*     *     *

هذه صورة ملخصة عن مراحل التحليل الماركسي للرأسمالية، يمكننا
الآن تحليلها في ضوء دراستنا السابقة.

فمن الملاحظ بوضوح أن قانون الصراع الطبقي، القائم على أساس
التناقض الكامن في الربح، يتوقف مصيره على نظرية القيمة الفائضة. فإذا
انهارت هذه النظرية_ كما رأينا_ تلاشى التناقض العلمي المزعوم وبطلت
فكرة الصراع الطبقي المستوحاة من ذلك التناقض.

 

وأما قانون انخفاض الربح، فهو نتيجة للقاعدة المركزية في الاقتصاد
الماركسي، وهي قانون القيمة. فإن ماركس يرى في إنخفاض كمية العمل
المنفقة خلال الإنتاج، بسبب تحسين الآلات وكثرتها، سبباً لانخفاض قيمة
السلعة وضآلة الربح، لأن القيمة ليست إلا وليدة العمل، فإذا قلت كمية
العمل بسبب تزايد الآلات، انخفضت القيمة وتقلص الربح، الذي يعبر
عن جزء من القيمة المنتجة. وإذا كان قانون انخفاض الربح مرتكزاً على
تلك القاعدة المركزية القائلة: أن العمل هو الجوهر الوحيد للقيمة،
فيسقط تبعاً لسقوط تلك القاعدة، في دراستنا السابقة، ويصبح من الممكن
علمياً أن يتناقض معدل الربح بزيادة الآلات والمواد الخام، وانخفاض
كمية العمل، ما دام العمل ليس هو الجوهر الوحيد للقيمة.

ولنأخذ_ بعد ذلك_ قانون البؤس المتزايد. إن هذا القانون يقوم
على أساس التعطل، الناتج عن إحلال الآلات والوسائل الحديثة محل العمال،
في عملية الإنتاج فكل جهاز أو تحسين جديد في الجهاز، يقذف بعدد
من العمال إلى الشارع. ولما كانت حركة الإنتاج في تقدم مستمر، فسوف
ينمو جيش العاطلين الذي يطلق عليه ماركس إسم: الجيش الإحتياطي
للرأسماليين، وينمو تبعاً له البؤس والفاقة، والموت جوعاً هنا وهناك.

وفي الحقيقة أن هذا القانون استمده ماركس من تحليل(ريكاردو)
للآلات، وأثرها على حياة العمال. فقد سبق(ريكاردو) إلى نظرية التعطل،
بسبب تضاءل الحاجة إلى الأيدي العاملة، بعد صنع المقدار المطلوب من
الآلات الأكثر كفاية. وقد أضاف ماركس إلى ذلك ظاهرة أخرى،
تنجم عن إحلال الآلات محل العمل، وهي إمكان إشغال أي إنسان سوي
في عملية الإنتاج الآلي، حتى النساء والأطفال، دون حاجة إلى خبرة
سابقة، وبهذا يستبدل العمال الماهرون بغيرهم، بأجور أرخص، وتهبط

قدرة العمال المساومة في الأجور، وبالتالي يزداد البؤس ويتفاقم يوماً
بعد يوم.

وحينما وجد الماركسيون_ بعد ماركس_:أن البؤس في المجتمعات
الرأسمالية والأوروبية والأمريكية، لا ينمو ولا يشتد وفقاً لقانون ماركس،
اضطروا إلى تأويل القانون، فزعموا: أن البؤس النسبي في تزايد، وإن
كانت حالة العمال إذا أخذت بصورة منعزلة عن حالة الرأسماليين...
تتحسن على مر الزمن، بسبب شتى المؤثرات والعوامل، وفي هذا نجد
مثالاً من عدة أمثلة، بيّناها خلال دراستنا لخلط الماركسية، بين قوانين
الإقتصاد والحقائق الإجتماعية، والدمج بينهما بطريقة تؤدي إلى نتائج
خاطئة، بسبب إصرار الماركسية على تفسير المجتمع كله في ضوء الظواهر
الإقتصادية. ولنفترض مثلاً: أن الحالة النسبية للعمال تتردى على مر الزمن
_ أي حالتهم بالنسبة إلى الرأسماليين_ ولكنها من ناحية أخرى_ بما هي
حالة منظوراً إليها بصورة مستقلة_ تتحسن وتزداد رخاء وسعة.. فمن
حق الماركسية_ إذا صح هذا_ أن تعبر عن هذه الظاهرة تعبيراً اقتصادياً
محدداً، ولكن ليس من حقها أن تعبر عنها تعبيراً اجتماعياً فتعلن عن ضرورة
تزايد البؤس في المجتمع. فإن تردي الحالة النسبية لا يعني بؤساً، ما دامت
تتحسن بصورة مستقلة. وإنما اضطرت الماركسية إلى هذا التعبير بالذات،
لتصل عن طريق ذلك إلى استكشاف القوة الحتمية الدافعة إلى الثورة، وهي
البؤس المتعاظم باستمرار. ولم تكن الماركسية لتصل إلى هذا الكشف،
لو لم تستعر للظواهر الاقتصادية أسماء اجتماعية، ولو لم تطلق على حالة
التردي النسبي إسم: البؤس:

وأخيراً، فما هي أسباب الحاجة والفاقة، التي كان يجدها ماركس
مخيمة على المجتمع الرأسمالي.

إن الحاجة والفاقة وألوان الفقر والتسكع، لم تنشأ عن السماح بالملكية

 

الخاصة لوسيلة الإنتاج، وإنما نشأت عن الإطار الرأسمالي لهذه الملكية،
عن اكتساح هذا الملكية الخاصة لكل وسائل الإنتاج، وعدم الإعتراف
بمبدأ الملكية العاملة إلى جانبه، ولا بحقوق ثابتة في الأموال الخاصة للضمان الإجتماعي، ولا بحدود خاصة لتصرفات المالكين في أموالهم. وأما إذا
سمح المجتمع بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج، ووضع إلى جانب ذلك
مباديء الملكية العامة لقسم كبير من وسائل الإنتاج، والضمان الإجتماعي،
والحرية الإقتصادية المحدودة بحدود من المصلحة العامة، تحول دون تمركز
الأموال في أيدي فئة قليلة.. أما إذا قام المجتمع بذلك كله، فلن يوجد
في المجتمع الذي يوفق بين هذه المباديء، ظل للبؤس أو ظاهرة من ظواهر
الحاجة والشقاء التي نبعت من طبيعة النظام الرأسمالي في المجتمعات الأوروبية.

*     *     *

وأما الاستعمار، فقد رأينا أن الماركسية تفسره تفسيراً اقتصادياً خالصاً
أيضاً فتعتبره نتيجة حتمية للمرحلة العليا من الرأسمالية، حين تعود الأسواق
والخيرات الداخلية، غير كافية لتمشية مصالح الطبقة الرأسمالية، فتضطر
إلى امتلاك أسواق وخيرات البلاد الخارجية، عن طريق الاستعمار.

ولكن الواقع: أن الاستعمار ليس تعبيراً اقتصادياً عن المرحلة المتأخرة
من الرأسمالية، وإنما هو التعبير العملي بصورة أعمق عن العقلية المادية،
بمقاييسها الخلقية، ومفاهيمها عن الحياة، وأهدافها وغاياتها، فإن هذه
العقلية هي التي جعلت الحصول على أكبر ربح مادي ممكن، هو الهدف
الأعلى، بقطع النظر عن نوعية الوسائل، وطابعها الخلقي، ونتائجها في
المدى البعيد.

والدليل على هذا من الواقع، أن الاستعمار بدأ منذ بدأت الرأسمالية
وجودها التاريخي في المجتمعات الأوروبية، بعقليتها ومقاييسها، ولم ينتظر

 

حتى تصل الرأسمالية إلى مرحلتها العليا، وليكون تعبيراً عن ضرورة اقتصادية
خالصة. فقد اقتسمت الدول الأوروبية البلاد الضعيفة، في مطلع الرأسمالية
بكل وقاحة واستهتار. فكان لبريطانيا الهند وبورما وجنوب أفريقيا ومصر
والسودان وغيرها.. ولفرنسا الهند الصينية والجزائر ومراكش وتونس
ومدغشكر وغيرها من المستعمرات، وكان لألمانيا قطاعات في غربي
أفريقيا وجزر الباسفيك، ولإيطاليا طرابلس الغرب والصومال، ولبلجيكا
بلاد الكونغو، ولروسيا قطاعات في آسيا، ولهولندا جزائر الهند.

فالسبب الأصيل والأسبق للاستعمار، يكمن في الواقع الروحي والمزاج
الخلقي للمجتمع، لا في مجرد السماح بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج. فإذا
سمح بهذه الملكية في مجتمع يتمتع بواقع روحي وخلقي وسياسي، يختلف
عن الواقع الرأسمالي.. فليس الاستعمار بمفهومه الرأسمالي قانوناً حتمياً له.

وأما الاحتكار، فهو الآخر ليس_ أيضاً_ نتيجة حتمية للسماح بالملكية
الخاصة لأداة الإنتاج، وإنما هو نتيجة للحريات الرأسمالية بشكلها المطلق،
وللمبدأ القائل: بعدم جواز التدخل في مجرى الحياة الإقتصادية للناس.

أما حين توضع للملكية الخاصة قيودها وحدودها، ويجعل النشاط
الإقتصادي تحت مراقبة دقيقة، تستهدف الحيلولة دون الإحتكار وتحكم
فئة قليلة في الأسواق التجارية. فسوف لا يجد الاحتكار طريقة الرأسمالي
المعبد، إلى التحطيم والتدمير.

 

 

 

 

 

المذهب الماركسي

تمهيد

قلنا في مستهل هذا الكتاب: إن المذهب الإقتصادي عبارة عن نهج
خاص للحياة، يطالب أنصاره بتطبيقه لتنظيم الوجود الإجتماعي على
أساسه، بوصفه المخطط الأفضل، الذي يحقق للإنسانية ما تصبو إليه من
رخاء وسعادة، على الصعيد الإقتصادي، وأما العلوم الإقتصادية، فهي
دراسات منظمة للقوانين الموضوعية، التي تتحكم في المجتمع كما تجري
في حياته الاقتصادية. فالمذهب: تصميم عمل ودعوة. والعلم: كشف
أو محاولة كشف عن حقيقة وقانون لهذا السبب كان المذهب عنصراً
فعالاً وعاملاً من عوامل الخلق والتجديد. وأما العلم فهو يسجّل ما يقع
في مجرى الحوادث الإقتصادية كما هو دون تصرف أو تلاعب.

وعلى هذا الأساس فصلنا بين المادية التاريخية والمذهب الماركسي في بحثنا
هذا (مع الماركسية) فالمادية التاريخية التي تناولناها في القسم الأول من
البحث، هي: علم قوانين الإنتاج في تطوره ونموه، ونتائجه الإجتماعية في
مختلف الحقول الإقتصادية والسياسية والفكرية، وبكلمة أخرى: هي علم
                                                

 

 
 

اقتصـادنا_15

 


الاقتصاد الماركسي، الذي يفسر التاريخ كله تفسيراً اقتصادياً، في ضوء
القوى المنتجة، والمذهب الماركسي: هو النظام الاجتماعي الذي تتزعم
الماركسية الدعوة إليه، وقيادة الإنسانية إلى تحقيقه. فالماركسية تقف في
المادية التاريخية، موقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة. وتقف بصفتها
المذهبية، موقف الدعوة والتبشير.

 

وبالرغم من هذين الوجهين المختلفين للعلم والمذهب، فإن الصلة وثيقة
جداً بين المادية التاريخية والماركسية المذهبية. لأن المذهب_ الذي تتبنى
الماركسية الدعوة إليه_ ليس في الحقيقة إلا تعبيراً قانونياً، وشكلاً تشريعياً
لمرحلة معينة من مراحل المادية التاريخية، وجزءاً محدوداً من المنحنى التاريخي
العام، الذي تفرضه حركة الإنتاج الصاعدة، وقوانين تطوره وتناقضاته.
فالماركسية حين تتقمص ثوب الداعية المذهبي، إنما تعبر بذلك عن الحقيقة
التاريخية لتلك القوانين. فهي لا تنظر الدعوة إلا بوصفها تنفيذاً لارادة
التاريخ وتحقيقاً لمقتضيات العامل الإقتصادي، الذي يقود القافلة البشرية
اليوم نحو مرحلة جديدة، هي المرحلة التي تتجسد فيها مخططات المذهب
الماركسي.

ولهذا السبب كان يطلق ماركس على مذهبه اسم:(الاشتراكية العلمية)،
تمييزاً لها عن سائر الاشتراكيات، التي عبر أصحابها فيها عن اقتراحاتهم
ومشاعرهم النفسية، وليس عن الضرورة التاريخية وقوانينها، فصاغوا
مذاهبهم بعيدين عن الحساب العلمي ودراسة القوى المنتجة ونموها.

وفي المذهب الماركسي مرحلتان تطالب الماركسية_ من ناحية مذهبية_
بتطبيقهما تباعاً، وتؤكد_ من ناحية المادية التاريخية_ على ضرورتهما
التاريخية كذلك، وهما المرحلة الاشتراكية، ثم الشيوعية. فالشيوعية تعتبر
_ من وجهة رأي المادية التاريخية_ أعلى مرحلة من مراحل التطور البشري.
لأنها المرحلة التي يحقق فيها التاريخ معجزته الكبرى، وتقول فيها وسائل

 

الإنتاج كلمتها الفاصلة. وأما المرحلة الاشتراكية التي تقوم على أنقاض
المجتمع الراسمالي، وتحتل موقع الرأسمالية مباشرة، فهي: من ناحية
تعبّر عن الثورة التاريخية المحتومة على الرأسمالية حين تأخذ بالاحتضار،
ومن ناحية أخرى تعتبر شرطاً ضرورياً لإيجاد المجتمع الشيوعي، وقيادة
السفينة إلى شاطىء التاريخ.

ما هي الاشتراكية والشيوعية؟

ولكل من المرحلتين_ الإشتراكية والشيوعية_ معالمها الرئيسية، التي
تميزها عن المرحلة الأخرى. فإن المرحلة الاشتراكية تتلخص معالمها الرئيسية
وأركانها الأساسية فيما يلي:

أولاً: محو الطبقية وتصفية حسابها نهائياً بخلق المجتمع اللاطبقي.

وثانياً: استلام البروليتاريا للأداة السياسية، بإنشاء حكومة دكتاتورية
قادرة على تحقيق الرسالة التاريخية للمجتمع الإشتراكي.

وثالثاً: تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالية في البلاد_ وهي
الوسائل التي يستثمرها مالكها عن طريق العمل المأجور_ واعتبارها ملكاً
للمجموع.

ورابعاً: قيام التوزيع على قاعدة)من كل حسب طاقته ولكل
حسب عمله).

وعندما تصل القافلة البشرية إلى قمة الهرم التاريخي، أو إلى الشيوعية
الحقيقة... يحدث التطور والتغبير في أكثر تلك المعالم والأركان. فالشيوعية
تحتفظ بالركن الأول من أركان الاشتراكية، وهو محو الطبقية، وتتصرف
في سائر مقوماتها وأركانها الأخرى. فبالنسبة إلى الركن الثاني، تضع

 

الشيوعية حداً نهائياً لقصة الحكومة والسياسة على مسرح التاريخ، حيث
تقضي على حكومة البروليتاريا، وتحرر المجتمع من نير الحكومة وقيودها.
كما أنها لا تكتفي بتأميم وسائل الإنتاج الرأسمالية فحسب، كما تقرر الإشتراكية
في الركن الثالث، بل تذهب إلى أكثر من هذا، فتلغي الملكية الخاصة
لوسائل الإنتاج الفردية أيضاً( وهي التي يستثمرها المالك بنفسه لا عن
طريق الأجراء). وكذلك تحرم الملكية الخاصة إلغاءً تاماً في الحقلين الإنتاجي
وبكلمة شاملة: تلغي الملكية الخاصة إلغاءً تاماً في الحقلين الإنتاجي
والاستهلاكي معاً، وكذلك تجري تعديلاً حاسماً في القاعدة التي يقوم على
أساسها التوزيع في الركن الرابع، إذ تركز التوزيع على قاعدة( من كل
حسب طاقته ولكل على حسب حاجته).

*     *     *

هذا هو المذهب الماركسي بكلتا مرحلتيه، الإشتراكية والشيوعية.
ومن الواضح أن لدراسة المذهب_ أي مذهب_ أساليب ثلاثة:

الأول: نقد المباديء والأسس الفكرية، التي يرتكز عليها المذهب.

والثاني: دراسة مدى انطباق تلك المباديء والأسس على المذهب،
الذي أقيم عليها.

والثالث: بحث الفكرة الجوهرية في المذهب من ناحية إمكان تطبيقها،
ومدى ما تتمتع به الفكرة من واقعية وإمكان آخر استحالة وخيال.

وسوف نأخذ في دراستنا للمذهب الماركسي، بهذه الأساليب الثلاثة
مجتمعة.

نقد المذهب بصورة عامة

ونواجه منذ البدء في دراسة الماركسية المذهبية_ على ضوء الأساليب

 

السابقة_ أهم وأخطر سؤال، على صعيد البحث المذهبي، وهو السؤال
عن الدليل الأساسي الذي يرتكز عليه المذهب، ويبرز بصورة منطقية الدعوة
إليه وتبنّيه، وبالتالي تطبيقه وبناء الحياة على أساسه.

إن ماركس لا يستند في تبرير الاشتراكية والشيوعية، إلى قيم ومفاهيم
خلقية معينة في المساواة، كما يتجه إلى ذلك غيره من الاشتراكيين، الذين
يصفهم ماركس بأنهم خياليون. وذلك لأن القيم والمفاهيم الخلقية، ليست
في رأي الماركسية إلا وليدة العامل الاقتصادي، والوضع الاجتماعي للقوى
المنتجة. فلا معنى للدعوة إلى وضع اجتماعي على أساس خلقي بحت.

وإنما يستند ماركس إلى قوانين المادية التاريخية، التي تفسر حركة
التاريخ في ضوء تطورات القوى المنتجة وأشكالها المختلفة. فهو يعتبر تلك
القوانين الأساس العلمي للتاريخ، والقوة التي تصنع له مراحله المتعاقبة في
نقاط زمنية محددة، وفقاً لوضع القوى المنتجة وشكلها الاجتماعي السائد.

ويرى في هذا الضوء: أن الاشتراكية نتيجة محتومة لتلك القوانين،
التي تعمل عملها الصارم في سبيل تحويل المرحلة الأخيرة للطبقة، وهي
المرحلة الرأسمالية، إلى مجتمع اشتراكي لا طبقي. أما كيف تعمل قوانين
المادية التاريخية الماركسية على أنقاض الرأسمالية؟!، فهذا ما يشرحه ماركس
_ كما مر بنا سابقاً_ في بحوثه التحليلية للاقتصاد الرأسمالي، التي حاول أن
يكشف فيها عن التناقضات الجذرية التي تسوق الرأسمالية_ وفقاً لقوانين
المادية التاريخية_ إلى حتفها، وتصل بالركب البشري إلى المرحلة الإشتراكية
وبكلمات قلائل: أن قوانين المادية التاريخية هي القاعدة العامة لكل مراحل
التاريخ، في رأي ماركس، والأسس التحليلية في الاقتصاد الماركسي_
كقانون القيمة ونظرية القيمة الفائضة_ عن محاولة تطبيق تلك القوانين على
المرحلة الرأسمالية، والاشتراكية المذهبية هي النتيجة الضرورية لهذا التطبيق،

 

والتعبير المذهبي عن المجرى التاريخي المحتوم للرأسمالية، كما تفرضه
القوانين العامة للتاريخ.

ونحن في بحثنا الموسع عن المادية التاريخية_ بقوانينها ومراحلها_ قد
انتهينا إلى نتائج غير ماركسية. فقد عرفنا بوضوح أن الواقع التاريخي
للإنسانية لا يسير في موكب المادية التاريخية، ولا يستند محتواه الإجتماعي
من وضع القوى المنتجة وتناقضاتها وقوانينها. كما تبينا_ من خلال دراستنا
لقوانين الإقتصاد الماركسي_ خطأ الماركسية في الأسس التحليلية. التي
فسرت في ضوئها تناقض الرأسمالية من جهات شتى، وزحفها المستمر نحو
نهايتها المحتومة. فإن تلك التناقضات كانت ترتكز كلها على القانون
الماركسي للقيمة، ونظرية القيمة الفائضة. فإذا انهارت هاتان الركيزتان،
تداعى البناء كله.

وحتى إذا افترضنا أن الماركسية كانت على صواب في دراستها التحليلة
للإقتصاد الرأسمالي، فإن تلك الأسس إنما تكشف عن القوة أو التناقضات،
التي تحكم على الرأسمالية بالموت البطيء، حتى تلفظ آخر أنفاسها، ولكنها
لا تبرهن على أن الاشتراكية الماركسية هي البديل الوحيد الذي يحل محل
الرأسمالية، في المجرى التاريخي للتطور. بل هي تفسح المجال لأشكال
اقتصادية متعددة أن تحتل مركز الرأسمالية من المجتمع، سواء الاشتراكية
الماركسية، كاشتراكية الدولة بلون من ألوانها، أو الاقتصاد المزدوج من
أشكال متعددة للملكية، أو إعادة توزيع الثروة من جديد على المواطنين في
إطار الملكية الخاصة، وما إلى ذلك من أشكال تعالج أزمة الرأسمالية،
دون الاضطرار إلى الاشتراكية الماركسية.

وبذلك تخسر الماركسية المذهبية برهانها العلمي، وتفقد طابع الضرورة
التاريخية الذي كانت تستمده من قوانين المادية التاريخية، والأسس الماركسية
في التاريخ والاقتصاد. وبعد أن تنزع الفكرة المذهبية عنها الثوب العلمي،
تبقى من مستوى سائر الاقتراحات المذهبية.

 

 

 

 

 

الاشتراكية

ولنأخذ الآن بدراسة الأركان والمعالم الرئيسية للاشتراكية، بشيء من
التفصيل.

فالركن الأول: هو محو الطبقية، الذي يضع حداً فاصلاً لما زخر به
تاريخ البشرية_ على مر الزمن_ من ألوان الصراع. لأن مرد تلك الألوان
إلى فإذا اقامت الاشتراكية وحولت المجتمع إلى طبقة واحدة، زال التناقض التناقض الطبقي، الذي نتج عن انقسام المجتمع إلى مالكين ومعدمين
الطبقي، واختفت كل ألوان الصراع، وساد الوئام والسلام إلى الأبد.

وتقوم الفكرة في هذا على أساس رأى المادية التاريخية القائل: إن العامل
الاقتصادي هو العامل الأساسي الوحيد في حياة المجتمع. فقد أدى هذا الرأي بالماركسية إلى القول: بأن حالة الملكية الخاصة التي قسمت المجتمع إلى
مالكين ومعدمين، هي الأساس الواقعي للتركيب الطبقي في المجتمع،
ولكن ما يتمخض عنه هذا التركيب من تناقض وصراع. وما دام المجتمع
الاشتراكي يلغى الملكية الخاصة، ويؤمم وسائل الإنتاج، فهو ينسف

 

الأساس التاريخي للطبقية، ويصبح من المستحيل أن يواصل التركيب الطبقي
وجوده، بعد زوال الشروط الاقتصادية التي كان يرتكز عليها.

وقد عرفنا في دراستنا للمادية التاريخية: إن العامل الاقتصادي، ووضع
الملكية الخاصة، ليس هو الأساس الوحيد لكل التركيبات الطبقية على
مسرح التاريخ. فكم من تركيب طبقي كان يقوم على أسس عسكرية أو
سياسية أو دينية؟! كما رأينا فيما سبق. فليس من الضروري تاريخياً أن
تختفي الطبقية بإزالة الملكية الخاصة، بل من الممكن أن يحدث للمجتمع
الاشتراكي تركيب طبقي على أساس آخر.

ونحن إذا حلّلنا المرحلة الاشتراكية، وجدنا أنها تؤدي_ بطبيعتها
الاقتصادية والسياسية_ إلى خلق لون جديد من التناقض الطبقي، بعد
القضاء على الأشكال الطبقية السابقة.

أما الطبيعة الاقتصادية للمرحلة الاشتراكية، فتمثل في مبدأ التوزيع
القائل(من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله) وسوف نرى عند
دراسة هذا المبدأ: كيف أنه يؤدي إلى خلق التفاوت من جديد؟ فلنأخذ
الآن الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية بالبحث والتمحيص.

إن الشرط الأساسي للتجربة الثورة الاشتراكية، أن تتحقق على أيدي
ثوريين محترفين يتسلمون قيادتها. إذ ليس من المعقول أن تباشر البروليتاريا،
بجميع عناصرها، قيادة الثورة وتوجيه التجربة، وإنما يجب أن تمارس
نشاطها الثوري في ظل القيادة والتوجيه. لذلك أكد لينين، بعد فشل
ثورة (1905) على: أن الثوريين المحترفين، هم وحدهم الذين يستطيعون
أن يؤلفوا حزباً جديداً بلشفي الطراز... وهكذا نجد أن القيادة الثورية
للطبقة العاملة، كانت ملكاً طبيعياً لمن يدعون أنفسهم بالثوريين المحترفين،
كما كانت القيادة الثورية للفلاحين والعمال في ثورات سابقة، ملكاً لأشخاص

 

ليسوا من الفلاحين والعمال، مع فارق واحد بين الحالين، وهو أن الامتياز
القيادي للأشخاص في المرحلة الاشتراكية لا يعبّر عن نفوذ اقتصادي،
وإنما ينشأ عن خصائص فكرية وثورية وحزبية خاصة. وقد كان هذا
اللون الثوري والحزبي ستاراً على واقع التجربة الاشتراكية التي مرت بها
أوروبا الشرقية، حجب الحقيقة عن الناس، فلم يستطيعوا أن يتبينوا_
باديء الأمر_ في تلك القيادة الثورية للتجربة الاشتراكية، بذرة لأفظع
ما تصف الماركسية من ألوان الطبقية في التاريخ. لأن هذه القيادة يجب
أن تستلم السلطة بشكل مطلق لطبيعة المرحلة الاشتراكية في رأي الماركسية
القائل: بضرورة قيام دكتاتورية وسلطة مركزية مطلقة، لتصفية حسابات
الرأسمالية نهائياً. فقد وصف لينين طبيعة السلطة في جهاز الحزب، التي
تمتلك السلطة الحقيقة في البلاد خلال الثورة قائلاً:

(في المرحلة الراهنة من الحرب الإهلية الحادة،
لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبه، إلا
إذا كان منظماً بأقصى نمط مركزي وإلا إذا سيطر
عليه نظام حديدي يوازي النظام العسكري وإلا إذا كان جهازه المركزي جهازاً قوياً تسلطاً يتمتع بصلاحيات
واسعة وبثقة أعضاء الحزب الكلية).

وأضاف ستالين إلى ما تقدم:

(هذا هو الوضع فيما بتعلق بالنظام في الحزب،
أثناء فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية، ويجب
_ بل حتى إلى درجة أعظم_ أن يقال الشيء ذاته عن
النظام في الحزب بعد أن يكون قد تم تحقيق الدكتاتورية).

فالتجربة الاشتراكية إذن تتميز بصورة خاصة عن سائر التجارب
الثورية، بأنها مضطرة كما يرى أقطابها_ إلى الاستمرار في النهج الثوري،

 

والأسلوب المطلق في الحكم، داخل نطاق الحزب وخارجه، من أجل
خلق الإنسان الاشتراكي الجديد، البريء من أمراض المجتمعات الطبقية
وميولها الاستغلالية التي عاشتها الإنسانية آلاف السنين.

وهكذا يصبح من الضروري أن يباشر الثوريون القادة، ومن يدور
في فلكهم الحزبي، السلطة بشكل غير محدود، ليتأتى لهم تحقيق المعجزة
وصنع الإنسان الجديد.

وحين نصل إلى هذه المرحلة من تسلسل التجربة الاشتراكية، نجد أن
هؤلاء القادة في الجهاز الحزبي والسياسي وأنصارهم، يتمتعون بإمكانات
لم تتمتع بها أكثر الطبقات على مر التاريخ، ولا يفقدون من خصائص الطبقة
شيئاً، فهم قد كسبوا سلطة مطلقة على جميع الممتلكات، ووسائل الإنتاج
المؤممة في البلاد، ومركزاً سياسياً يتيح لهم الانتفاع بتلك الممتلكات،
والتصرف بها طبقاً لمصالحهم الخاصة. وإيماناً راسخاً بأن سيطرتهم المطلقة
تكفل السعادة والرخاء لجميع الناس كما كانت تؤمن بذلك الفئات السابقة.
التي مارست الحكم في العهود الإقطاعية والرأسمالية.

والفرق الوحيد بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين، وسائر الطبقات
التي حدثتنا الماركسية عنها: أن تلك الطبقات كانت توجد وتنمو_ في
رأي الماركسين_ تبعاً لعلاقات الملكية القائمة بين الناس. وطبيعة هذه
العلاقات هي التي كانت تحدد اندراج هذا الشخص ضمن هذه الطبقة أو
تلك. وأما هؤلاء المالكون الجدد في المرحلة الاشتراكية، فليست طبيعة
الملكية هي التي تحدد اندراجهم في الطبقة الحاكمة. فلا يندرج هذا الشخص
أو ذاك في الطبقة الحاكمة لأن له ملكية خاصة بدرجة معينة في المجتمع،
كما كانت تفترض الماركسية بالنسبة إلى المجتمعات الطبقية السابقة، بل
العكس هو الذي يصدق على المجتمع الاشتراكي الماركسي. فإن هذا أو

 

ذلك يتمتع بامتيازات خاصة، أو المحتوى الحقيقي للملكية لأنه مندرج في
الطبقة الحاكمة.

وتفسير هذا الفرق بين الطبقة في المجتمع الاشتراكي، وغيرها من
الطبقات.. واضح. فإن هذه الطبقة لم تولد على الصعيد الاقتصادي، الذي
ولدت عليه سائر الطبقات في زعم الماركسية، وإنما نشأت ونمت على
الصعيد السياسي، ضمن تنظيم ذي طراز معين، قائم على أسس فلسفية
وعقائدية وفكرية خاصة، أي ضمن الحزب الثوري الذي يتزعم التجربة.
فالحزب بنظامه وحدوده الخاصة هو مصنع هذه الطبقة الحاكمة.

وتنحصر مظاهر هذه الطبقة الحزبية، فيما يتمتع به أفراد هذه الطبقة
من امتيازات الإدارة غير المحدودة، التي تمتد من إدارة الدولة وإدارة
المؤسسات الصناعية ومشاريع الإنتاج.. إلى كل مناحي الحياة كما تنعكس
أيضاً في التناقضات الشديدة، بين أجور العمال ورواتب موظفي الحزب.

وفي ضوء الظروف الطبقية، التي تؤدي إليها المرحلة الاشتراكية
الماركسية، يمكن أن نفسر ألوان التناقض والصراع على الصعيد السياسي،
في العالم الاشتراكي، التي تتمثل أحياناً في عمليات تطهير هائلة. فإن الطبقة
الممتازة في ظل التجربة الاشتراكية، وإن نشأت في داخل الحزب كما رأينا،
إلا أنها من ناحية لا  تشمل الحزب كله ومن ناحية أخرى يمكن أن تمتد إلى
خارج نطاق الحزب، طبقاً للظروف التي تكتنف القيادة ومتطلباتها.

ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفردة بالامتياز، معارضة
شديدة في داخل الحزب، من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة
بالرغم من حزبيتهم، أو طردتهم من حضريتها فأخذوا يعتبرون هذا التركيب
الطبقي الجديد، خيانة للمباديء التي ينادون بها.

وكذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب، ممن

 

أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم، على شكل امتيازات خاصة،
وحقوق معينة، واحتكارات للأجهزة الإدارية والمرافق الحيوية في البلاد.

ويبدو من المنطقي_ بعد ذلك_ أن تحدث عمليات تطهير واسعة
النطاق_ كما يسميها الشيوعيون_ بوصفها انعكاساً لتلك الظروف والتناقضات الطبقية. ومن الطبيعي أيضاً أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها
وشمولها، تبعاً لقوة المركز الطبقي الذي تتمتع به الفئة الحاكمة في الحزب
والدولة.

ويكفينا لكي نتبين مدى الصرامة وقوة الشمول، التي تتسم بها تلك
العمليات، أن تعلم أنها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب كما
تجري في القاعدة، باستمرار وعنف قد يفوق كثيراً العنف الذي تعرضه
الماركسية كطابع عام لأشكال التناقض الطبقي المختلفة في التاريخ. فقد
شملت عمليات التطهير في مرة تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر،
الذين كانوا يديرون دفة الحكومة السوفياتية عام(1936)، وشملت أيضاً
خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفيات التنفيذية المركزية،
التي وضعت دستور 1936، واكتسحت ثلاثة وأربعين أميناً من أمناء سر
منظمة الحزب المركزية، الذين كان يبلغ مجموعهم ثلاثة وخميسين أميناً،
وكذلك سبعين عضواً من أعضاء مجلس الحزب الثمانين، وثلاثة من
مارشالات الجيش السوفياتي الخمسة، و60
% تقريباً من مجموع جنرالات
السوفيات، وجميع أعضاء المكتب السياسي الأول الذي أنشأه لينين بعد
الثورة، باستثناء ستالين. كما أدت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على
مليونين من أعضاء الحزب، وما حل عام(1939) حتى كان عدد أعضاء
الحزب الرسمي مليونين ونصف المليون عضو، وعدد المطرودين مليونين
عضو، وبذلك كاد الحزب الشيوعي المطرود أن يوازي الحزب الشيوعي
نفسه.

 

ولا نرمي من وراء هذا إلى التشهير بالجهاز الحاكم في المجتمع الإشتراكي
_ وليس التشهير من شأن هذا الكتاب_ وإنما نرمي إلى تحليل المرحلة
الاشتراكية تحليلاً علمياً، لنجد: كيف تؤدي بطبيعتها المادية الدكتاتورية،
إلى ظروف طبقية تتمخض عن ألوان رهيبة من الصراع؟! وإذا بالتجربة
التي جاءت لتمحو الطبقية، قد أنشأتها من جديد.

*     *     *

والسلطة الدكتاتورية_ التي هي الركن الثاني في المرحلة الاشتراكية_
ليست ضرورية لأجل تصفية حساب الرأسمالية فحسب، كما تزعم الماركسية،
إذ تعتبرها ضرورة مؤقتة، تستمر حتى يقضى على كل خصائص الرأسمالية
الروحية والفكرية والاجتماعية.. وإنما تعبّر عن ضرورة أعمق في طبيعة
الاشتراكية الماركسية، المؤمنة بضرورة التخطيط الاقتصادي الموجه،
لكل شعب النشاط الاقتصادي في الحياة. فإن وضع مثل هذا التخطيط
وتنفيذه يتطلب سلطة قوية لا تخضع للمراقبة، وتتمتع بامكانات هائلة،
ليتاح لها أن تقبض بيد حديدية على كل مرافق البلاد، وتقسمها وفقاً لمخطط
دقيق شامل. فالتخطيط الاقتصادي المركزي يفرض على السلطة السياسية
طبيعة دكتاتورية إلى حد بعيد وليست مهمة تصفية الجو من التراث الرأسمالي،
وهي وحدها التي تفرض هذا اللون السياسي من الحكم.

*     *     *

ونصل بعد هذا إلى التأميم، بوصفه الركن الثالث للمرحلة الاشتراكية.
والفكرة العلمية في التأميم تقوم على: أساس تناقضات القيمة الفائضة،
التي تتكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، في رأس ماركس. فإن
هذه التناقضات تتراكم، حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة
تاريخية لا محيد عنها.

 

وقد مر بنا الحديث عن هذا التناقضات المزعومة، وكيف أنها تقوم
على أسس تحليلية خاطئة؟! ومن الطبيعي أن تمنى النتائج بالخطأ إذا كانت
الأسس التي يقوم عليها التحليل مضلله وغير صحيحة.

وأما الفكرة المذهبية في التأميم فتتلخص: في محو الملكية الخاصة وتتويج
المجموع بملكية وسائل الإنتاج في البلاد، ليصبح كل فرد_ في نطاق
المجموع_ مالكاً لثروات البلاد كلها كما بملكها الآخرون.

غير أن هذه الفكرة تصطدم بواقع هو الواقع السياسي للمرحلة الإشتراكية
الذي يتجسم في طبقة تتمتع بحكم دكتاتوري مطلق في أجهزة الحزب
والدولة. فلا يكفي في هذا الحال أن تلغي الملكية الخاصة قانونياً، ويتم
الإعلان عن ملكية المجموع للثروة.. ليتمتع هذا المجموع بملكيتها حقاً،
ويجد محتواها الحقيقي في حياته التي يعيشها. بل أن طبيعة الموقف السياسي
سوف تجعل حظ المجموع في تملّكه خطاً قانونياً فحسب، وتسمح للطبقة
الحاكمة أن تتمتع بالمحتوى الحقيقي للملكية، الذي يتمثل في سيطرتها المطلقة
على مقدرات البلاد وثرواتها. وهكذا تحصل هذه الطبقة على نفس الفرص.
التي كان الرأسماليون الاحتكاريون يتمتعون بها في المجتمع الرأسمالي،
إذ تقف_ فوق الأنظمة_ وراء كل عمل من أعمال الدولة، وتحتكر
لنفسها حق تمثيل المجتمع اللاطبقي والتصرف في ممتلكاته، وتصبح_ في
هذه اللحظة_ أقدر من أي رأسمالي آخر على سرقة القيمة الفائضة، فما
هي الضمانات العلمية في هذا المجال؟!

وإذا أردنا أن نستعير من الماركسية لغتها، أمكننا القول: بأن التأميم في
المجتمع الاشتراكي الماركسي، يبرز تناقضاً بين الملكية الاشتراكية للمجموع
والجوهر الحقيقي للملكية الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة. فإن الملكية_
بجوهرها الواقعي_ ليست إلا السلطة على الثروة والقدرة على التمتع بها
بمختلف الأساليب. وهذا الجوهر هو الذي تتمتع به القوى السياسية،

المهيمنة على كل كيانات المجتمع وينعكس على الصعيد القانوني بشكل
امتيازات وحقوق ليست في الحقيقة إلا ستاراً مزيفاً، وترجمة قانونية لجوهر
الملكية الحقيقي، غير أن هذا المالك الجديد في المجتمع الاشتراكي الماركسي،
يختلف عن أي مالك سابق في نقطة، وهي أنه لا يستطيع أن يعترف بملكيته
قانونياً، لأن ذلك يناقض طبيعة موقفه السياسي. فالاشتراكية_ بحكم
طبيعتها السياسية_ تحمل بذرة هذا المالك الجديد وتخلقه عبر تجربتها، وإن
كانت تفرض عليه في نفس الوقت أن ينكر دوره الحقيقي في الحياة الإقتصادية
وتجعله أكثر حياء وخجلاً من الرأسمالي، الذي كان يعلن بكل وقاحه عن
ملكيته الخاصة.

وليس التأميم في الاشتراكية الماركسية حدثاً فريداً في التاريخ، فقد
وقعت تجارب سابقة لفكرة التأميم عبر التاريخ، إذ قامت بعض الدول
القديمة بتأميم كل وسائل الإنتاج، وحصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه
تماماً المكاسب، التي حصلت عليها الاشتراكية الماركسية في تجربتها. ففي
بعض الممالك الهيلينستية وفي مصر خاصة اتبعت الدولة مبدأ التأميم، وأخضعت
الإنتاج والمبادلة لإشرافها، وتولت بنفسها إدارة معظم فروع الإنتاج،
فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة، ولكنه حيث كان ينفذ في إطار
سلطة فرعونية مطلقة، لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره. فإن التأميم في
ظل سلطة مطلقة تنشيء الملكية الجماعية لتوسعة الإنتاج، لا يمكن أن يؤدي
واقعياً إلا إلى تملك السلطة نفسها، وتحكمها في الممتلكات المؤممة.. ولهذا
ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظفين، واستبداد السلطة التي كانت
تتجسد في شخص الملك، حتى قفز الملك إلى درجة(إله) وأصبحت القوى
الهائلة تنفق كلها لحساب هذا الإله الحاكم، وتحقيق رغباته من بناء المعابد
والقصور والقبور.

ولم يكن من الصفة أن تقترن تجربة التأميم في أقدم العهود الفرعونية...

 

بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسية في العصر الحديث،
من التقدم السريع في حركة الإنتاج. وتمتع السلطة بقوة تشتد وتنمو بشكل
هائل، وانحرافها واستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤممة. فقد تقدمت حركة
الإنتاج في ظل التجربة الحديثة للتأميم، كما تقدمت في ظل التأميم الفرعوني،
لأن التسخير غير الحر، في الإنتاج، يثمر دائماً التقدم السريع الموقت في
حركة الإنتاج. ونشأ التأميم في كل من التجربتين في ظل سلطة عليا،
لا تعترف لنفسها بحدود لأن التأميم حينما يقصد منه تنمية الإنتاج فحسب،
يتطلب مثل هذه السلطة الحديدية.

ونتج عن ذلك في كل من التجربتين أيضاً، استفحال أمر السلطة
وتمتعها بالجوهر الحقيقي للملكية، لأن التأميم لم يقم على أساس روحي، أو
قناعة بقيم خليقة للإنسان وإنما قام على أساس مادي، لتحقيق أكبر نصيب
من الإنتاج فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضاً بين هذا الهدف المادي،
وبين ما تحيط به نفسها من امتيازات ومتعة. ومن الطبيعي أيضاً أن لا يقر
الجهاز الحاكم الملكية العامة عملياً، إلا في حدود الدافع المادي الذي يدفعه
إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته.

ولا يبدو غريباً بعد ذلك، أن نجد جهاز الدولة في التجربة القديمة،
وهو يضج بخيانات الموظفين وإثرائهم على حساب الممتلكات العامة، ونجد
ستالين في التجربة الحديثة، وهو يضطر إلى الاعتراف بأن كبار رجال
الدولة والحزب قد استغلوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة، فجمعوا
الأموال والثروات حتى أنه أذاع ذلك في منشور عممه على جميع أبناء
الشعب.

فالتشابه بين التجربتين الاشتراكيتين واضح كل الوضوح، في الظواهر
والنتائج، وبالرغم من اختلاف ظروفهما المدنية وأشكال الإنتاج فيهما.

 

وهذا يشير إلى أن الجوهر في كلتا التجربتين واحد مهما اختلفت الألوان
والإطارات.

وهكذا نعرف أن كل تجربة للتأميم، تمنى بنفس النتائج إذا كانت في
نفس الإطار السياسي للتجربة الماركسية، إطار السلطة المطلقة، وكان
المبرر الموضوعي لها في رأي قادة التجربة، هو نفس المبرر الذي يباشر
قادة الماركسية تجربتهم على أساسه، وهو تنمية الإنتاج التي هي القوة الدافعة
للتاريخ على مر الزمن في مفاهيم المادية التاريخية.

*     *     *

وأما الركن الأخير من المرحلة الاشتراكية، فهو_ كما سبق_ مبدأ
التوزيع القائل: من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله.

ويرتكز هذا المبدأ_ من الناحية العلمية_ على قوانين المادية التاريخية.
فإن المجتمع بعد أن يصبح طبقة واحدة، بموجب قانون الاشتراكية الحديثة،
ولا تبقى طبقة عاملة وأخرى مالكة.. يكون من الضروري لكل فرد أن
يعمل ليعيش. كما أن القانون الماركسي للقيمة القائل: أن العمل هو أساس
القيمة.. يجعل لكل عامل نصيباً من الإنتاج، بالقدر الذي يتفق مع كمية
عمله. وهكذا يسير التوزيع على أن(من كل حسب طاقته ولكل حسب
عمله).

 

اقتصـادنا-16

 

وهذا المبدأ يأخذ بالتناقض مع الطبيعة اللاطبقية للمرحلة الاشتراكية،
منذ أن يوضع موضع التنفيذ. فإن الأفراد يختلفون في أعمالهم تبعاً لاختلاف
كفاءاتهم، ولنوعية العمل ودرجة تعقيده. فهذا عامل لا يطيق من العمل
ست ساعات، وذلك عامل أقوى منه بنية، يستطيع أن يعمل عشر ساعات
في كل يوم، وهذا عامل موهوب يملك من القريحة والنباهة ما يجعله يدخل
تحسينات على طريقة الإنتاج، وينتج ضعف ما ينتجه الآخرون، وذلك
عامل لم يواته الحظ، قد خلق للتقليد لا للابتكار، وهذا عامل في مدرب

 

يمارس إنتاج الأجهزة الكهربائية الدقيقة، وذاك عامل بسيط لا يمكن أن
يستخدم إلا في حمل الأثقال، وثالث يعمل في الحقل السياسي ويتوقف على
عمله مصير البلاد كلها.

واختلاف هذه الأعمال يؤدي إلى تفاوت القيم التي تخلقها تلك الأعمال.
وليست هذا الألوان الصارخة من التفاوت بين نفس الأعمال، أو
القيم الناتجة عنها، مستمدة من واقع اجتماعي معين، بل إن الماركسية
نفسها تعترف بذلك، إذ تقسم العمل إلى: بسيط ومركب، وترى أن
قيمة ساعة عمل مركب شديد التعقيد، قد تفوق بأضعاف قيمة ساعة من
العمل البسيط.

والمجتمع الاشتراكي إذ يواجه هذه المشكلة، لا يوجد أمامه إلا
سبيلان للحل.

أحدهما: أن يحتفظ بمبدأ التوزيع القائل:(لكل حسب عمله)،
فيوزع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة، وبذلك ينشيء الفروق الطبقية
مرة أخرى، فيمنى المجتمع الاشتراكي بالتركيب الطبقي بأسلوب جديد.

والآخر: أن يستعير المجتمع الاشتراكي من الرأسمالي طريقته في
اقتطاع القيمة الفائضة، على رأي ماركس، فيساوي بين جميع الأفراد
في الأجور.

وللنظرية والتطبيق اتجاهان مختلفان في حل هذه المشكلة.

فالتطبيق_ أو واقع المجتمع الاشتراكي القائم اليوم_ يتجه إلى حل
المشكلة بسلوك السبيل الأول، الذي يدفع المجتمع إلى التناقضات الطبقية من
جديد ولذلك نجد أن النسبة بين الدخل المنخفض، والدخل الراقي في روسيا
تبلغ على ما قيل 5
% و1.5%، تبعاً لاختلاف التقديرات، فقد وجد القادة الاشتراكيون: أن من المستحيل عملياً تنفيذ المساواة المطلقة، والنزول

 

بأعمال العلماء والسياسيين والعسكريين إلى مستوى العمل البسيط، لأن
ذلك يجمد النمو الفكري، ويعطل الحياة الفنية والعقلية، ويجعل أكثر
الأفراد ينصرفون إلى أتفه الأعمال ما دام الأجر هو الأجر، مهما اختلف
العمل وتعقد. ولهذا السبب نشأت الفوارق والتناقضات في ظل التجربة
الاشتراكية وقامت بعد ذلك السلطة الحاكمة بتعميق هذه الفوارق والتناقضات
وفقاً لطبيعتها السياسية، فأنشأت طبقة البوليس السري، وميزت عملها
الجاسوسي بامتيازات ضخمة، وسخرتها لتدعيم كيانها الدكتاتوري، ولم
يستيقظ المجتمع بعد أن أسفر الصبح إلا عن نفس الواقع، الذي كانت
تمنيه الاشتراكية بالخلاص منه.

وأما اتجاه النظرية في حل المشكلة: فقد جاءت إشارة إلى تجديد هذا
الاتجاه في كتاب(ضد دوهرنك)، إذ عرض انجلز المشكلة، وكتب
في الجواب عليها.

((كيف سنحل إذن مسألة دفع أعلى الأجور عن العمل المركب، وهي مسألة هامة برمتها؟. يدفع
الأفراد أو عائلاتهم في مجتمع المنتجين الخاصين تكاليف تدريب العامل الكفؤ، لذا فإن الثمن العالي الذي يدفع
عن القوة العاملة الكفؤة ناجم عن الأفراد أنفسهم.
فالرقيق الماهر يباع بثمن عال، وكاسب الأجر والماهر
تدفع له أجور عالية. إن المجتمع إذ يكون منظماً تنظيماً اشتراكياً فإنه هو الذي يتحمل هذه التكاليف. فإليه
إذن تعود ثمراتها وهي القيم العالية التي ينتجها العمل
المركب، ولا تكون زيادة الأجور مطلباً من مطالب العامل
))([69]).

 

وهذا الحل النظري للمشكلة الذي يقدمه انجلز، يفترض أن القيم العالية
التي يمتاز بها العمل المركب عن العمل البسيط، تعادل تكاليف تدريب
العامل الكفؤ على العمل المركب. ونظراً إلى أن الفرد في المجتمع الرأسمالي
يتحمل بنفسه تكاليف تدريبه، فيستحق تلك القيم التي نجمت عن تدريبه.
وأما في المجتمع الاشتراكي فالدولة هي التي تنفق على تدريبه، فتكون
وحدها صاحبة الحق في القيم العالية للعمل المركب، وليس للعامل الفني
حينئذ أن يطالب بأجر يزيد على أجر العامل البسيط.

ولكن هذا الافتراض يناقض الواقع، فإن القيم العالية التي يحصل عليها
العامل السياسي العسكري، في مجتمع المنتجين الخاصين_ في المجتمع
الرأسمالي_ تزيد كثيراً عن تكاليف دراسته للعلوم السياسية والعسكرية،
كما مر سابقاً.

أضعف إلى ذلك أن انجلز لم يضع معالجته للمشكلة في صيغة دقيقة،
تنفق مع الأسس العلمية المزعومة في الاقتصاد الماركسي،فقد غاب عن
ذهن انجلز أن السلعة التي ينتجها العامل الفني المدرب، لا يدخل في قيمتها
_ التي يخلقها العامل_ ثمن تدريبه وأجور دراسته، وإنما الذي يحدد قيمتها
كمية العمل المنفقة على إنتاجها فعلاً، مع كمية العمل التي أنفقها العامل
خلال الدراسة والتدريب. فمن الممكن أن ينفق العامل عشر سنوات من
العمل في التدريب، ويكلفه، ذلك ألف دينار. ويكون ثمن التدريب هذا
_ هو ألف دينار_ معبراً عن كمية من العمل المختزن فيه، تقل عن عمل
عشر سنوات. فأجرة التدريب_ في هذا الفرض_ تصبح أقل من القيمة
التي ساهم عمل العامل خلال تدريبه في إيجادها، نظير تكاليف تجديد قوة
العمل، التي تقل عن القيمة التي يخلقها العمل نفسه، كما تزعم نظرية القيمة
الفائضة.

فما يصنع انجلز إذا أصبحت كمية العمل، الماثلة في تكاليف تدريب

 

العامل.. أقل من كمية العمل التي ينفقها العامل خلال التدريب؟! إن
الدولة ليس من حقها في هذه الحال_ على أساس الاقتصاد الماركسي_
أن تقتطف ثمرات التدريب، وتسلب من العامل القيمة التي خلقها بعمله.
في السلعة خلال التدريب، بوصفها قد دفعت أجرة التدريب، لأن القيمة
الزائدة التي يتمتع بها منتوج العامل الفني، لا تعبر عن تكاليف تدريبه وأجرة
دراسته، بل عن العمل الذي قضاه العامل خلال الدراسة. فإذا زاد هذا
العمل على كمية العمل المتمثلة في نفقات التدريب، كان للعامل الحق في
زيادة الأجر على إنتاجه الفني.

وشيء آخر فات انجلز أيضاً وهو: أن تعقيد العمل لا ينشأ دائماً من
التدريب، بل قد يحصل بسبب مواهب طبيعية في العامل، تجعله ينتج في
ساعة من العمل ما لا ينتج اجتماعياً إلا خلال ساعتين. فهو يخلق في الساعة
القيمة التي يخلقها غيره في ساعتين، بسبب من كفاءته الطبيعية، لا من
تدريس سابق. فهل يأخذ هذا العامل ضعف ما يأخذه غيره، فيمنى المجتمع
الاشتراكي بالفوارق والتناقضات، أو يساوى بينه وبين غيره ولا يعطي
إلا نصف ما يخلقه من القيمة. فيرتكب المجتمع الاشتراكي بذلك سرقة
القيمة الفائضة؟!

وهكذا يتلخص: أن الحكومة في المرحلة الاشتراكية الماركسية،
لا محيد لها عن أحد أمرين: فأما أن تطبق النظرية، كما يفرضه القانون
الماركسي للقيمة، فتوزع على كل فرد حسب عمله. فتخلق بذرة التناقض
الطبقي من جديد. وإما أن تنحرف عن النظرية في مجال التطبيق، وتساوي
بين العمل البسيط والمركب، والعامل الاعتيادي والموهوب. فتكون قد
اقتطعت من العامل الموهوب القيمة الفائضة، التي يتفوق بها عن العامل
البسيط، كما كان يصنع الرأسمالي تماماً في حساب المادية التاريخية.

 

 

 

 

 

الشيوعية

وننتهي من دراسة المرحلة الاشتراكية، إلى المرحلة النهائية التي يولد
فيها المجتمع الشيوعي. ويحشر البشر إلى الفردوس الأرضي الموعود، في
نبوءات المادية التاريخية.

وللشيوعية ركنان رئيسيان:

الأول: محو الملكية الخاصة، لا في مجال الإنتاج الرأسمالي فحسب،
بل في مجال الإنتاج بصورة عامة، وفي مجال الاستهلاك أيضاً، فتؤمم كل
وسائل الإنتاج وكل البضائع الإستهلاكية.

والثاني: محو السلطة السياسية وتحرير المجتمع من الحكومة بصورة
نهائية.

أما محو الملكية الخاصة في كل المجالات، فهو لا يستمد وجوده في
المذهب من قانون علمي للقيمة، كما كان تأميم وسائل الإنتاج الرأسمالي يقوم
على أساس نظرية القيمة الفائضة، والقانون الماركسي للقيمة.. وإنما تقوم
الفكرة في تعميم التأميم: على افتراض أن المجتمع يبلغ بفضل النظام الاشتراكي

 

درجة عالية من الثروة، كما تنمو القوى المنتجة نمواً هائلاً، فلا يبقى
موقع للملكية الخاصة لبضائع الاستهلاك، فضلاً عن ملكية وسائل الإنتاج
لأن كل فرد سوف يحصل في المجتمع الشيوعي على ما يحتاج إليه، ويتوق
إلى استهلاكه في أي وقت شاء. فأي حاجة له في الملكية الخاصة؟!.

وعلى هذا الأساس يقوم مبدأ التوزيع في المجتمع الشيوعي، على قاعدة:
إن لكل حسب حاجته لا حسب عمله، أي أن كل فرد يعطى قدر ما يشبع
رغبة ويحقق سائر طلباته، لأن الثروة التي يملكها المجتمع قادرة على إشباع
كل الرغبات...

ونحن لا نعرف فرضية أكثر إمعاناً في الخيال وتجنيحاً في آفاقه البعيدة،
من هذه الفرضية التي تعتبر: إن كل إنسان في المجتمع الشيوعي قادر على
إشباع جميع رغباته وحاجته إشباعاً كلياً، كما يشبع حاجاته من الهواء
والماء، فلا تبقى ندرة ولا تزاحم على السلع، ولا حاجة إلى الاختصاص
بشيء.

ويبدو من هذا، أن الشيوعية كما تصنع المعجزات في الشخصية الإنسانية،
فتحول الناس إلى عمالقة في الإنتاج، بالرغم من انطفاء الدوافع الذاتية
والأنانية في ظل التأميم.. كذلك تصنع المعجزة مع الطبيعة نفسها، فتجردها
عن الشح والتقتير، وتمنحها روحاً كريمة تسخو دائما بكل ما يتطلبه الإنتاج
الهائل، من موارد ومعادن وأنهار.

ومن سوء الحظ أن قادة التجربة الماركسية، حاولوا أن يخلقوا الجنة
الموعودة على الأرض ففشلوا، وظلت التجربة تتأرجح بين الاشتراكية
والشيوعية، حتى أعلنت بصراحة عجزها عن تحقيق الشيوعية بالفعل،
كما تعجز كل تجربة تحاول اتجاهاً خيالياً يتناقض مع طبيعة الإنسان. فقد
اتجهت الثورة الاشتراكية في باديء الأمر اتجاهاً شيوعياً خالصاً، إذ حاول
لينين أن يكون كل شيء شائعاً بين المجموع. فانتزاع الأرض من أصحابها

 

وجرد الفلاحين من وسائل إنتاجهم الفردية فتمرد الفلاحون وأعلنوا إضرابهم
عن العمل والإنتاج، فنشأت المجاعة الهائلة التي زعزعت كيان البلاد،
وأرغمت السلطة على العدول عن تصميمها، فردت للفلاح حق التملك،
واستعادت البلاد حالتها الطبيعية، إلى أن جاءت سنة(28-30) فحدث
انقلاب آخر أريد به تحريم الملكية من جديد، فاستأنف الفلاحون ثورتهم
وإضرابهم، وأمعنت الحكومة في الناس قتلاً وتشريداً وغصت السجون
بالمعتقلين، وبلغت الضحايا_ على ما قيل_ مائة ألف قتيل، باعتراف
التقارير الشيوعية. وأضعاف هذا العدد في تقدير أعدائها. وراح ضحية
المجاعة الناجمة عن الاضراب والقلق سنة(1932)، ستة ملايين نسمة
باعتراف الحكومة نفسها، فاضطرت السلطة إلى التراجع، وقررت منح
الفلاح شيئاً من الأرض وكوخاً وبعض الحيوانات للاستفادة منها، على
أن تبقى الملكية الأساسية للدولة، وينضم الفلاح إلى جمعية(الكلخوز
الزراعية الاشتراكية) التي تتعهدها الدولة، وتستطيع أن تطرد أي عضو
منها متى شاءت.

*     *     *

وأما الركن الثاني للشيوعية(زوال الحكومة)، فهو أطرف ما في
الشيوعية من طرائف. وتقوم الفكرة فيه على أساس رأي المادية التاريخية في
تفسير الحكومة القائل: بأن الحكومة وليدة التناقض الطبقي، لأنها الهيئة
التي تخلقها الطبقة المالكة لاخضاع الطبقة العاملة لها. ففي ضوء هذا التفسير
لا يبقى للحكومة أي مبرر في مجتمع لا طبقي، بعد أن يتخلص من كل
آثار الطبقية وبقاياها، ويصبح من الطبيعي أن تتلاشى الحكومة تبعاً لزوال
الأساس التاريخي لها.

ومن حقنا أن نتساءل عن هذا التحول، الذي ينقل التاريخ من مجتمع
الدولة إلى مجتمع متحرر منها، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية:

كيف يتم هذا التحول الاجتماعي؟!. وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية،
فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة، كما انتقل
من الرأسمالية إلى الاشتراكية؟!. أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية،
فتذبل الدولة وتتقلص حتى تضمحل وتتلاشى؟!.

فإذا كان التحول ثورياً آنياً، وكان القضاء على حكومة البروليتاريا
سيتم عن طريق الثورة، فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتم على يدها هذا
التحول؟!. وقد علمتنا الماركسية أن الثورة الاجتماعية على حكومة،
إنما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة. فلا بد إذن في هذا
الضوء أن يتم التحول الثوري إلى الشيوعية، على أيدي غير الطبقة التي تمثلها
الحكومة الاشتراكية وهي طبقة البروليتاريا. فهل تريد الماركسية أن تقول
لنا أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين؟!.

وإذا كان التحول من الاشتراكية وزوال الحكومة تدريجياً.. فهذا
يناقض_قبل كل شيء_ قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية.
فإن قانون الكمية والكيفية في الديالكتيك يؤكد: أن التغيرات الكيفية
ليست تدريجية، بل تحصل بصورة فجائية، وتحدث بقفزة من حالة إلى
أخرى. وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع
كل مرحلة تاريخية، بوصفها تحولاً آنياً. فكيف بطل هذا القانون عند
تحول المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية.

والتحول التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية، كما
يناقض قوانين الديالكتيك، كذلك يناقض طبيعة الأشياء. إذ كيف يمكن
أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي، تتنازل في التدريج عن
السلطة وتقلص ظلها، حتى بنفسها على نفسها، بينما كانت كل
حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها، وتدافع عن وجودها
السياسي إلى آخر لحظة من حياتها؟!. فهل هناك أغرب من هذا التقليص

 

التدريجي تتبرع بتحقيقه الحكومة نفسها، فتسخو بجياتها في سبيل تطوير
المجتمع؟!، بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية،
والتجربة الواقعية التي تجسد اليوم في العالم؟! فقد عرفنا أن من ضرورات
المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان، فكيف تصبح
هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائياً؟!،
وكيف يمهد استفحال السلطة واستبدادها إلى زوالها واختفائها؟!!.

وأخيراً: فلنجنح مع الماركسية في أخيلتها، ولنفترض أن المعجزة
قد تحققت، وإن المجتمع الشيوعي قد وجد، وأصبح كل شخص يعمل
حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدد
هذه الحاجة، وتوفق بين الحاجات المتناقضة فيما إذا تزاحمت على سلعة
واحدة، وتنظم العمل وتوزعه على فروع الإنتاج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00