0021655423074

4_ العوامل الطبيعية والماركسية

ومن مظاهر النقصان البارزة في الفرضية الماركسية، تناسي العوامل
الفيزيولوجية والسيكولوجية والفيزيائية، وإهمال دورها في التاريخ، مع
أنها قد تكون في بعض الأحايين ذات تأثير كبير في حياة المجتمع وكيانه
العام، لأنها هي التي تحدد للفرد اتجاهاته العلمية، وعواطفه وكفاءاته
الخاصة، تبعاً لما تتحفه به من تركيب عضوي خاص، وهذه الاتجاهات
والعواطف والكفاءات، التي تختلف في الأفراد وفقاً لتلك العوامل، وتساهم
في صنع التاريخ، وتقوم بأدوار إيجابية متفاوتة في حياة المجتمع.

 

فكلنا نعلم بالدور التاريخي، الذي لعبته مواهب نابليون العسكرية،
وشجاعته الفريدة، في حياة أوروبا.

وكلنا نعلم بميوعة لويس الخامس عشر، وآثارها التاريخية خلال حرب
السنوات السبع، التي خاضتها فرنسا إلى جانب النمسا. فقد استطاعت امرأة
واحدة، كمدام(بومبادور)، أن تملك إرادة الملك، وبالتالي أن تدفع
فرنسا للاشتراك مع النمسا في حربها، وتحمّل العواقب الوخيمة التي أسفرت
عنها.

وكلنا نعلم بالدور التاريخي، الذي نجم عن حادثة غرام خاصة، في
حياة ملك انجليزي كهنري، إذ أدت تلك الحادثة إلى انفصال العائلة المالكة،
وبالتالي انكترا كلها، عن المذهب الكاثوليكي.

وكلنا نعلم ما فعلته عاطفة الأبوة، التي دفعت بمعاوية بن أبي سفيان،
إلى اتخاذ كل الأساليب الممكنة، لأخذ البيعة لإبنه يزيد، الأمر الذي عبّر
في وقته عن تحوّل حاسم، في المجرى السياسي العام.

فهل كان التاريخ سيتم بنفس الصورة التي وجدت فعلاً، لو لم يكن
نابليون رجلاً عسكرياً حديدياً، ولم يكن لويس ذائباً مستسلماً لمحظياته،
ولم يعشق هنري(آن بولين)، ولم تسيطر عاطفة خاصة على معاوية بن أبي
سفيان.

وليس أحد يدري ماذا كان يحدث؟ لو لم تسمح الشروط الطبيعية
للوباء باكتساح أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وامتصاص مئات الآلاف
من سكانها مما ساعد على انهيارها وتغير الوجه التاريخي العام.

ولا يدري أحد أيضاً أي اتجاه كان يتجه التاريخ القديم، لو أن جندياً
مقدونياً لم ينقذ حياة الاسكندر، في اللحظة المناسبة، فيقطع اليد التي أهوت
عليه بالسيف من خلفه، وهو في طريقه إلى فتح عسكري خطير، امتدت
آثاره عبر الأجيال والقرون.

 

وإذا كانت تلك الصفات من الصلابة، والميوعة، والغرام، والعاطفة،
ذات تأثير في التاريخ، ومجرى الحوادث الاجتماعية. فهل من الممكن أن
نفسر هذه الصفات، على أساس القوى المنتجة والأوضاع الاقتصادية،
لننتهي مرة أخرى إلى العامل الاقتصادي، الذي تؤمن به الماركسية؟!.

الحقيقة أن أحداً لا يشك، في أن هذه الصفات لا يمكن تفسيرها على
أساس العامل الاقتصادي، وقوى الإنتاج. فإن الوسائل المنتجة والظروف
الاقتصادية ليست هي التي كوّنت المزاج الخاص، للملك لويس الخامس
عشر مثلاً، بل كان من الممكن_ لو ساعدت الشروط الطبيعية والسيكولوجية
_ أن يكون لويس الخامس عشر، شخصاً صلباً قوي الإرادة، نظير
لويس الرابع عشر، أو نابليون مثلاً، وإنما نبع مزاجه الخاص، من
الخصائص الفيزيائية والفيزيولوجية والنفسية، التي يتكون منها وجوده
الخاص، وشخصيته المتميزة.

وقد تبتدر الماركسية هنا، قائلة: أليست العلاقات الاجتماعية، التي
أنشأها العامل الاقتصادي في المجتمع الفرنسي، هي التي سمحت للملك
لويس أن يؤثر على التاريخ، ويعكس ميوعته على الأحداث العسكرية
والسياسية، بما أقرّته تلك العلاقات من النظام الملكي الوراثي؟ فالدور
التاريخي الذي أداه هذا الملك ليس في الحقيقة إلا نتاجاً لهذا النظام، الذي هو
بدوره وليد الوضع الاقتصادي وقوى الإنتاج، وإلا فمن يستطيع أن
يقول: أن لويس كان يمكنه أن يؤثر في التاريخ، لو لم يكن ملكاً، ولم
تكن فرنسا تعترف بنظام الملكية الوراثية في الحكم([41]؟!.

وهذا صحيح، فإن لويس لو لم يكن ملكاً لكان كمية مهملة، في
حساب التاريخ. ولكنا نقول من ناحية أخرى: أنه لو كان ملكاً، يتمتع

 

بشخصية صلبة وقوة تصميم، لاختلف دوره التاريخي، ولاختلفت بالتالي
أحداث فرنسا السياسية والعسكرية، فما الذي سلب منه صلابة الشخصية،
وحرمه من قوة التصميم؟، أهو النظام الملكي أو العوامل الطبيعية التي
ساهمت في تركيبه العضوي وتكوينه الخاص؟!.

وبكلمة أخرى: إن ثلاثة تقادير كان من الممكن أن يوجد أي واحد
منها في فرنسا: السلطة السياسية الجمهورية، والسلطة الملكية المتمثلة في
شخص مائع، والسلطة الملكية المتمثلة في ملك قوي حديدي.

ولكل من هذه التقادير الثلاثة أثره الخاص، في مجرى الحوادث
السياسية والعسكرية، وبالتالي في تكوين فرنسا لفترة من الزمن. فلنتبين
فحوى قوانين التاريخ التي استكشفتها الماركسية، وفسرت على أساسها
التاريخ بالعامل الاقتصادي.

إن هذه القوانين تشير، إلى أن الوضع الاقتصادي لم يكن يسمح بقيام
سلطة جمهورية في البلاد، بل كان يفرض النظام الملكي في الحكم. ولنفترض
أن هذا صحيح، فليس هو إلا جانباً واحداً من المسألة، لأننا نستطيع بذلك
أن نستبعد التقدير الأول، ويبقى التقديران الآخران. فهل هناك قانون
علمي يحتم وجود ملك مائع أو قوي، في تلك الفترة من تاريخ فرنسا،
سوى القوانين العلمية: في الفيزياء والفيزيولوجيا والسيكولوجيا، التي
تفسر شخصية لويس ومزاجه الخاص؟؟.

وهكذا نعرف، أن للأفراد أدوارهم في التاريخ، التي تحددها لهم
العوامل الطبيعية والنفسية، لا قوى الإنتاج السائدة في المجتمع.

وليست هذه الأدوار التاريخية، التي يقوم بها الأفراد وفقاً لتكوينهم
الخاص أدواراً ثانوية في عملية التاريخ دائماً، كما زعم (بليخانوف)
الكاتب الماركسي الكبير إذ أكد على:

 

((إن الخصائص الفردية، التي يتصف بها الرجال العظام، تحدد السمة الخاصة للحوادث التاريخية، وتحدد
عامل المصادفة... وتلعب دوراً جزئياً في مجرى هذه
الحوادث، التي تحدد اتجاهها في النهاية، الأسباب
الموصوفة بالعامة، أي بتطور القوى المنتجة، وبالعلاقات
التي تحددها هذه القوى بين الناس
))([42]).

ولا نريد أن نعلّق على تأكيد(بليخانوف) هذا، إلا بمثال واحد،
نستطيع أن ندرك في ضوئه: كيف يمكن أن يكون دور الفرد، سبباً
لتحوّل الاتجاه التاريخي بشكل حاسم؟ فماذا كان يقدّر لوجهة التاريخ العالمي،
لو أن عالماً ذرياً في ألمانيا النازية، قد سبق إلى اكتشاف سر الذرة بعدة شهور
فقط؟ ألم يكن امتلاك هتلر لهذا السر، كفيلاً بتغيير وجهة التاريخ،
وتقويض الديمقراطية الرأسمالية، والاشتراكية الماركسية من أوروبا؟
فماذا لم يستطع هتلر أن يملك هذا السر؟ ليس ذلك طبعاً بسبب من الوضع الاقتصادي، ونوعية القوى المنتجة، وإنما هو لأن الفكر العلمي، لم يستطع
في تلك اللحظة أن يستكشف السر الذي اكتشفه بعد ذلك بعدة شهور فقط،
تبعاً لظروفه الفيسولوجية والسيكولوجية.

بل ماذا كان يمكن أن يقع، لو أن العلماء الروس لم يصلوا إلى سر
الذرة؟ ألم يكن من الممكن أن يستغل المعسكر الرأسمالي، في تلك اللحظة
قوى الذرة، في القضاء على الحكومات الاشتراكية؟! فيم نستطيع أن نفسر
اكتشاف العلماء الروس للسر، الأمر الذي أنقذ العالم الاشتراكي من الدمار؟
لا يمكننا أن نقول أن قوى الإنتاج، هي التي أزاحت الستار عن هذا السر،
وإلا فلماذا لم يدركه نفر خاص، من العدد الكبير من العلماء الذريين الذين

 

كانوا يمارسون التجارب الذرية؟! فإن هذا يوضح، أن الاكتشاف مدين
_بصورة خاصة_ للتركيب العضوي الخاص، وشروطه الذهينة. ولو
لم تتهيأ هذا الشروط، في شخص أو أشخاص معدودين من علماء الروس،
ولم يوحد النبوغ العلمي الخاص، المرتهن بذلك التركيب وتلك الشروط،
لمنيت الاشتراكية بالدمار والهزيمة الكبرى، وبالرغم من قوانين المادية
التاريخية كلها.

وإذا كان من الممكن أن توجد لحظات في حياة الإنسان، تقرر مصير
التاريخ أو نوعية الأحداث الاجتماعية، فكيف يمكن أن تكون قوانين
الوسائل المنتجة، هي القوانين الحتمية للتاريخ؟!.

 

5_ الذوق الفني والماركسية

والذوق الفني في الإنسان_بوصفه ظاهرة اجتماعية، اشتركت فيها
كل المجتمعات، على اختلافها في النظم والعلاقات ووسائل الإنتاج_ لون
آخر من الحقائق الاجتماعية، التي تضيق بها المادية التاريخية كما سنرى.

والحديث عن الذوق الفني له جوانب عديدة. فالرسام حين يبدع
صورة رائعة، لزعيم سياسي، أو لمعركة حربية. قد نسأل مرة عن الطريقة
التي اتبعها هذا الفنان، في إبداع الصورة، ونوعية الأدوات التي استعملها،
وقد نسأل مرة أخرى عن الهدف الذي كان يرمي إليه، من وراء هذه
الصورة، وقد نسأل ثالثة لماذا نعجب بها، ونمتليء أحساساً بروعتها،
والتذاذاً بمنظرها؟

ويمكن للماركسية التي تجيب على السؤال الأول قائلة: إن الطريقة
التي اتبعها الرسام خلال العملية، هي الطريقة التي تفرضها درجة التطور في
الأدوات وقوى الإنتاج. فالوسائل الطبيعية هي التي تقرر طريقة الرسم.

 

وكذلك يمكن للماركسية أن تجيب على السؤال الثاني، زاعمة: أن
الفن استخدم دائماً لخدمة الطبقة الحاكمة. فالهدف الذي يدعو الفنان إلى
التفنن والإبداع، هو تعزيز هذه الطبقة ومصلحتها، ولما كانت هذه
الطبقة وليدة القوى المنتجة، فوسائل الإنتاج هي الجواب الأخير على هذا
السؤال.

ولكن ماذا تصنع الماركسية بالسؤال الثالث: لماذا نعجب بالصورة
ونستذوقها؟؟ فهل قوى الإنتاج أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق في نفوسها
هذا الإعجاب، وهذا الذوق الفني، أو هو شعور وجداني، وذوق ينبع
من صميم النفس، وليس مستورداً من وسائل الإنتاج وظروفها الطبقية؟

إن المادية التاريخية تفرض على الماركسية أن تفسر الذوق الفني بقوى
الإنتاج، والمصلحة الطبقية، لأن العامل الاقتصادي هو الذي يفسر كل
الظواهر الاجتماعية، في المادية التاريخية، ولكنها لا تستطيع ذلك، وإن
حاولته، إذ لو كانت القوى المنتجة، أو المصلحة الطبقية، هي التي تخلق
هذا الذوق الفني، لزال بزوالها، ولتطور الذوق الفني تبعاً لتطور وسائل
الإنتاج، كما تتطور سائر الظواهر والعلاقات الاجتماعية، مع أن الفن
القديم بآياته الرائعة، لا يزال في نظر الإنسانية حتى اليوم، منبعاً من منابع
اللذة الجمالية، ولا يزال يتحف الإنسان وهو في عصر الذرة، بما كان
يتحفه به قبل آلاف السنين، من انشراح وسحر فكيف ظلت هذه المتعة،
النفسية، حتى أخذ الإنسان الاشتراكي والرأسمالي، يتمتع بفن مجتمعات
الرق، كما كان الأسياد، والعبيد يتمتعون بها؟! وبقدرة أي قادر استطاع
الذوق الفني أن يتحرر من قيود المادية التاريخية، ويخلد في وعي الإنسان؟!
أليس العنصر الإنساني الأصيل، هو التفسير الوحيد، الذي يجيب على
هذه الأسئلة؟!.

ويقوم ماركس هنا بمحاولة، للتوفيق بين قوانين المادية التاريخية

 

وإعجاباً بالفن الإنساني القديم، زاعماً: أن الإنسان الحديث، يلتذ بروعة
الفن القديم بوصفه ممثلاً لطفولة النوع البشري، كما يلذ لكل إنسان أن
يستعرض أحوال طفولته البريئة، الخالية من التعقيد([43]).

ولكن ماركس لا يقول لنا شيئاً عن سرور الإنسان بأحوال الطفولة،
فهل هو نزعة أصيلة في الإنسان، أو ظاهرة خاضعة للعامل الاقتصادي
ومتغيرة تبعاً له؟!.

ثم لماذا يجد الإنسان الحديث، المتعة والسحر في روائع اليونان الفنية
مثلاً، ولا يجد هذه المتعة والسحر في استعراض بقية ظواهر حياتهم، من
أفكار وعادات ومفاهيم بدائية، مع أنها جميعاً تمثل طفولة النوع البشري؟!

وماذا يقول لنا ماركس، عن المناظر الطبيعية الخالصة، التي كانت
منذ أبعد آماد التاريخ ولا تزال، قادرة على إرضاء الحس الجمالي في الإنسان،
وبعث المتعة إلى نفسه؟! فكيف نجد المتعة في هذه المناظر، كما كان يجدها
الأسياد والرقيق، والإقطاعيون والأقنان، مع أنها مظاهر طبيعية، لا تميّل
شيئاً من طفولة النوع البشري، التي يفسر ماركس على أساسها إعجابنا
بالفن القديم!..

أفلسَنا نعرف من هذا، أن المسألة ليست مسألة الإعجاب بصور
الطفولة، وإنما هي مسألة الذوق الفني الأصيل العام، الذي يجعل إنسان
عصر الرق، وإنسان عصر الحرية، يشعران بشعور واحد!!.

*     *     *

وفي ختام دراستنا هذه، للنظرية بما هي عامة، ألا نجد من الطبيعي أن
يندم انجلز، المؤسس الثاني للمادية التاريخية، على المبالغة بدور العامل

 

الاقتصادي في التاريخ، ويعترف بأنه مع صديقه ماركس، قد اندفعنا بروح
مذهبية في مفهومهما المادي عن التاريخ، اندفاعاً خاطئاً؟ فقد كتب انجلز
إلى يوسف بلوخ عام(1890) يقول:

((إن توجيه الكتّاب الناشئين، الاهتمام إلى الجانب الاقتصادي، بأكثر مما يستحق، أمر يقع اللوم فيه على
عاتقي وعاتق ماركس. لقد كان علينا أن نؤكد هذا
المبدأ الرئيسي. لنعارض خصومنا الذين كانوا ينكرونه،
ولم يكن لدينا الوقت أو المكان أو الفرصة، لنضع
العناصر الأخرى التي تتضمنها العلاقة المتداخلة، في
مواضعها الحقيقية
))([44]).

 

 

 

 

 

 

النظـرية بتفاصيـلها

حين نأخذ تفاصيل النظرية بالدرس والتمحيص، يجب أن نبدأ بالمرحلة
الأولى من مراحل التاريخ، في رأي الماركسية، وهي الشيوعية البدائية.
فلقد مرت الإنسانية في عقيدة الماركسيين بدور الشيوعية البدائية، في مطلع
حياتها الاجتماعية، وكان هذا الدور يحمل في طياته نقيضه، وفقاً لقوانين
الديالكتيك وبعد صراع طويل، نما النقيض واشتد، حتى حطم الكيان
الشيوعي للمجتمع، وبرز النقيض منتصراً في ثوب جديد، وهو النظام
العبودي ومجتمع الرق بدلاً عن نظام الإشاعة ومجتمع المساواة.

هل وجد المجتمع الشيوعي؟

وقبل أن نستوعب تفاصيل هذه المرحلة، يعترض البحث سؤال أساسي:
ما هو الدليل العلمي، على أن البشرية مرت بدور الشيوعية البدائية حقاً! بل
كيف يمكن الحصول على هذا الدليل العلمي، ما دمنا نتكلم عن الإنسانية
قبل عصور التاريخ المأثور! وقد حاولت الماركسية تذليل هذه الصعوبة،
وتقديم الدليل العلمي على صحة فهمها لتلك المرحلة المغمورة، من حياة

 

المجتمع البشري. بالاستناد إلى ملاحظة عدة مجتمعات معاصرة، حكمت
عليها الماركسية بالبدائية، واعتبرتها مادة علمية للبحث. عما قبل عصر
التاريخ، بوصفها ممثلة للطفولة الاجتماعية، ومعبرة عن نفس الحالة البدائية،
التي مرت بها المجتمعات البشرية بصورة عامة. ولما كانت معلومات الماركسية
عن هذا المجتمعات البدائية المعاصرة، تؤكد أن الشيوعية البدائية هي
الحالة السائدة فيها، فيجب إذن أن تكون هي المرحلة الأولى، لكل المجتمعات
البدائية في ظلمات التاريخ. وبذلك خيل للماركسية، أنها وضعت يدها على
الدليل المادي المحسوس.

ولكن يجب أن نعلم_ قبل كل شيء_ أن الماركسية، لم تتلق
معلوماتها عن تلك المجتمعات البدائية المعاصرة، بصورة مباشرة، وإنما
حصلت عليها عن طريق الأفراد الذين اتفق لهم الذهاب إلى تلك المجتمعات
والتعرف على خصائصها. وليس هذا فقط، بل إنها لم تأخذ بعين الاعتبار،
إلا المعلومات التي تتفق مع نظريتها العامة واتهمت كل المعلومات التي
تتعارض معما، بالتحريف والتزوير، وبهذا كانت البحوث الماركسية،
تتجه إلى انتقاء المعلومات النافعة للنظرية، وتحكيم النظرية نفسها في تقدير
قيمة المعلومات والإخبار، التي تقدم عن تلك المجتمعات، بدلاً عن تحكيم
المعلومات في النظرية، وامتحان النظرية في ضوئها. ونستمع بهذه المناسبة
إلى كاتب ماركسي كبير يقول:

((وبالقدر الذي نستطيع أن نتوغل في الماضي،
نجد أن الإنسان كان يعيش في مجتمعات. ومما يسهّل
دراسة المجتمعات البدائية القديمة، انه ما زالت تسود
ظروف اجتماعية بدائية، حتى عصرنا هذا، بين كثير
من الشعوب، كما هو الحال بالنسبة لبعض السكان
الملوّنين، في أفريقيا وبولونيزيا وماليزيا واستراليا،

 

    وهنود أمريكا قبل اكتشافها، والأسكيمو واللاجون...
الخ. وأغلب المعلومات الكثيرة التي وصلتنا من هذه
المجتمعات البدائية، قدمها رجال البعثات التبشيرية
الذين حرّفوا الحقائق عن قصد أو غير قصد
))([45]).

ولنسلّم أن المعلومات التي اعتمدت عليها الماركسية، عن تلك المجتمعات
المعاصرة، هي وحدها المعلومات الصحيحة فمن حقنا بعد ذلك أن نتساءل
عن هذه المجتمعات: هل هي مجتمعات بدائية، يمكن الاعتماد عليها في
تصوير البدائية الاجتماعية؟ وبالنسبة إلى هذا السؤال الجديد، لا تملك
الماركسية دليلاً واحداً على بدائية هذه المجتمعات المعاصرة، بالمعنى العلمي
للّفظ. بل إن قوانين التطور الحتمي للتاريخ، التي تؤمن بها الماركسية،
تقضي بأن تلك المجتمعات قد شملتها عملية التطور الاجتماعي حتماً فالماركسية
حين تزعم، أن الحالة الحاضرة لتلك المجتمعات، هي حالتها البدائية،
تبطل قوانين التطور، وتقرر الجمود عبر آلاف السنين.

كيف نفسر الشيوعية البدائية!

ولنترك هذا لنرى الماركسية كيف تفسر هذه المرحلة الشيوعية المزعومة،
وفقاً لقوانين المادية التاريخية؟

إن الماركسية تفسر علاقات الملكية الشيوعية، في المجتمع البدائي
للبشرية، بالدرجة البدائية، التي كانت عليها قوى الإنتاج حينئذ، وظروف
الإنتاج السائدة. فإن الناس كانوا مضطرين إلى ممارسة الإنتاج، بشكل
اجتماعي مشترك، والتكتل في وجه الطبيعة، نظراً إلى ما كان عليه الإنسان

 

من ضعف وقلة حيلة. والاشتراك في الإنتاج، يحتّم قيام علاقات الملكية
الاشتراكية، ولا يسمح بفكرة الملكية الخاصة. فالملكية إنما كانت اشتراكية
لأن الإنتاج اشتراكي. ويقوم التوزيع بين أفراد المجتمع، على أساس
المساواة، بسبب من ظروف الإنتاج أيضاً لأن المستوى الشديد الانخفاض
للقوى المنتجة، فرض تقسيم الغذاء الضئيل والسلع البسيطة المنتجة إلى أجزاء
متساوية، وكان من المستحيل قيام أي طريقة أخرى للتقسيم، لأن
حصول أحد الأفراد على نصيب يزيد على نصيب الآخرين يعني أن يموت
شخص آخر جوعاً([46]).

بهذه الطريقة تفسر الماركسية شيوعية المجتمع البدائي، وتشرح أسباب
المساواة السائدة فيه، التي تحدّث عنها(مورجان) بصدد وصف القبائل
البدائية. التي شاهدها تعيش في سهول أمريكا الشمالية، ورآها تقسم لحوم
الحيوانات إلى أجزاء متساوية، توزع على أفراد القبيلة كلها.

تقول الماركسية هذا، في نفس الوقت الذي تناقض ذلك، عندما
تتحدث عن أخلاق المجتمع الشيوعي، وتمجّد بفضائلة فتنقل عن(جميس
آديررز) الذي درس هنود أمريكا في القرن الماضي: أن تلك الجماعات
البدائية، كانت تعتبر عدم تقديم المعونة لمن يحتاجها، جريمة كبرى يحتقر
مرتكبها، وتنقل عن الباحث(كاتلين): أن كل فرد في القرية الهندية،
رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً، كان له الحق في أن يدخل إلى أي مسكن
من المساكن، ويأكل إن كان جائعاً بل إن أولئك الذين كانوا يعجزون
عن العمل، أو يقعد بهم مجرد الكسل عن الصيد، كانوا يستطيعون رغم
ذلك أن يدخلوا إلى أي منزل يشاؤون، ويقتسمون الطعام مع من فيه.
وبذلك كان الفرد في تلك المجتمعات، يحصل على الطعام، مهما تهرّب

 

من التزاماته في إنتاج هذا الطعام، ودون أن يترتب على تهرّبه إلا إحساسه
بفقدان ملحوظ لهيبته([47]).

وهذه المعلومات التي تتحفنا بها الماركسية، عن أخلاق المجتمعات
الشيوعية البدائية، وتقاليدها المتبعة اجتماعياً، وتوضح أن مستوى القوى
المنتجة، لم يكن منخفضاً إلى الدرجة، التي تعني أن زيادة نصيب أحد
الأفراد من الإنتاج يؤدي إلى موت شخص آخر جوعاً. بل كانت توجد
وفرة، يحصل على شيء منها الضعيف والعاجز وغيرهما، فلماذا إذن
كانت المساواة في التوزيع، هي الطريقة الوحيدة الممكنة؟! وكيف
لم يخطر على ذهن أحد فكرة الاستغلال والتلاعب في التوزيع، ما دام في
الإنتاج وفرة يمكن استغلالها؟ وإذا كانت قوى الإنتاج، تسمح بقيام
الاستغلال في تلك المجتمعات فيجب أن نجد سبب عدم ظهوره فيها، ماثلاً
في درجة وعي الإنسان البدائي وفكره العملي. فقد جاءت فكرة الاستغلال
عنده كظاهرة متأخرة لهذا الوعي والفكر العملي، وكنتيجة لنموه وزيادة
الخبرة الإنسانية بالحياة.

وإذا أمكن للماركسية أن تقول_ أو أمكن لنا أن نقول من وجهة نظرنا_:
أن طريقة المساواة في التوزيع أتت في باديء الأمر تبعاً لقلة الإنتاج، ثم
تأصلت وأصبحت عادة. فهل نجد في ذلك تفسيراً معقولاً، لموقف المجتمع
البدائي من الأفراد الكسالى، الذين يتركون العمل عن قصد واختيار،
فيجدون كفايتهم في إنتاج الآخرين، دون أن يتهددهم خطر الجوع،
والحرمان؟! فهل الاشتراك الاجتماعي في عمليات الإنتاج يفرض توزيع
الإنتاج على غير المشتركين في الإنتاج أيضاً!! وإذا كان البدائيون، قد
حرصوا أول الأمر على طريقة المساواة، لئلا يموت أحدهم جوعاً،

 

فيسخرون بذلك عوناً في عمليات الإنتاج الجماعي، فلماذا حرصوا على
إعالة الكسالى الذين لا يخسرون بفقدهم شيئاً!!

ما هو نقيض المجتمع الشيوعي؟

إن المجتمع الشيوعي البدائي، منذ ولد كان في رأي الماركسية يخفى في
أحشائه تناقضاً، أخذ ينمو ويشتد حتى قضي عليه. وليس هذا التناقض
طبقياً، لأن المجتمع الشيوعي طبقة واحدة، وليس فيه طبقتان متناقضتان،
وإنما هو التناقض: بين العلاقات الشيوعية في الملكية، وقوى الإنتاج حين
تأخذ بالنمو، حتى تصبح العلاقات الشيوعية معيقة لها عن نموها، ويكون
الإنتاج عندئذ بحاجة إلى علاقات جديدة، يستطيع أن يواصل نموه ضمنها.

أما كيف، ولماذا تصبح العلاقات الشيوعية، معيقة لقوى الإنتاج
عن نموها! فهذا ما تشرحه الماركسية قائلة: إن ارتقاء القوى المنتجة،
جعل في إمكان الفرد أن ينال من عمله في تربية الماشية والزراعة، من وسائل
المعيشة ما يزيد عما يلزمه للمحافظة على حياته وبذلك أصبح الفرد قادراً
على الاكتفاء بالعمل في جزء محدود من الوقت لإعاشة نفسه، دون أن
يبذل كل طاقاته العملية. فكان لا بد_ لكي تجنّد كل الطاقات العملية
لصالح الإنتاج، كما تتطلبه القوى المنتجة في ارتقائها ونموها_ أن تخلق
قوة اجتماعية جديدة، تضطر المنتجين إلى بذل كل طاقاتهم، وحيث أن
العلاقات الشيوعية، لا يوجد فيها هذه القوة، أصبح من الضروري
استبدال تلك العلاقات بالنظام العبودي الذي يتيح للأسياد أن يرغموا العبيد،
على العمل المتواصل. وهكذا نشأ النظام العبودي.

وقد بدأ النظام العبودي أول ما بدأ، باستعباد الأسرى، الذين كانت
القبيلة تربحهم في غاراتها، وقد اعتادت قبلاً أن تقضي عليهم، لأنها لم

 

تكن تجد مصلحة في إبقائهم وإعالتهم. وبعد تطور الإنتاج، أصبح من
المصلحة الاقتصادية للقبيلة، استبقاؤهم واسترقاقهم، لأنهم ينتجون أكثر
مما يأكلون وهكذا تحول أسرى الحرب إلى عبيد. ونتيجة لإثراء الذين
استخدموا العبيد. أخذ هؤلاء الأثرياء، يستعبدون أعضاء قبيلتهم، وانقسم
المجتمع إلى سادة وعبيد، واستطاع الإنتاج أن يواصل ارتقاءه، خلال هذا
الانقسام وبفضل النظام العبودي الجديد..

ونحن إذا دقّقنا في هذا، استطعنا أن نتبين من خلال التفسير الماركسي
نفسه، أن المسألة هي مسألة الإنسان، قبل أن تكون مسألة وسائل الإنتاج.
لأن نمو القوى المنتجة لم يكن يتطلب إلا مزيداً من العمل البشري، وأما
الطابع الاجتماعي للعمل فليس له علاقة بنموها، فكما أن العمل الكثير
العبودي ينمي الإنتاج، كذلك العمل الكثير الحر فلو أن أفراد المجتمع
قرروها جميعاً، مضاعفة جهودهم في الإنتاج، وتقسيم النتاج بعد ذلك
بالتساوي، لضمنوا بذلك القوى المنتجة نموها، الذي حققه المجتمع
العبودي، بل لنما الإنتاج كيفياً ونوعياً، أكثر مما نما بممارسة العبيد، لأن
العبد يعمل بيأس، ولا يحاول أن يفكر أو يكسب خبرة في سبيل تحسين
الإنتاج، على العكس من الأحرار، المتضامنين في العمل.

 

اقتصـادنا_11

 

 

فنمو القوى المنتجة إذن لم يكن يتوقف على الطابع العبودي للعمل،
وإنما كان يتوقف على مضاعفة العمل. فلماذا إذن ضاعف الإنسان الإجتماعي
العمل، عن طريق تحويل نصف المجتمع إلى عبيد، ولم يحقق ذلك عن طريق
الاتفاق الحر_ بين الجميع_ على مضاعفة العمل! إن الجواب على هذا
السؤال لا نجده، إلا في الإنسان نفسه، وفي ميوله الطبيعية. فهو ميال
بطبيعته إلى الاقتصاد في العمل، وسلوك أوفر الطرق راحة إلى غايته. فلا
يواجه سبيلين أمامه إلى غاية واحدة، إلا اختار أقلّهما جهداً. وليس هذا
الميل الأصيل نتاجاً لوسائل الإنتاج، وإنما هو نتاج تركيبه الخاص. ولذلك

 

ظل هذا الميل ثابتاً بالرغم من تطور الإنتاج خلال آلاف السنين. كما أنه
ليس نتاجاً للمجتمع، بل إن تكوّن المجتمع إنما كان بسبب هذا
الميل الطبيعي في الإنسان، إذ رأى أن التكتل أقل الأساليب جهداً، لمقاومة
الطبيعة واستثمارها.

وهذا الميل الطبيعي، هو الذي أوحى إلى الإنسان بفكرة استعباد
الآخرين بصفته أضمن الطرق لراحته، وأقلها تكليفاً له.

وعلى هذا فليست قوى الإنتاج، هي التي صنعت للإنسان الاجتماعي،
النظام العبودي، أو دفعته في هذا السبيل، وإنما هي التي هيأت له الظروف
الملائمة، للسير وفقاً لميله الطبيعي. فمثلها في ذلك، نظير من يعطي شخصاً
سيفاً، فينفس هذا الشخص عن حقده، ويقتل به عدوه. فلا يمكننا أن
نفسر حادثة القتل هذه، على أساس السيف فحسب، وإنما نفسرها_ قبل
ذلك_ في ضوء المشاعر الخاصة، التي كانت تختلج في نفس القاتل، إذ
لم يكن تسليم السيف إليه يدفعه إلى ارتكاب الجريمة، لولا تلك المشاعر التي
ينطوي عليها.

ونلاحظ في هذا المجال، أن الماركسية تلتزم الصمت إزاء سبب آخر.
كان من الطبيعي أن يكون له أثره الكبير، في القضاء على الشيوعية، وتطوير
المجتمع إلى سادة وعبيد، وهو ما أدت إليه الشيوعية، من ركون الكثرة
الكاثرة من أفراد المجتمع، إلى الدعة والكسل والانصراف عن مواصلة
الإنتاج وتنميته، حتى كتب(لوسكيل) عن بعض القبائل الهندية يقول:

(إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئاً بأنفسهم، بل يعتمدون كل الاعتماد على احتمال: أن غيرهم
لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه. ولما كان النشيط
لا يتمتع من ثمار الأرض بأكثر مما يتمتع الخامل،
فإن إنتاجهم يقل عاماً بعد عام
).

 

فالماركسية لا تشير إلى هذه المضاعفات للشيوعية البدائية، بصفتها
عاملاً في فشلها واختفائها عن مسرح التاريخ، وقيام الأفراد النشيطين
باستعباد الكسالى واستخدامهم في مجالات الإنتاج، بالقوة.

وهذا موقف مفهوم من الماركسية تماماً، فإنها لا تعترف بما نجم عن
الشيوعية من كسل وخمول شامل، لأن ذلك يضع يدنا على الداء الأصيل
في الشيوعية، الذي يجعلها لا تصلح للإنسان بتركيبه النفسي والعضوي
الخاص الذي وجد في إطاره منذ فجر الحياة، ويبرهن على أنها لا تصلح
للطبيعة الإنسانية، ويقدّم الدليل على أن ما حصل من مضاعفات مشابهة
لذلك، خلال محاولة الثورة الحديثة في روسيا، لتطبيق الشيوعية تطبيقاً
كاملاً لم يكن نتيجة للأفكار الطبقية، والذهنية الرأسمالية المسيطرة على
المجتمع، كما يدّعي الماركسيون، وإنما كانت تعبيراً عن واقع الإنسان
ودوافعه ومشاعره الذاتية، التي خلقت معه قبل أن تولد الطبقية، وتناقضاتها
وأفكارها.

المجتمع العبودي

وبتحول المجتمع من الشيوعية البدائية، إلى مجتمع عبودي، تبدأ
المرحلة الثانية في المادية التاريخية. وببدئها تولد الطبقية في المجتمع، وينشأ
التناقض الطبقي بين طبقة السادة وطبقة العبيد، الأمر الذي قذف المجتمع
في أتون الصراع الطبقي لأول مرة في التاريخ، ولم يزل هذا الصراع قائماً
حتى اليوم بأشكال مختلفة، تبعاً لنوعية القوى المنتجة ومتطلباتها.

ومن الضروري أن نثير هنا سؤالاً_ في وجه الماركسية_ عن هذه
الانقسامية الفاصلة في حياة البشرية، التي قسمت المجتمع إلى طبقتين:
سادة وعبيد: كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك، وكتب على هؤلاء

 

الرق والعبودية؟ ولماذا لم يقم السادة بدور العبيد، والعبيد بدور السادة؟

وللماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال، فهي تقول: إن كلاً
من السادة والعبيد قد مثّل الدور المحتوم، الذي يفرضه العامل الإقتصادي
ومنطق الإنتاج. لأن الجماعة التي مثلت دور السيادة في المجتمع، كانت
على مستوى عال من الثروة نسبياً، وكانت تملك بسبب ذلك القدرة على
ربط الآخرين بها، برباط الرق والعبودية. ولكن اللغز يبقى_ بالرغم
من هذا الجواب_ كما هو، لم يتغير، لأننا نعلم أن هذه الثروات الضخمة
نسبياً، لم تهبط على الأسياد من السماء. فكيف حصل عليها هؤلاء دون
غيرهم، واستطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين، مع أن الجميع
كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد؟!

وتجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين:

أحدهما: أن الأفراد الذين كانوا يزاولون مهام الرؤساء، والقادة
الحربيين، ورجال الدين، في المجتمع الشيوعي البدائي، أخذوا يستغلون
مركزهم، لكي يحصلوا على الثروة، فامتلكوا جزاءاً من الملكية الشائعة،
وبدأوا ينفصلون شيئاً فشيئاً عن أعضاء جماعاتهم، ليكوّنوا أرستقراطية،
بينما كان أعضاء الجماعة يسقطون شيئاً فشيئاً تحت تبعيتهم الاقتصادية([48]).

والآخر: إن مما ساعد على إيجاد التفاوت والتناقض، في مستويات
الإنتاج والثروة بين أفراد المجتمع. إن جماعة حوّلت أسرى الحرب إلى
عبيد، وصارت تربح بسبب ذلك النتاج الفائض عن حاجتهم الضرورية
حتى أثرت، واستطاعت نتيجة لثروتها أن تستعبد أعضاء القبيلة، الذين
تجردوا من أموالهم وأصبحوا مدينين([49]).

 

وكلا هذين الأمرين لا يتفقان مع وجهة نظر المادية التاريخية، أما
الأول: فلأنه يؤدي إلى اعتبار العامل السياسي، عاملاً أساسياً، والعامل
الاقتصادي عاملاً ثانوياً منبثقاً عنه، لأنه يفترض أن المكانة السياسية، التي
كان القواد ورجال الدين والرؤساء يتمتعون بها في المجتمع الشيوعي اللاطبقي،
هي التي شقّت لهم الطريق إلى الإثراء، وإيجاد ملكيات خاصة، فالظاهرة
الطبقية إذن وليدة الكيان السياسي، وليس العكس، كما تقرر
المادية التاريخية. وأما السبب الثاني، الذي فسرت به الماركسية تفاوت
الثروات: فهو لا يتقدم في حل المشكلة إلا خطوة واحدة، إذ يعتبر أن
استرقاق السادة للعبيد من أبناء القبيلة،قد سبقه تاريخياً استرقاق أولئك
السادة، لأسرى الحرب، وإثرائهم على حساب هؤلاء الأسرى وأما لماذا
هيأت الفرص لأولئك السادة بالذات، دون غيرهم من أعضاء القبيلة،
استرقاق الأسرى؟ فهذا ما تحاول الماركسية تفسيره، لأنها لا تجد تفسيره
في القوى المنتجة، وإنما يمكن تفسيره تفسيراً إنسانياً، على أساس الفوارق
والكفاءات المتفاوتة: البدنية والفكرية والعسكرية، التي يولد الناس وهم
يختلفون في حظوظهم منها، طبقاً لظروفهم وشروطهم النفسية والفسيولوجية والطبيعية...

المجتمع الإقطاعي

ونشأ المجتمع الإقطاعي بعد ذلك، نتيجة للتناقضات التي كانت تعمل
في المجتمع العبودي، وأساس هذه التناقضات، التنافس بين علاقات النظام
العبودي، ونمو القوى المنتجة، إذ أصبح تلك العلاقات بعد فترة طويلة،
من حياة المجتمع العبودي، عائقة عن نمو الإنتاج، وعقبة في سبيله من
ناحيتين:

 

إحداهما: أنها فسحت المجال أمام الأسياد، لاستغلال العبيد_ بوصفهم
القوة المنتجة_ استغلالاً وحشياً، فتهاوى آلاف العبيد في ميدان العمل،
بسبب ذلك، الأمر الذي كلّف الإنتاج نقصاً كبيراً في القوة المنتجة، المتمثلة
في أولئك العبيد.

والأخرى: أن تلك العلاقات، حولت بالتدريج أكثر الأحرار من
الفلاحين والحرفين، إلى عبيد، ففقد المجتمع_ بسبب ذلك_ جيشه
وجنوده الأحرار، الذين كان المجتمع يحصل عن طريق غزواتهم
المتلاحقة، على سيل مستمر من العبيد المنتجين، وهكذا أدى النظام العبودي،
إلى التبذيز بالقوى المنتجة الداخلية، والعجز عن استيراد قوى منتجة جديدة،
عن طريق الغزو والأسر، وقام لأجل هذا التناقض الشديد بينه وبين قوى
الإنتاج، فتقوض المجتمع العبودي، وخلفه النظام الإقطاعي...

وتغفل الماركسية في هذا العرض عدة نقاط جوهرية في الموضوع.

فأولاً: أن تحوّل المجتمع الروماني مثلاً، من النظام العبودي إلى
الإقطاع، لم يكن تحولاً ثورياً، منبثقاً عن صراع الطبقة المحكومة، كما
بفرضه المنطق الديالكتيكي للمادية التاريخية.

وثانياً: إن هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي، لم يسبقه أي تطور في
القوى المنتجة. كما تتطلبه الفرضية الماركسية القائمة على أساس: إن وسائل
الإنتاج هي القوة العليا المحركة للتاريخ.

وثالثاً:إن الوضع الاقتصادي، الذي هو أساس الأوضاع الاجتماعية
في رأي الماركسية، لم يكن في تغيره التاريخي معبّراً، عن مرحلة تكاملية
من تاريخه، بل مني بنكسة، خلافاً لمفاهيم المادية التاريخية، التي تؤكد أن
التاريخ يزحف في حركته إلى الإمام دائماً، وأن الوضع الاقتصادي هو
طليعة هذا الزحف الدائم ونعالج هذه النقاط الثلاث بتفصيل.

 

أ_ لم يكن التحول ثورياً:

إن تحوّل المجتمع الروماني مثلاً من نظام الرق إلى نظام الإقطاع، لم
يكن نتيجة لثورة طبقية، في لحظة فاصلة من لحظات التاريخ، بالرغم من
أن الثورة قانون حتمي في المادية التاريخية لكل التحولات الاجتماعية، وفقاً
للقانون الديالكتيكي(قانون قفزات التطور) القائل: بأن التغييرات الكمية
التدريجية، تتحول إلى تغير كيفي دفعي، وهكذا عطل هذا القانون
الديالكتيكي عن العمل، ولم يؤثر في تحويل المجتمع العبودي إلى إقطاعي،
بشكل ثوري آني، وإنما تحول المجتمع_ حسب إيضاحات الماركسية
نفسها_ عن طريق السادة أنفسهم، إذ أخذوا يعتقون كثيراً من عبيدهم،
ويقسمون الأملاك الكثيرة إلى أجزاء صغيرة، ويعطونها إليهم، بعد أن
أحسوا بأن نظام الرق لا يضمن لهم مصالحم([50]).

فالطبقة المالكة_ إذن_ قد حولت المجتمع بالتدرج إلى النظام
الإقطاعي، دون حاجة إلى قانون الثورات الطبقية، أو قفزات التطور...
وكان غزو الجرمان من الخارج، عاملاً آخر في تكوين الإقطاع_ حسب
اعتراف الماركسية نفسها_ وهو بدوره أيضاً بعيد عن تلك القوانين.

ومن الطريف، أن الثورات التي كان يجب_ وفقاً للمادية التاريخية_
أن تفجر في لحظة التحول الفاصلة، نجد أنها قبل انهيار المجتمع
العبودي بقرون، كحركة الارقّاء في(اسبرطة)، قبل الميلاد بأربعة
قرون، التي تجمعت فيها الألوف من الأرقاء، قريباً من المدينة، وحاولت
اقتحامها، والجأت قادة(أسبرطة) إلى طلب المساعدة العسكرية من
جيرانهم، ولم يتمكنوا من صد الأرقاء الثائرين إلا بعد سنين عديدة.

 

وكذلك حركة العبيد في الدولة الرومانية التي تزعّمها(سبرتاكوس)
قبل الميلاد بسبعين سنة تقريباً، واحتشد فيها عشرات الألوف من العبيد،
وكادت أو تقضي على كيان الإمبراطورية. وقد سبقت هذه الثورة نشوء
المجتمع الإقطاعي بعدة قرون، ولم تنتظر إلى أن توجد التناقضات وتشتد بين
العلاقات وقوى الإنتاج، وإنما كانت تستمد وقودها من وعي متزايد
بالاضطهاد، وقدرة تكتلية وعسكرية وقيادية، تفجّر ذلك الوعي، بالرغم
من وسائل الإنتاج، التي كانت حينئذ على وئام مع النظام العبودي. فمن
الخطأ إذن أن نفسر كل ثورة على أساس تطور معين في الإنتاج أو بوصفها
تعبيراً اجتماعياً عن حاجة من حاجات القوى المنتجة.

ولنقارن_ بعد هذا_ بين تلك الثورات الهائلة، التي شنها العبيد على
نظام الإنتاج العبودي_ قبل أن يتخلى عن الميدان إلى النظام الإقطاعي بقرون
عديدة_ بين ما كتبه انجلز قائلاً:

(ما دام أسلوب إنتاجي ما، لا يزال يرسم مدرجاً متصاعداً في سلم التطور، فانه لا يفتأ يقابل بحماس وترحاب، حتى من لدن أولئك الذين ازدادت حالتهم سوءاً، جرّاء أسلوب التوزيع المتماثل وإياه)([51]).

فكيف نفسر تلك الثورات من العبيد، التي سبقت تطور العبودية إلى
الإقطاع بستة قرون، في إطار هذه النظرية الضيقة إلى الثورات، وإذا
كان تبرم المضطهدين ينشأ دائماً، كتعبير عن تعثر أسلوب الإنتاج، لا عن
حالتهم النفسية والواقعية، فلماذا تبرمت تلك الجماهير من العبيد، وعبّر
عن تبرمها تعبيراً ثورياً، كاد أن يعصف بالإمبراطورية، قبل أن يتعثر

 

أسلوب الإنتاج، القائم على النظام العبودي، و قبل أن توجد الضرورة
التاريخية لتطويره بعدة قرون.

ب_ لم يسبق التحول الاجتماعي أي تجدد في قوى الإنتاج:

من الواضح عن الماركسية أنها تؤمن: بأن أشكال العلاقات الاجتماعية
تابعة لأشكال الإنتاج. فكل شكل من الإنتاج، يتطلب شكلاً خاصاً من
علاقات الملكية الاجتماعية، ولا تتطور هذه العلاقات إلا تبعاً لتغير شكل
الإنتاج، وتطور القوى المنتجة.

((إن أي تكوين اجتماعي، لا يموت أبداً، قبل أن تتطور القوى المنتجة، التي تستطيع أن يفسح لها المجال. ماركس))([52]).

وبينما تؤكد الماركسية هذا، نجد أن شكل الإنتاج كان واحداً في
المجتمع العبودي والإقطاعي معاً، ولم تتغير العلاقات العبودية إلى إقطاعية
نتيجة لأي تطور أو تجديد في القوى المنتجة السائدة، التي كانت لا تعدو
مجالات الزراعة والخدمة اليدوية. ومعنى ذلك أن التكوين الاجتماعي
والعبودي، قد مات قبل أن تتطور القوى المنتجة، خلافاً لتأكيد ماركس
الآنف الذكر.

وفي مقابل ذلك نجد: أن أشكالاً متعددة من الإنتاج ودرجات مختلفة،
تخطّها القوى المنتجة خلال آلاف السنين، دون أن يحصل أي تحوّل في
الكيان الاجتماعي باعتراف الماركسية نفسها. فالإنسان البدائي كان
يستعين في إنتاجه بالأحجار الطبيعية، ثم استعان بأدوات حجرية، وبعد
ذلك استطاع أن يكتشف النار، وأن يصنع الفؤوس والحراب، ثم تطورت
قوى الإنتاج، فظهرت الأدوات المعدنية والسهام والأقواس، ثم ظهر

 

الإنتاج الزراعي في حياة الإنسان وبعده الإنتاج الحيواني. وقد تمت هذه
التحولات الكبرى في أشكال الإنتاج، وتتابعت تطوراته في المجتمع البدائي،
بالتسلسل الذي ذكرناه أو بتسلسل آخر دون أن تواكبها تحولات اجتماعية
وتطورات في العلاقات العامة، باعتراف الماركسية نفسها، إذ أنها تؤمن
بأن النظام السائد في المجتمع البدائي، الذي حدثت خلاله كل تلك
التطورات، كان هو الشيوعية البدائية.

فإذا كان من الممكن أن تتطور أشكال الإنتاج، والشكل الاجتماعي
ثابت كما في المجتمع البدائي مثلاً، وكان من الممكن أن تتطور الأشكال
الإجتماعية، وشكل الإنتاج ثابت، كما رأينا في المجتمع العبودي والإقطاعي.
فما هي الضرورة التي تدعو إلى التأكيد على: أن كل تكوين اجتماعي يرتبط
بشكل معين ودرجة خاصة من الإنتاج؟! ولماذا لا تقول الماركسية: إن
النظام الاجتماعي إنما هو حصيلة الأفكار العملية، التي يحصل عليها الإنسان
خلال تجربته الاجتماعية، للعلاقات التي يشترك فيها مع الآخرين، كما
أن أشكال الإنتاج حصيلة الأفكار التأملية والعلمية، التي يحصل عليها
الإنسان خلال تجربته الطبيعية، لقوى الإنتاج وسائر قوى الكون. وحيث
إن التجارب الطبيعية قصيرة الأمد، فمن الممكن أن تتوفر وتتجمع بسرعة
نسبياً، فتتطور أشكال الإنتاج بصورة سريعة، على العكس من
التجربة الاجتماعية، فإنها تغني تاريخ مجتمع برمّته، فلا تنمو الأفكار
العملية خلال هذه التجربة البطيئة، بنفس السرعة التي تنمو بها الأفكار
التأملية والعلمية خلال الطبيعية، ومن الطبيعي عندئذ أن لا تتطور
في البدء أشكال النظام، بنفس السرعة التي تتطور بها أشكال الإنتاج.

جـ _ الوضع الاقتصادي لم يتكامل:

سبق أن مربنا: أن الماركسية تفسر زوال النظام العبودي، بأنه أصبح

 

معيقاً للإنتاج عن النمو ومناقضاً له، فكان من الضروري أن تزيحه القوى
المنتجة عن طريقها، وتصنع وضعاً اقتصادياً يواكبها في نموها ولا يناقضها.
فهل ينطبق هذا على الواقع التاريخي حقاً؟.

هل إن ظروف المجتمع وشروطه الإقطاعية، كانت أكثر مواكبة
لنمو الإنتاج من شروطه وظروفه قبل ذلك؟. وهل سار الوضع الاقتصادي
_ ومن خلفه القافلة البشرية كلها_ في خط صاعد، تتطلبه طبيعية
الحركة التاريخية عند الماركسيين، الذين يفهمونها على أنها عملية تكامل
مستمر للمحتوى التاريخي كله، تبعاً لتكامل الوضع الاقتصادي ونموه؟.

إن شيئاً من ذلك لم يحدث، على الوجه الماركسي المفروض. ويكفي
لمعرفة ذلك أن نلقي نظرة على الحياة الاقتصادية، التي كانت الإمبراطورية
الرومانية تعيشها. فلقد بلغت_ وعلى الأخص في أجزاء معينة منها_ مستوى
اقتصادياً رفيعاً، ونمت فيها الرأسمالية التجارية نمواً كبيراً. ومن الواضح
أن الرأسمالية التجارية من الأشكال الاقتصادية الراقية، وإذا كانت
الإمبراطورية الرومانية قد جربّت هذا الشكل_ كما يدل عليه تاريخها_
فقد وصلت إذن إلى درجة عالية نسبياً في تركيبها الاقتصادي، وابتعدت
شوطاً كبيراً عن ألوان الاقتصاد البدائي المغلق(اقتصاديات البيت)،
وكان من أثر ذلك أن التجارة راجت في مختلف الدول التي عاصرتها
الإمبراطورية الرومانية، بفضل تعبيد الطرق وتأمينها حماية الملاحة،
فضلاً عن التجارة الداخلية التي ازدهرت داخل أرجاء الإمبراطورية،
بين إيطاليا والولايات وبين الولايات بعضها مع بعض حتى أن الأواني
الفخارية لإيطاليا، كانت تكتسح السوق العالمية، من بريطانيا شمالاً إلى
شواطىء البحر الأسود شرقاً. ودبابيس الأمن التي تميزت بها(أوكيسا)
انتشرت عن طريق التجارة في جميع الولايات، ووصلت إلى شواطىء
البحر الأسود. والمصابيح التي كانت المصانع الإيطالية تنتجها بكميات

 

هائلة، عثر عليها في كل جزء من أجزاء الإمبراطورية.

والسؤال الذي يواجهنا على ضوء هذه الحقائق هو: لماذا لم تواصل
الأوضاع الاقتصادية والرأسمالية التجارية نموها وتكاملها، ما دامت
الحركة التكاملية قانوناً حتمياً للأوضاع الاقتصادية والإنتاجية!! ولماذا
لم تتطور الرأسمالية التجارية إلى رأسمالية صناعية، كما حدث في منتصف
القرن الثامن عشر، ما دامت رؤوس الأموال الكبيرة متوفرة عند التجار،
وجماهير الأحرار التي كانت تزداد بؤساً وحاجة، حاضرة لتلبية طلبات
الرأسمالية الصناعية، والاستجابة لمتطلباتها!! إن هذا يعني أن الشروط
المادية للشكل الاجتماعي الأعلى كانت موجودة، فلو كانت الشروط المادية
كافية وحدها لتطوير الواقع الاجتماعي، وكانت قوى الإنتاج في تطورها
تخلق دائماً الأوضاع، التي تنطلق في ضمنها وتنمو.. لوجب أن تنمو
الرأسمالية في التاريخ القديم، وأن تستجيب لمتطلبات الإنتاج، ولكان من
المنطقي أن تظهر الرأسمالية الصناعية، ونتائجها التي تمخضت عنها، في
نهاية عهد الإقطاع، كتقسيم العمل الذي أدى إلى ظهور الآلات في الحياة
الصناعية.

ولا يبرهن الواقع التاريخي على عدم ظهورها، وعلى عدم مواصلة
الرأسمالية لنموها فحسب، بل هو يكشف بوضوح أن قيام النظام الإقطاعي
قضى على الرأسمالية التجارية، وخنقها في مهدها نهائياً، إذ جعل لكل
إقطاعية حدودها الخاصة، واقتصادها المغلق القائم على أساس اكتفائها
بحاصلاتها، الزراعية ومنتوجاتها البسيطة، فكان من الطبيعي أن يتلاشى النشاط
التجاري، وتزول الرأسمالية التجارية، ويعود المجتمع إلى اقتصاد شبه
بدائي من اقتصاديات البيت.

فهل كان هذا الوضع الاقتصادي، الذي مني به المجتمع الروماني بعد
دخول الجرمان إليه، تعبيراً عن نمو تاريخي، ومواكبة لمتطلبات الإنتاج،

 

أو كان نكسة خارجة على قوانين المادية التاريخية، وعقبة في سبيل النمو
المادي وازدهار الحياة الاقتصادية؟؟!

وأخيراً وجد المجتمع الرأسمالي

وأخيراً بدأ النظام الإقطاعي يحتضر، بعد أن أصبح مشكلة تاريخية وعقبة
في وجه الإنتاج، تتطلب حلاً حاسماً. وكانت الشروط التاريخية قد
خلقت هذا الحل ماثلاً في الرأسمالية، التي برزت على المسرح الاجتماعي
لتواجه النظام الإقطاعي، بوصفها النقيض التاريخي له الذي نما في ظله،
حتى إذا اكتمل نموه قضى عليه وكسب المعركة... وهكذا يصف لنا
ماركس نشوء المجتمع الرأسمالي بقوله:

((لقد خرج النظام الاقتصادي الرأسمالي، من
أحشاء النظام الاقتصادي الإقطاعي، وانحلال أحدهما أدى
إلى انبثاق العناصر التكوينية للثاني
))([53]).

ومنذ يبدأ ماركس بتحليل الرأسمالية تاريخياً، يعلق أهمية كبيرة من
تحليل ما يطلق عليه اسم: التراكم الأولي لرأس المال. وهذه النقطة هي
بحق أول النقاط الجوهرية، التي تعتبر ضرورية لتحليل الوجود التاريخي
للرأسمالية. فإذا كانت قد وجدت طبقة جديدة في المجتمع، على
أنقاض الإقطاع المتداعي، تملك رؤوس أموال، وتتمكن في سبيل
تنميتها من استثمار جهود الأجراء. فلا بد من أن نفترض مسبقاً عوامل
ومؤثرات خاصة، أدّت إلى تراكم مالي كبير، في ثروات طبقة
معينة، وتجمع قوى عمالية ضخمة أتاح لتلك الطبقة، تحويل ثرواتها إلى
رؤوس أموال، وتحويل تلك القوى العمالية إلى أجراء، يمارسون عمليات

 

الإنتاج الرأسمالي بأجرة. فما هي تلك العوامل والمؤثرات التي أتاحت هذا
الظرف السعيد لتلك الطبقة؟ وبالأحرى ما هو سر التراكم الرأسمالي
الأول، الذي قامت على أساسه الطبقة الرأسمالية، تقابلها من الناحية
الأخرى طبقة الأجراء؟

وحين حاول ماركس تحليل هذه النقطة، بدأ أولاً باستعراض وجهة
النظر التقليدية للإقتصاد السياسي القائلة: أن السبب الذي مكّن لطبقة معينة
من المجتمع دون غيرها، أن تحصل على الشروط الاقتصادية للإنتاج
الرأسمالي، والثروات اللازمة لذلك، هو ما تمتاز به تلك الطبقة من ذكاء
واقتصاد وحسن تدبير، جعلها توفر شيئاً من دخلها بالتدريج وتدّخره،
حتى استطاعت أن تحصل على رأس مال.

وقد عرض ماركس لهذه النظرة الكلاسيكية، بطريقته المألوفة في عرض
الأفكار المناهضة له، بسخرية لاذعة، واستخفاف بالغ، وانتهى من
سخريته إلى أن الادخار لا يكفي وحده تعليلاً لوجود الطبقة الرأسمالية،
وإنما يجب لكي نصل إلى سر التراكم الرأسمالي الأول، الذي قامت على
أساسه الطبقة الجديدة أن نفحص مضمون النظام الرأسمالي نفسه، ونفتش
في أعماقه عن ذلك السر المعقد.

ويستعين ماركس هنا بموهبته الفذة في التعبير، وسيطرته على التصرف
بالألفاظ كيف شاء، للتدليل على وجهة نظره فيقرر: أن النظام الرأسمالي
يبرز لنا علاقة من نوع خاص، بين الرأسمالي الذي يملك وسائل الإنتاج،
وبين الأجير الذي يتخلى بحكم تلك العلاقة عن كل حق من حقوق الملكية،
على منتوجه، لا لشيء إلا لأنه لا يملك سوى طاقة عملية محدودة، بينما
يملك الرأسمالي جميع الشروط الخارجية اللازمة: المادة والأدوات ونفقات
المعيشة_ لتجسيد تلك الطاقة. فموقف الأجير في النظام الرأسمالي، إنما
هو نتيجة لفقده وسائل الإنتاج التي يتمتع بها الرأسمالي، وانفصاله عنها،
ومعنى هذا: أن أساس العلاقة الرأسمالية يقوم، على الانفصال الجذري
بين وسائل الإنتاج والأجير، وبالرغم من أنه هو المنتج الذي يباشر تلك
الوسائل. فهذا الانفصال هو الشرط الضروري تاريخياً لتكوّن العلاقات
الرأسمالية. فلكي يولد النظام الرأسمالي، يجب إذن أن يكون قد جرى
بالفعل انتزاع وسائل الإنتاج من المنتجين، دون أخذ ولا رد، أولئك
المنتجين الذين كانوا يستخدمونها لتحقيق عملهم الخاص، ويجب أن تصبح
هذه الوسائل المنتجة محصورة في أيدي التجاريين الرأسماليين. فالحركة
التاريخية التي تحقق الانفصال بين المنتج ووسائل الإنتاج، وتحصر هذه الوسائل
في أيدي التجاريين، هي إذن مفتاح السر للتراكم الرأسمالي الأول. وقد
تمت هذه الحركة التاريخية بأساليب: من الاستعباد، والاغتصاب المسلح،
والنهب، وألوان العنف، دون أن يساهم في إنجازها التدبير والاقتصاد،
والكياسة، والذكاء، كما تتخيل مراجع الاقتصاد السياسي التقليدي([54]).

ومن حقنا أن نتساءل: هل نجح ماركس في تفسيره هذا للتراكم
الأولي، الذي كان أساساً للنظام الرأسمالي؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال،
يجب أن نعرف أن ماركس حين قدّم هذا التفسير، لم يكن يهدف من
وراءه إلى إدانة الرأسمالية أخلاقياً، بصفتها قائمة على أساس النهب
والاغتصاب، وإن بدا في بعض الأحايين وكأنه يحاول شيئاً من ذلك...
لأن ماركس يعتبر الرأسمالية _ في ظرف تكوّنها_ حركة زحف إلى
الأمام، ساعدت على السير بالإنسان في المنحنى التاريخي، نحو المرحلة العليا
لحركة التطور البشري. فهي تتفق في ذلك الظرف_ من وجهة رأيه_
مع القيم الخلقية، إذ ليست القيم الخلقية عنده إلا وليدة الظروف الاقتصادية،
التي تتطلبها وسائل الإنتاج. فإذا كانت القوى المنتجة تتطلب قيام النظام

 

الرأسمالي، فمن الطبيعي أن تتكيف القيم الخلقية في تلك المرحلة التاريخية
طبقاً لمتطلباتها([55]).

فليس من هدف ماركس إذن_ ولا من حقه أن يستهدف على أساس
مفاهيمه الخاصة_ الحكم على الرأسمالية، من وجهة نظر أخلاقية، وإنما
يهدف في دراسته للرأسمالية إلى تطبيق المادية التاريخية على مجرى التطور
التاريخي، وتحليل الأحداث وفقاً لها. فما هو نصيبه من التوفيق في هذه الناحية؟

يمكننا قبل كل شيء أن نلاحظ بهذا الصدد، ما أصابه ماركس من
التوفيق وما أتقنه بذكاء وبراعة من التصرف البارع بالألفاظ. ذلك أنه
لاحظ لدى تحليل النظام الرأسمالي، أن هذا النظام يتضمن في أعماقه علاقة
معينة، بين رأسمالي يملك وسائل الإنتاج وأجير لا يملك شيئاً منها، وهو
لذلك يتنازل عن منتوجه إلى الرأسمالي. واستخلص من ذلك: أن النظام
الرأسمالي يتوقف على عدم وجود القوى المنتجة عند الفئات العاملة القادرة
على ممارسة الإنتاج، وانحصارها لدى التجاريين، لتضطر تلك الفئات إلى
العمل بأجرة عند هؤلاء. وهذه الحقيقة تعتبر واضحة دون مراء، غير
أن ماركس كان بحاجة إلى لعبة لفظية ليصل عن طريق هذه الحقيقة إلى
ما يعينه، ولذلك غيّر من تعبيره، وانتقل من قوله ذاك إلى التأكيد على:
أن سر التراكم الأول يمكن في فصل وسائل الإنتاج عن المنتجين، وتجريدهم
منها بالقوة، واختصاص التجاريين بها. وهكذا بدأ هذا المفكر الكبير،
وكأنه لم يدرك الفرق المعنوي بين المقدمات التي ساقها، والنتيجة التي انتهى
إلى التأكيد عليها. فإن تلك المقدمات كانت تعني: أن عدم وجود الوسائل

 

المنتجة عند جماعات من القادرين على العمل، ووجودها عند التجاريين،
هو الشرط الأساسي لوجود الرأسمالية، وهذا يختلف عن النتيجة التي
انتهى إليها أخيراً، والتي فسرت عدم وجود الوسائل لدى الأجراء:
بتجريدهم منها وانتزاعها منهم بالقوة. فهذا التجريد والانتزاع إذن إضافة
جديدة تماماً لا تتضمنها المقدمات التحليلية التي ساقها، ولا يمكن أن
يستنتج منطقياً من تحليل جوهر النظام الرأسمالي، والعلاقات المحددة فيه
بين المالك والأجير.

وقد تقول الماركسية تعليقاً على ما قلناه_: صحيح إن النظام الرأسمالي
إنما يتوقف فقط على عدم وجود الوسائل المنتجة عند العمال، وتوفرها عند
التجاريين. ولكن كيف نفسر ذلك؟ ولماذا لم توجد الوسائل المنتجة عند
العمال ووجدت عند التجاريين، لو لم تقم حركة تجريد العمال من وسائلهم
المنتجة، واغتصابها لحساب التجاريين؟!

وردنا على هذا القول يتلخص في وجوه:

فأولاً: إن هذا الوصف لا ينطبق على المجتمعات، التي قامت فيها
الرأسمالية على أكتاف الطبقة الإقطاعية، كما اتفق في ألمانيا مثلاً، إذ قام عدد
كبير من الإقطاعيين بتشييد المصانع ومباشرة إدارتها، وتمويلها بما كانوا
يحصلون عليه من ريع إقطاعي. فليس من الضروري أن يحدث التحول من
الإقطاع إلى الرأسمالية، على إثر حركة اغتصاب جديد، ما دام يمكن
للإقطاعيين أنفسهم أن يباشروا الإنتاج الرأسمالي، على أساس ما يملكون من
ثروات إقطاعية، تم لهم استملاكها في مطلع التاريخ الإقطاعي.

وكما لا ينطبق الوصف الماركسي على الرأسمالية الصناعية، التي نشأت
على أكتاف الطبقة الإقطاعية، كذلك لا ينطبق على الرأسمالية الصناعية،
التي تكونت من الأرباح التجارية، كما وقع في الجمهوريات التجارية الإيطالية(كالبندقية) و(جنوا) و(فلونسة) وغيرها. فإن طبقة من
                                                                                                                                  

 

 
 

اقتصـادنا_12

 

 


التجاريين وجدت في هذه المدن قبل أن يخلق أجراء الصناعة، أي قبل أن
يوجد النظام الرأسمالي بمعناه الصناعي، الذي يفتش ماركس عن جذوره
فكان الصناع يعملون لحسابهم الخاص، وكان أولئك التجار يشترون منهم
منتوجاتهم للاتجار بها، فيجنون الأرباح الطائلة عن طريق التجارة مع
الشرق، التي ازدهرت في أعقاب الحروب الصليبية. وازداد مركزهم
التجاري نجاحاً بتمكنهم من احتكار التجارة مع الشرق، عن طريق التفاهم
مع سلاطين المماليك، أصحاب السيادة على مصر والشام، فتضاعفت
أرباحهم، واستطاعوا عن هذا الطريق أن يتخلصوا من سلطة الإقطاع،
وبالتالي أن يشيدوا المصانع الكبيرة التي اكتسحت_ بالمنافسة_ الصناعات
اليدوية الصغيرة. فقام على هذا الأساس الإنتاج الرأسمالي، أو الرأسمالية
الصناعية.

 

وثانياً: إن وجهة النظر الماركسية لا تكفي لحل المشكلة، لأنها لا تزيد
على القول: بأن الحركة التاريخية التي جرّدت العمال المنتجين من وسائلهم،
وحصرتها في أيدي التجاريين، هي التي خلقت التراكم الرأسمالي الأول،
ولكنها لا تفسر لنا: كيف أن فئة معينة استطاعت أن تكتسب سلطة
الإخضاع والعنف، وتجرّد المنتجين من وسائل إنتاجهم بالقوة؟

وثالثاً: هب أن سلطة الإخضاع والعنف هذه ليست بحاجة إلى تفسير،
ولكنها لا تصلح أداة ماركسية لتفسير التراكم الرأسمالي الأول، وبالتالي
للنظام الرأسمالي كله، لأنها ليست تفسيراً اقتصادياً، فهي لا تنسجم مع
جوهر المادية التاريخية. فكيف سمح ماركس لنفسه، أو سمح له مفهومه
العام عن التاريخ، أن يعلل التراكم الرأسمالي الأول، ووجود الطبقة
الرأسمالية تاريخياً، بسلطة الاغتصاب والإخضاع، وهي علة ليست اقتصادية
بطبيعتها؟! والحقيقة إن ماركس بهذا التحليل يهدم منطقه التاريخي بنفسه،
ويعترف ضمناً بأن التكوين الطبقي لا يقوم على أساس اقتصادي بحت.

 

وقد كان جديراً به_ وفقاً لأسس المادية التاريخية_ أن يأخذ بوجهة
النظر التقليدية، في تفسير ظهور الطبقة الرأسمالية، تلك النظرة التي سخر
منها بالرغم من أنها تقدم تفسيراً أقرب إلى الطبيعة الاقتصادية من التفسير
الماركسي.

وأخيراً: فإن كل ما يعرضه لنا ماركس بعد ذلك في فصول كتابه،
من شواهد تاريخية على حركة الاغتصاب والتجريد التي فسر فيها التراكم
الأول، قد استخرجها من تاريخ انكلترا فحسب، وهي تعرض الإغتصاب
التي قام بها الإقطاعيون في انكلترا. إذ جرّدوا الفلاحين من أراضيهم
وحولوها إلى مراع، وألقوا بأولئك المطرودين في أسواق البورجوازية
الفتية. فهي عمليات تجريد الفلاح من أرضه لحساب الإقطاعي، وليست
حركة تجريد للصناع من وسائل الإنتاج لحساب التجاريين.

وقبل أن نتجاوز عن هذه النقطة، نود أن نلقي نظرة عابرة على عشرات
الصفحات التي ملأها ماركس من كتاب رأس المال، بوصف تلك العمليات
العنيفة، التي جرد فيها الإقطاعيون الفلاحين من أراضيهم، ومهدوا بذلك
لقيام النظام الرأسمالي.

إن ماركس في وصفه المثير، يقتصر على الأحداث التي وقعت في
انكلترا خاصة، ويوضح لدى استعراضه لتلك الأحداث: أن السبب
الحقيقي الذي دعا الإقطاعيين إلى استعمال ألوان العنف، في طرد الفلاحين
من أراضيهم، هو أنهم أرادوا تحويل مزارعهم إلى مراع للحيوانات، فلم
يعد لهم حاجة بهذا الجيش الكبير من الفلاحين. ولكن لماذا وجد_ هكذا
وفجأة- هذا الاتجاه العام، إلى تحويل المزارع إلى مراع؟. إن ماركس
يجيب على ذلك قائلاً:

((إن الذي فسح المجال بصورة خاصة في انجلترا

 

لأعمال العنف،هذا هو ازدهار مصانع الصوف في
(الفلاندرز)، وما نتج عنه من ارتفاع أسعار الصوف
))([56]).

ولهذا الجواب مغزاه التاريخي الخاص، وإن لم يعره ماركس اهتماماً،
لأنه يقرر أن ازدهار الإنتاجي الصناعي في المدن(الفلمنكية) الصناعية، وفي
الجزء الجنوبي من بلجيكا خاصة(الفلاندرز)، ورواج التجارة الرأسمالية
بالصوف وسائر المنتجات على وجه العموم، وظهور أسواق كبيرة لتلك
البضائع التجارية، هو الذي دعا الإقطاعيين الإنجليز إلى الاستفادة من هذه
الفرصة، وتحويل مزارعهم إلى مراع، ليتمكنوا من تصدير الصوف إلى
المدن الصناعية، واحتلال السوق التجارية الصوف، باعتبار ما يتمتع به
الصوف الإنجليزي من ميزات جعلته أساسياً في نسج الأقمشة الصوفية الرفيعة([57]).

وواضح من سياق هذه الأحداث وتتابعها، أن السبب الذي اعتبره
ماركس الدعامة التاريخية، لتكوّن المجتمع الرأسمال في انجلترا(طرد
الفلاحين).. لم ينبع من النظام الإقطاعي نفسه. كما يفرضه المنطق الجدلي
للمادية التاريخية فليس النظام الإقطاعي هو الذي ولد التناقض الذي قضى
عليه، ولا العلاقات الإقطاعية هي التي أوجدت ذلك السبب الذي عني به
ماركس، وإنما وجد بسبب ازدهار مصانع الصوف من الخارج، ورواج
التجارة الرأسمالية بالأصواف. فالرأسمالية التجارية هي التي دفعت الإقطاعيين
إلى الإلقاء بجماهير الفلاحين في أسواق المدينة، لا العلاقات الإقطاعية...
وهكذا نرى_ حتى في الصورة التي قدمها لنا ماركس بالذات_ أن النقيض
للعلاقات الاجتماعية، قد تكونت أسبابه وشروطه، خارج حدود تلك
العلاقات، ولم تنبع من نفس تلك العلاقات، التي لم تكن لتحقق تلك
الشروط، لو عزلت عن العوامل والمؤثرات الخارجية.

اعتراف ماركس:

وقد أدرك ماركس بعد ذلك، أن عمليات اغتصاب الطبقة الإقطاعية،
لا يمكن أن يفسر على أساسها التراكم الأولي لرأس المال الصناعي، وإنما
تفسر تلك العمليات فقط: كيف وجد السوق الرأسمالي، العمال القادرين
على العمل لأجرة، في أشخاص أولئك الفلاحين الذين لفظهم الريف،
فنزحوا إلى المدينة؟. ولهذا حاول أن يعالج المشكلة من جديد، في الفصل
الحادي والثلاثين من رأس المال. فلم يكتف في تفسير التراكم بظروف
الرأسمالية التجارية أو الربوية، التي أدت إلى تجمع ثروات ضخمة لدى
التجار والربويين، لأنه لا يزال مصراً على أن أساس التراكم هو اغتصاب
وسائل الإنتاج، والشروط المادية من المنتجين ولأجل هذا اتجه في تفسير
التراكم الرأسمالي إلى القول:

((إن اكتشاف مناطق الذهب والفضة في اميركة، وتحويل سكان البلاد الأصليين إلى حياة الرق، ودفنهم
في المناجم أو إبادتهم وبدايات الفتح والنهب لجزر الهند الشرقية، وتحويل إفريقيا إلى نوع من الجحور التجارية لاصطياد الزنوج، هذه هي الطرائق 
((الغزلية البريئة))
للتراكم الأولي، التي تبشر بالعهد الرأسمالي في فجره
))([58]).

ومرة أخرى نجد ماركس يفسر ظهور المجتمع الرأسمالي بعامل القوة،
بالغزو والنهب والاستعمار، بالرغم من أنها عناصر ليست ماركسية بطبيعتها،
لأنها لا تعبّر عن قيم اقتصادية، وإنما تعبّر عن القوة السياسية والعسكرية.

 

ومن الطريف أن تتناقض الماركسية في هذه النقطة، تبعاً لما يتفتق ذهنها
عنه من أسلوب للتخلص من المأزق فنجد رجل الماركسية الأول بعد أن
اضطر إلى تفسير نشوء الكيان الرأسمالي في المجتمع بعامل القوة يقول:

((فالقوة هي المولد لكل مجتمع قديم آخذ في العمل، إن القوة هي عامل اقتصادي))([59]).

وهو يريد بهذا التمديد في مفاهيم الأوضاع والتوسع فيها، إعطاء
العامل الاقتصادي مدلولاً لا يضيق عن استيعاب كل العوامل، التي يضطر
إلى الاستناد إليها تحليله.

ونقرأ للماركسية من ناحية أخرى، نصاً آخر عن عامل القوة، على
النقيض من ذلك في كتب انجلز علمها الفكري الثاني. فقد كتب يقول عن
التطورات الرأسمالية:

((يمكن تفسير هذه العملية بأجمعها، بعوامل
اقتصادية بحتة، وما من حاجة قط في هذا التفسير إلى اللصوصية(القوة) (التدخل) الحكومي أو السياسي
بأي نوع كان. لا يبرهن تعبير:(الملكية المؤسسة على
القوة) في هذا الصدد كذلك، إلا على أنه عبارة
يجترها مغرور، ليغطي على حرمانه من فهم مجرى
الأمور الواقعي
))([60]).

ونحن حين فقرأ لماركس وصفه التحليلي المثير، لظروف الرأسمالية
الانجليزية وواقعها التاريخي، لا نجد أي مبرر لرفضه أو الاعتراض عليه،
لأننا لا نفكر بطبيعة الحال في الدفاع عن التاريخ الأسود الذي سجلته أوروبا،

 

في مطلع نهضتها المادية الطاغية، التي نشأت الرأسمالية في ظلالها. ولكن
الأمر يختلف حين نأخذ تحليله للرأسمالية ونشوئها، بوصفه معبراً عن
الضرورة التاريخية التي لا يمكن علمياً للإنتاج الرأسمالي في الصناعة. أن
يشيد صرحه بدونها، فماركس حين ينطلق من الواقع الرأسمالي الذي
عاشته انكلترا مثلاً، له كل الحق في أن يفسر ثروتها الرأسمالية المتنامية،
في فجر تاريخها الحديث، بالنشاطات الاستعمارية المسعورة، التي ارتكبت
فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض، وبعمليات تجريد الصناع من
وسائل إنتاجهم بالقوة.. غير أن هذا لا يبرهن علمياً على أن الرأسمالية
لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليات، وأنها تحمل في أعماقها
الضرورة التاريخية لهذه النشاطات، الأمر الذي يعني أن إنكلترا كان من
الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليات في مطلع الرأسمالية، ولو
كانت تعيش في إطار فكري آخر، بل إن التاريخ يبرهن على عكس ذلك.
فقد قام الإنتاج الرأسمالي في(فلاندرز) وإيطاليا في القرن الثالث عشر،
ونشأت فيها مؤسسات رأسمالية، ينتج فيها آلاف من الأجراء سلعاً تغزو
الأسواق العالمية، لحساب الملاّك الرأسماليين، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض
التي ظهرت في انكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، التي
درسها ماركس في تحليله التاريخي للرأسمالية.

ولنأخذ مثلاً آخر: الإنتاج الرأسمالي في اليابان، التي بدأت في القرن
التاسع عشر تتحول من الأوضاع الإقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية. ونختار
هذا المثال بالذات، لأن ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى:

(إن اليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكية العقارية وللزراعة الصغيرة فيها، تقدم لنا من وجهات
عديدة، صورة أكثر أمانة عن العصور الوسطى الأوروبية،

 

من تلك التي تقدمها كتب التاريخ عندنا، المشبعة بأفكار بورجوازية مستبقة)([61]).

فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع: كيف تحولت إلى الرأسمالية
الصناعية؟، وهل يتفق تحولها مع مفاهيم المادية التاريخية وتفاسير ماركس
لنشوء الرأسمالية الصناعية؟.

إن اليابان كانت غارقة في العلاقات الإقطاعية، حين استيقظت مذعورة
على أجراس الخطر التي كانت تنذر اليابان بخطر خارجي محقق، وذلك
سنة 1853 لما اقتحم الأسطول الأمريكي خليج(أوراجا)، وبدأ يفاوض
الحاكم العسكري الذي كان يتولى السلطة بدلاً عن الإمبراطور حول عقد
معاهدات، فقد بدا لليابان بوضوح أنها بداية غزو اقتصادي يجر إلى دمار
البلاد واستعمارها، وآمن المفكرون فيها أن السبيل الوحيد لإنقاذ اليابان
هو تصنيعها، وجعلها تسير في طريق الإنتاج الرأسمالي الذي سارت فيه
أوروبا من قبلها، واستطاعوا أن يستخدموا سادة الإقطاع أنفسهم في
تحقيق هذه الفكرة، فقام الإقطاعيون بإقصاء الحاكم العسكري عن السلطة
وإعادتها إلى الإمبراطور سنة 1868، وجندت السلطة الإمبراطورية كل
إمكاناتها لإيجاد ثورة صناعية في البلاد، ترتفع بها إلى مصاف الدول
الرأسمالية الكبرى، وبذلت الطبقة الاستقراطية من رجال الإقطاع خدماتها
للسلطة الحاكمة عن ولاء ورضى، ومكنتها من التعجيل بتحويل البلاد
إلى بلاد صناعية، ونمت بسرعة خلال ذلك طبقة من التجار والصناع،
الذين كانوا يوضعون سابقاً في أسفل درجات السلم الاجتماعي، فأخذوا
يستخدمون_ في هدوء_ ما أتيح لهم من مال وقوة نفوذ، في تحطيم النظام
الإقطاعي تحطيما سلمياً. حتى نزل أشراف الإقطاع سنة 1871 عن

 

امتيازاتهم القديمة. وعوضتهم الحكومة عن أراضيهم بسندات أصدرتها
لذلك وتم كل شيء بسلام، ووجدت اليابان الصناعية وأخذت مركزها
في التاريخ.

فهل ينطبق هذا الوصف على مفاهيم المادية التاريخية، وتفاسير ماركس؟

إن الماركسية تؤكد أن الانقلاب من مرحلة تاريخية إلى أخرى،
لا يتم إلا بشكل ثوري، لأن التغيرات الكمية التدريجية تؤدي إلى تحول
دفعي آني. مع أن تحول اليابان من الإقطاع إلى الرأسمالية تم بشكل سلمي،
وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم، فلم يضطروا اليابان_ وهي في طريقها
الرأسمالي_ إلى ثورة كالثورة الفرنسة عام(1789).

كما أن الماركسية تعتبر أن كل تطور لا يتم إلا من خلال الصراع الطبقي:
بين طبقة تقف إلى صف التطور، وأخرى تحاول الوقوف في وجهه. بينما
نرى أن المجتمع الياباني قد وقف بمجموعه إلى جانب حركة التطور الصناعي والرأسمالي، ولم يشذ عن ذلك حتى سادة الإقطاع أنفسهم. فقد آمنوا
جميعاً بأن حياة البلاد رهن هذه الحركة وتنميتها.

والماركسية ترى_ كما قرأنا نصوص رأس المال السابقة_ أن
التراكم الرأسمالي الذي تقوم الرأسمالية الصناعية على أساسه، لا يمكن أن
يفسر بطرائق(العزل البريء)_ على حد تعبير ماركس_ وإنما يفسر
بأعمال العنف والغزو وعمليات التجريد والاغتصاب، مع أن الواقع
التاريخي لليابان يدلل على العكس. فلم يحدث التراكم الرأسمالي ولم تنشأ
الرأسمالية الصناعية في اليابان، نتيجة للغزو والاستعمار أو عمليات تجريد
المنتجين من وسائل إنتاجهم، وإنما وجدت هذه الحركة بفضل نشاط
ساهمت فيه اليابان كلها، واستخدمت في تنمية السلطة الحاكمة كل نفوذها
السياسي، فظهرت البورجوازية على المسرح الاجتماعي، كنتيجة لتلك

 

النشاطات السياسية والفكرية وغيرها، وليس كقوة خالقة للجو السياسي
والفكري الذي يلائمها.

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00