0021655423074

ثالثاً_ هل استطاعت الماركسية إستيعاب التاريخ؟

المادية التاريخية(الماركسية)_ كما سبق_ مجموعة من الإفتراضات
العلمية يختص كل واحد منها بمرحلة محدودة من مراحل التاريخ، وتتكون
من مجموعها الفرضية العامة في تفسير التاريخ، القائلة: بأن المجتمع دائماً

 

وليد الوضع الاقتصادي الذي تحدده وتفرضه قوى الإنتاج.

والواقع أن أروع ما في الماركسية، وأكثر قواها التحليلية إغراءً
وإستهواءً إنما هو قوة هذا الشمول والاستيعاب، الذي تتميز به على أكثر
التفاسير الأخرى، للعمليات الإجتماعية أو الإقتصادية، وتعبر من خلاله
عن ترابط وثيق محدد، بين مختلف تلك العمليات، في كل الميادين الإنسانية.
فليست الماركسية فكرة نظرية محدودة، أو تحليلاً اجتماعياً أو اقتصادياً
فحسب، وإنما هي تعبير تحليلي شامل عن كل العمليات الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية كما تجري منذ آلاف السنين في مجراها التاريخي الطويل، لتتكون منها في كل لحظة تاريخية حاسمة، حالة معينة، تحدد بنفسها
وبطريقة جدلية ما يعقبها من حالات متلاحقة على مدار المزمن، تتتابع في
لحظات تاريخية فاصلة.

ومن الطبيعي أن تستأثر مثل هذه النظرية بتقدير الناس، وتوحي إليهم
بالإعجاب أكثر من أي نظرية أخرى ما دامت قد زعمت لهم أنها وضعت
في أيديهم كل أسرار الإنسانية، وألغاز التاريخ، وما دامت قد تفوقت
على كل النظريات العلمية، عن الاجتماع والاقتصاد، في نقطة ذات وزن
جماهيري كبير، وهي: أنها استطاعت أن تمزج آمال الناس بالتحليل
العلمي، وأن تقدم إليهم أمانيهم التقليدية في إطار تحليلي، قائم على أسس
مادية ومنطقية، بالمقدار الذي أتيح لماركس أن يصل إليه، بينما لم تكن
النظريات العلمية الأخرى في الاجتماع والاقتصاد، تظفر_ على أفضل
تقدير_ إلا بعناية حفنة من العلماء والأخصائيين.

والمادية التاريخية، بوصفها فرضية عامة، تقرر_ كما عرفنا سابقاً_:
أن جميع الأوضاع والظواهر الاجتماعية، نابعة من الوضع الاقتصادي،
وهو بدوره يتكون نتيجة لوضع القوى المنتجة. فالوضع الاقتصادي هو

 

همزة الوصل، بين قوة الإنتاج الرئيسية، وجميع الظواهر والأوضاع
الاجتماعية، كما قال بليخانوف:

((إن الوضع الاقتصادي لشعب ما، هو الذي يحدد وضعه الاجتماعي، والوضع الاجتماعي لهذا الشعب، يحدد بدوره وضعه السياسي والديني، وهكذا دواليك.
ولكنكم ستتساءلون عما إذا لم يكن للوضع الاقتصادي
من سبب أيضاً؟.. لا ريب إن لهذا الوضع سببه الخاص
به، ككل شيء في هذه الدنيا، وهذا السبب...هو
الصراع الذي يخوضه الإنسان مع الطبيعة
 ))([18]).

((إن علاقات الإنتاج، تحدد جميع العلاقات
الأخرى التي توحد بين الناس في حياتهم الاجتماعية. وأما علاقات الإنتاج فيحددها وضع القوى المنتجة
 ))([19]).

فالقوى المنتجة هي التي تخلق الوضع الاقتصادي، وتطوره تبعاً
لتطورها، والوضع الاقتصادي هو الأساس العام لهيكل البناء الاجتماعي،
وما فيه من ظواهر وأوضاع. هذه هي الوجهة العامة للمادية التاريخية.

*     *     *

وتتردد في أوساط الكتاب المناهضين للأفكار الماركسية، مناقشتان
للماركسية التاريخية، بوصفها نظرة عامة عن التاريخ:

الأولى: إن التاريخ إذا كان محكوماً للعامل الاقتصادي، وللقوى
المنتجة، وفقاً لقوانين طبيعية تسير به من الإقطاع إلى الرأسمالية مثلاً، ومنها

 

إلى الاشتراكية، فماذا تبذل هذه الجهود الجبارة من الماركسيين، في سبيل
تكتيل أكبر عدد ممكن، لشن ثورة فاصلة على الرأسمالية؟! ولم يدع
الماركسيون قوانين التاريخ تعمل، فتكفيهم هذه المهمة الشاقة؟!.

الثانية: أن كل إنسان يحس_ بالضرورة_ أن له دوافع أخرى،
لا تمت إلى الطابع الاقتصادي بصلة، بل قد يضحي في سبيلها بمصالحه
الاقتصادية وبحياته كلها في بعض الأحايين، فكيف يعتبر العامل الاقتصادي
هو المحرك للتاريخ؟!.

ومن البحث العلمي الموضوعي، أن نسجل رأينا في هاتين المناقشتين
بوضوح. فهما تعبران عن عدم استيعاب المفهوم الماركسي للتاريخ، أكثر
مما تعبران عن خطأ المفهوم نفسه.

ففيما يتصل بالمناقشة الأولى، يجب أن نعرف موقف الماركسية من
الثورة. فإنها لا تعتبر الثورة والجهود التمهيدية التي تبذل في سبيلها، شيئاً
منفصلاً عن قوانين التاريخ، بل هي جزء من تلك القوانين، التي يجب
_ علمياً_ أن توجد كي ينتقل التاريخ من مرحلة أخرى.
فالثوريون حين يتجمعون في سبيل الثورة، إنما يعبرون بذلك عن الحتمية
التاريخية.

ونحن حين نقرر هذا، نعلم أن الماركسية_ نفسها_ لم تستطع أحياناً،
أن تتفهم_ بوضوح_ متطلبات مفهومها العلمي عن التاريخ ومستلزماته،
حتى لقد كتب ستالين يقول:

((إن المجتمع غير عاجز إمام القوانين. وإن في
وسعه عن طريق معرفة القوانين الاقتصادية، وبالاستناد
إليها، إن يحد من دائرة فعلها، وإن يستخدمها في مصلحة

 

المجتمع، وأن يروضها،مثلما يجري حيال قوى الطبيعة وقوانينها)) ([20]).

وكتب بولتزير_ نظير هذا_ قائلاً:

((إن المادية الجدلية، في تأكيدها للطابع الموضوعي لقوانين المجتمع، تؤكد_ في نفس الوقت_ الدور الموضوعي الذي تلعبه الأفكار، يعني النشاطات العلمية الواعية، مما يتيح للناس أن يؤخروا أو يقدموا، وأن يشجعوا أو يعرقلوا، تأثير قوانين المجتمع)) ([21]).

ومن الواضح، أن هذا الاعتراف الماركسي، بسيطرة الإنسان عن
طريق أفكاره ونشاطاته الواعية، على تأثير قوانين المجتمع، وعلى تقديمه
وتأخيره لا يتفق مع الفكرة العلمية عن التاريخ لأن التاريخ إذا كان مسيراً
وفق قوانين طبيعية عامة، فوعي الإنسان وعلمه بقوانين التاريخ، إنما يعبر
عن جزء من الحقل الذي تحكمه تلك القوانين. فكل ما يقوم به هذا الوعي
والنشاط الإنساني من أدوار، فهو تعبير حتمي عن تلك القوانين، وعن
تأثيرها المحتوم، وليس تقديماً لهذا التأثير أو تأخيراً له. فالماركسيون حينما
يمعنون_مثلاً_ في خلق الفتن، لتعميق التناقضات ومضاعفاتها، ينفذون
قوانين التاريخ. لأن نشاطهم الواعي جزء من الكل التاريخي، لا أنهم
يستعجلون تلك القوانين. وليس موقف الفئات التي تعمل بوعي سياسي،
من قوانين التاريخ، كموقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة، التي يجرب
عليها في مختبر، فإن العالم الطبيعي، يستطيع أن يقدم أو يؤخر من تأثير
قوانين الطبيعة، بما يحدث من تغيرات في وضع الطبيعة التي يجربها. لأن

 

قوانين الطبيعة التي يجربها، لا تتحكم في عمله، فهو يستطيع أن يسيطر
على تأثيرها، بما يهيء للتجربة من شروط. وأما العاملون في الحقل السياسي،
فلا يمكنهم أن يتحرروا من قوانين التاريخ، وأن يسيطروا على تأثيرها.
لأنهم دائماً يعبرون عن جزء من العملية التاريخية، التي تتحكم فيها تلك
القوانين.

فمن الخطأ_ إذن_ أن تقول الماركسية شيئاً عن السيطرة على قوانين
المجتمع، كما أن من الخطأ أيضاً أن توجه إليها المناقشة السابقة، التي ترمي
إلى اعتبار النشاط العملي لغواً لا مبرر له، ما دمنا عرفنا أن النشاط العملي
بما فيه الثورة جزء من قوانين التاريخ.

ولنأخذ الآن المناقشة الثانية: إن هذه المناقشة تسرد_ عادة_ قائمة من
الدوافع، التي لا تمت إلى الاقتصاد بصلة، لتنفيذ القول بالعامل الاقتصادي، كعامل رئيسي. وليست هذه المناقشة بأذنى إلى التوفيق من المناقشة الأولى. فإن الماركسية
لا تعني: أن العامل الإقتصادي هو الدافع الشعوري، لكل أعمال الإنسان،
على مر التاريخ، وإنما ترتكز على القول: بأنه هو القوة التي تعبر عن نفسها،
في وعي الناس، بمختلف التعبيرات. فالسلوك الواعي للإنسان. يصدر عن
غايات ودوافع إيديولوجية مختلفة، قد لا تمت إلى الاقتصاد بصلة، إلا
أنها في الحقيقة تعبيرات سطحية عن قوة أعمق لأنها ليست إلا أدوات
يستخدمها العامل الاقتصادي، يحرك بها الناس، في الاتجاه التاريخي المحتوم.

ويجب أن نتجاوز بهذا الصدد عن بعض النصوص الماركسية، التي لم
تقتصر على هذا القول، بل جنحت إلى التأكيد على إعتبار الاقتصاد غاية
عامة للنشاط الاجتماعي، وليس قوة محركة من الخلف فحسب. فقد
كتب انجلز يقول:

((إن القوة ليست سوى وسيلة، وان الغاية هي المنفعة الاقتصادية. ولما كانت الغاية أكثر جوهرية من

الوسيلة، التي تستخدم لضمانها، فإن الجانب الاقتصادي
من المسألة، هو أكثر جوهرية في التاريخ، من الجانب السياسي. في جميع قضايا السيطرة والإخضاع، حتى
يومنا الحاضر، كان الإخضاع دوماً وكالة لإملاء
المعدة، بأوسع ما في إملاء المعدة من مدلول
))([22]).

ولا شك عندنا في أن هذا النص، قد كتبه انجلز على عجل وبقلة أناة
فجاء يسابق الماركسية_نفسها_ في غلوها بالعامل الاقتصادي، ويناقض
الواقع الذي يمكننا أن نلمسه في كل حين. فكثيراً ما نجد أن المعدة قد تمتليء
بأوسع ما في إملاء المعدة من مدلول_ على حد تعبير انجلز_ ولا يمنع ذلك
هؤلاء الممتلئين، عن القيام بنشاطات مهمة في الحقل الإجتماعي، لأجل
تحقيق مثل أعلى، أو إشباع نزعة نفسية.

*     *     *

ولنترك هذا، إلى درس المشاكل الحقيقية، التي تثيرها المادية التاريخية،
وتعترض سبيلها، ولا يمكن للماركسية أن توفق في حلها. فهي لا تستطيع
أن تفسر_في ضوء المادية التاريخية_ عدة نقاط جوهرية في التاريخ،
لا بد من دراستها بشيء من التفصيل.

 

1_ تطور القوى المنتجة والماركسية

فهناك_ أولاً_ السؤال عن القوى المنتجة، التي يتطور التاريخ تبعاً
لتطورها كيف تتطور هذه القوى؟، وما هي العوامل التي تسيطر على
تطورها وتكاملها؟، ولماذا لا تكون هذه العوامل هي القوة العليا التي تتحكم

 

 في التاريخ، بدلاً عن القوى المنتجة الخاضعة لتلك العوامل، في نموها
وتكاملها؟.

وقد اعتاد الماركسيون أن يجيبوا على هذا السؤال: بأن الأفكار التي
يستفيدها الإنسان خلال ممارسة قوى الطبيعة، وتنشأ عنها، هي التي تطور
بدورها هذه القوى، وتعمل في تنميتها. فالأسباب التي تطور قوى الإنتاج
نابعة منها. وليست قوى تعمل بصورة مستقلة عنها، أو في درجة أعلى
وتعتقد الماركسية، أنها تقدم في هذا التأثير المتبادل، بين قوى الإنتاج،
والأفكار المنبثقة عنها خلال ممارستها: صورة ديالكتيكية لتطور الإنتاج،
تعبر عن حركة تكامل ديالكتيكية للقوى المنتجة، بوصفها تولد دائماً
الأفكار الجديدة، ثم تعود لتنمو ضمنها وتتكامل.

وهذا الوصف الديالكتيكي، تطور القوى المنتجة، يقوم على أساس
مفهوم خاص للتجربة، يجعل منها الممون الأساسي الوحيد للإنسان،
بالأفكار والآراء. فتصبح العلاقة بين قوى الطبيعة المنتجة التي يجربها الإنسان،
وبين أفكاره وآرائه عن الكون وحقائقه، علاقة علة بمعلول ينشأ عن علته،
ثم يتفاعل معها، فيزيدها ثراء واغتناء. ولكننا يجب أن لا ننسى النتائج
التي استخلصناها من دراستنا لنظرية المعرفة في (فلسفتنا) فقد برهنت تلك
النتائج، على أن التجارب الطبيعية، لا تقدم إلى الإنسان إلا المواد الخام،
ولا تتحفه إلا بالتصورات الحسية لمضمون التجربة. وهذه المواد والتصورات
تبقى غير ذات معنى، لو لم تصادف في ذهن معين، الشروط الطبيعية
والسيكولوجية الخاصة، هو ذهن الإنسان، الذي يملك_ دون سائر
الحيوانات التي تشترك معه في التصور والاحساس_ قدرة عقلية على الإستنتاج والتحليل، ومعرف ضرورية لا تخضع للتجربة، يأخذ الإنسان بتطبيقها على
المواد الخام التي يستوردها عن طريق التجربة، فينتهي إلى نتائج جديدة.
وكلما تكررت عمليات الاستنتاج وتكامل رصيدها، ازدادت خصباً

 

وثراءً. فلم تكن قوى الطبيعة المنتجة، هي التي تشق_بمفردها_ طريق
تكاملها ونموها، أو تولد عوامل تطورها واغتنائها، وإنما تولد الإحساسات
والتصورات فحسب فليس تطورها_ إذن_ ديالكتيكياً ذاتياً، وليست
القوة الإيجابية التي تطورها منبثقة عنها. وهكذا تصبح قوى الإنتاج محكومة
لعامل أعلى منها درجة في تسلسل التاريخ.

وقد كنا حتى الآن نتساءل، عن العوامل التي تطور الإنتاج وقواه على
مر الزمن، الأمر الذي انتهينا فيه إلى نتيجة لا تسر الماركسية. غير أن من
الممكن_ بل يجب_ أن نتخطى هذا السؤال إلى نقطة أعمق، وأكثر
إحراجاً للمادية التاريخية، فنطرح السؤال على الوجه التالي: كيف مارس
الإنسان عملية الإنتاج، ونشأت في حياته، ولم تنشأ في حياة أي كائن
حي آخر؟.

نحن نعلم من عقيدة الماركسية، أنها تؤمن بالإنتاج قاعدة رئيسية
للمجتمع يقوم على أساسها الوضع الإقتصادي، وتبتني على الوضع
الاقتصادي كل الأوضاع الأخرى. ولكنها لم تكلف نفسها أن تقف قليلاً
عند الإنتاج نفسه، لتفسر: كيف وجد الإنتاج في حياة الإنسان؟. فإذا
كان الإنتاج يصلح لتفسير نشوء المجتمع، وكل علاقاته وظواهره،
أفليس للإنتاج نفسه شروط تصلح لتفسير وجوده ونشوئه؟.

إن بالإمكان الجواب على ذلك، إذا عرفنا ما هو الإنتاج: إن الإنتاج
_ كما تعرفه لنا الماركسية_ عملية كفاح ضد الطبيعة، يشترك فيها مجموعة
من الناس، لإنتاج حاجاتهم المادية، وتقوم على أساسها كل العلاقات.
فهي إذن عملية يقوم بها عدد من الناس، لتغيير الطبيعة، وجعلها بالشكل
الذي يوافق حاجاتهم ويشبع رغباتهم.

وعملية تغيير كهذه، يقوم بها عدد من الناس، لا يمكن أن توجد
تاريخياً، ما لم تسبقها شروط معينة، يمكن تلخيصها في أمرين جوهريين.

 

إحداهما:(الفكر)، فإن الكائن الحي لا يستطيع أن يغير من شكل
الطبيعة بقصد إشباع حاجاته، فيجعل الحنطة دقيقاً، أو الدقيق خبزاً.. مالم
يكن يملك فكراً عن الشكل الذي سوف يمنحه للطبيعة، فعملية التغيير
لا يمكن أن تنفصل بحال، عن التفكير فيما ستتمخض عنه العملية من أشكال
وأوضاع للطبيعة لا تزال في ابتداء العمل غيبية. ولأجل هذا لم يكن من
الممكن للحيوان، إن يقوم بعملية إنتاج، عملية تغيير حاسم للطبيعة.

والأمر الآخر: هو، اللغة بوصفها المظهر المادي للفكر، الذي يتيح
للمشتركين في عملية الإنتاج أن يتفاهموا، ويتخذوا موقفاً موحداً خلال
العملية فما لم يملك كل منتج أداة التعبير عن فكره، وتفهم أفكار شركائه
في العمل لا يستطيع أن ينتج.

وهكذا نجد_ بوضوح_ أن الفكر_ بأي درجة كان_ يجب أن يسبق
عملية الإنتاج، وأن اللغة ليست نابعة من عملية الإنتاج، كما تنبع كل
العلاقات والظواهر الاجتماعية، في زعم الماركسية.. وإنما تنبع من الحاجة
إلى تبادل الأفكار، بوصفها المظهر المادي للفكر. فلم تنشأ اللغة_ أذن_
من القاعدة الرئيسية المزعومة، من عملية الإنتاج، بالرغم من أنها أهم
ظاهرة اجتماعية على الإطلاق.. وإنما كانت هي الشرط الضروري تاريخياً،
في وجود هذه القاعدة المزعومة.

وأكبر دليل يمكننا أن نقدمه على ذلك، هو استقلال اللغة في تطورها
عن الإنتاج وقواه. فلو كانت اللغة وليدة الإنتاج، وليدة القاعدة المزعومة،
لتطورت وتغيرت، تبعاً لتطور أشكال الإنتاج وتغيرها، كما تتغير تبعاً
لذلك جميع الظواهر والعلاقات الاجتماعية. في رأي الماركسية، ولا يوجد
ماركسي واحد_ وحتى ستالين_ يجرأ على القول: بأن اللغة الروسية
_ مثلاً_ تغيرت بعد الثورة الاشتراكية، وتبدلت إلى لغة جديدة، أو
أن الآلة البخارية التي غيرت القاعدة الأساسية للمجتمع، وأحدثت ثورة

 

كبرى في أسلوب الإنتاج قد جاءت بلغة جديدة للانكليز، غير اللغة التي
كانوا يتكلمون بها قبل ذلك. فالتاريخ يؤكد_ إذن_ أن اللغة مستقلة عن
الإنتاج، في استمراريتها وتطورها. وليس ذلك إلا لأنها لم تنبع من هذا
الشكل أو ذاك، من أشكال الإنتاج، وإنما نبعت عن فكر وحاجة هما
أعمق وأسبق من كل ممارسة للإنتاج الاجتماعي مهما كان شكلها.

 

2- الفكر والماركسية

ويمكن أن نعتبر أخطر وأهم النقاط الجوهرية في المفهوم المادي للتاريخ
عند الماركسية، هذه العلاقة، التي تؤكد عليها بين الحياة الفكرية للإنسان،
بشتى ألوانها ومناحيها، وبين الوضع الاقتصادي، وبالتالي وضع القوى
المنتجة الذي يحدد كل المضمون التاريخي لكيان الإنسان فالفكر مهما اتخذ
من أشكال عليا، ومهما ابتعد في مجاله الاجتماعي عن القوة الأساسية،
واتخذ سبيله في منعطفات تاريخية معقدة، فلا يعدو عند التحليل أن يكون
_ بشكل أو آخر_ نتاجاً للعامل الاقتصادي. وعلى هذا الأساس تفسر
الماركسية تاريخ الفكر، وما يزخر به من ثورات وتطورات عن طريق
الظروف المادية، والتكوين الاقتصادي للمجتمع والقوى المنتجة.

وهذا الإطار الاقتصادي، الذي تضع الماركسية ضمنه كل أفكار
الإنسان جدير بالبحث العلمي والفلسفي، أكثر من سائر الجوانب الأخرى
في البناء الماركسي للتاريخ لما يؤدي إليه من نتائج خطيرة في (نظرية المعرفة)
وتحديد قيمتها ومقاييسها المنطقية. ولهذا كان من الضروري دراسة هذا
الرأي، خلال البحث الفلسفي في(نظرية المعرفة) وقد عرضنا في(فلسفتنا)
لهذا الرأي في نظرة عابرة، ونحن الآن نتوفر على تطوير تلك النظرة، إلى
دراسة مفصلة لهذا الرأي، في الطبعة الثانية من كتاب(فلسفتنا). ولأجل
هذا، فسوف نترك إليه مهمة البحث المستوعب لرأي الماركسية في الفكر،

غير أن هذا لا يمنعنا عن دراسته ونقده، في الحدود التي يتسع لها البحث في
هذا الكتاب.

ولكي نشرح رأي الماركسية بشكل واضح. نركز الحديث على
المظاهر الرئيسية في الحياة العقلية وهي: الأفكار الدينية، والفلسفية،
والعلمية، والاجتماعية.

وقبل أن نتناول التفاصيل، نود أن نسجل نصاً لأنجلز، كتبه بصدد
عرض رأي الماركسية الذي ندرسه. فقد قال في رسالته إلى فرانز مهرنج:

((إن الايدولوجيا عملية يقوم بها المفكر، عن وعي وشعور من جانبه، ولكنه شعور باطل حقاً. فالبواعث الحقيقة التي تدفعه، تظل غير معروفة له، وإلا لما كانت عملية إيديولوجية مطلقاً. ومن هنا تراه يتخيل دوافع باطلة أو ظاهرية... دون البواعث الحقيقة التي تدفعه، تظل غير معروفة له، وإلا لما كانت عملية إيديولوجية مطلقاً. ومن هنا تراه يتخيل دوافع باطلة أو ظاهرية... دون تمحيص أو بحث عن عملية أخرى أبعد، مستقلة عن الفكر))([23]).

ويريد انجلز بهذا، أن يبرر جهل المفكرين جميعاً، بالأسباب الحقيقية
التي خلفت لهم أفكارهم، ولم يتح اكتشافها إلا للمادية التاريخية. فلم يكن
يعني جهلهم بالأسباب، التي تحددها المادية التاريخية لمجرى التفكير الإنساني،
إنها لم تكن أسباباً حقاً، وإن المادية التاريخية على خطأ في نظرتها، وإنما كان
من الضروري إن لا تتكشف حقيقة تلك الأسباب، أمام أبصارهم، وإلا
لما كانت هناك عملية إيديولوجية.

 

ومن حقنا أن نقول_ بدورنا_لأنجلز: إذا كان من الضروري حقاً،
أن تظل الدوافع الحقيقة لكل إيديولوجية مجهولة عند أصحابها، لئلا تخرج
عن صفتها عملية إيديولوجية.. فكيف جاز لأنجلز نفسه أن يحطم هذه
الضرورة، ويصنع المعجزة، ويتقدم إلى البشرية بايديولوجية جديدة،
ظلت تتمتع بصفتها الفكرية والايديولوجية، بالرغم من علمه بأسبابها
وبواعثها الحقيقة؟!.

ولنبدأ الآن بالتفاصيل:

أ_ الدين:

فالدين يحتل جزاءاً بارزاً على الصعيد الفكري، وقد لعب لأجل هذا
أدواراً فعالة، في تكوين العقلية الإنسانية أو بلورتها، واتخذ على مر الزمن
أشكالاً مختلفة ومظاهر متنوعة. فلا بد للماركسية_ وقد استبعدت عن
تصميمها المذهبي كل حقائق الدين الموضوعية، من الوحي والنبوة والصانع
_ أن تصطنع للدين وتطوراته تفسيراً مادياً. وكان من الشائع في أوساط
المادية، أن الدين نشأ نتيجة لعجز الإنسان القديم وإحساسه بالضعف،
بين يدي الطبيعة وقواها المرعبة، وجهله بأسرارها وقوانينها.. ولكن
الماركسية لا ترتضي هذا التفسير، لأنه يشذ عن قاعدتها المركزية، فلا
يربط الدين بالوضع الاقتصادي، القائم على أساس الإنتاج الذي يجب أن
يكون هو المفسر والسبب الوحيد، لكل ما يحتاج إلى تفسير وسبب. قال كونستانيوف:

((ولكن الماركسية اللينينية، قد حاربت دائماً مثل هذا المسخ للمادية التاريخية، وأثبتت أنه ينبغي البحث

 

عن منبع الأفكار: الاجتماعية والسياسية والحقوقية والدينية، في الإقتصاد قبل كل شيء))([24]).

ولهذا أخذت الماركسية تفتش عن السبب الأصيل لنشوء الدين، من
خلال الوضع الاقتصادي للمجتمع، حتى وجدت هذا السبب المزعوم في
التركيب الطبقي للمجتمع. فالواقع الشيء الذي تعيشه الطبقة المضطهدة في
المجتمع الطبقي، تفجّر في ذهنيتها البائسة الأفكار الدينية، لتستمد منها
السلوة والعزاء.

قال ماركس:

((إن البؤس الديني، لهو التعبير عن البؤس
الواقعي، والاحتجاج على هذا البؤس الواقعي في وقت
معاً. الدين زفرة الكائن المثقل بالألم، وروح عالم لم
تبق فيه روح، وفكر عالم لم يبق فيه فكر، إنه أفيون
الشعب. إذن فنقد الدين هو الخطوة الأولى، لنقد هذا
الوادي الغارق في الدموع
))([25]).

وتنفق محاولات الماركسية بهذا الصدد، على نقطة واحدة هي: أن
الدين حصيلة التناقض الطبقي في المجتمع، ولكنها تختلف في الطريقة التي
نشأ بها الدين عن هذا التناقض. فتجنح الماركسية أحيانا إلى القول: بأن
الدين هو الأفيون الذي تستقيه الطبقة الحاكمة المستغلة، للطبقة المحكومة
المضطهدة، كي تنسى مطالبها ودورها السياسي، وتستسلم إلى واقعها
الشيء. فهو على هذا أحبولة تنسجها الطبقة الحاكمة للصيد، وإغراء
الكادحين البائسين.

 

 
 

اقتصـادنا_8

 


     تقول الماركسية هذا، وهي تتغافل عن الواقع التاريخي الصارخ، الذي
يدلل_ بكل وضوح_ على أن الدين كان ينشأ دائماً في أحضان الفقراء
والبائسين، ويشع في نفوسهم قبل أن يغمر بنوره المجتمع كله. فهذه هي
المسيحية، لم يحمل لواءها في أرجاء العالم، وفي الإمبراطورية الرومانية على
وجه خاص، إلا أولئك الرسل الفقراء، الذين لم يكونوا يملكون شيئاً سوى
الجذوة الروحية، التي تشتعل في نفوسهم. وكذلك لم يكن التكتل الأول،
الذي اختضن الدعوة الإسلامية، وكان النواة للأمة الإسلامية، ليضم
_ على الأكثر_ إلا الفقراء وأشباه الفقراء، من المجتمع المكي. فكيف يمكن
أن يفسر الدين على أنه نتاج للطبقة الحاكمة، خلقته لتخدير المضطهدين
وحماية مصالحها؟!.

 

وإذا كان يحلو للماركسية، أن تؤمن بأن الطبقة المالكة المسيطرة،
هي التي تصنع الدين لحماية مصالحها، فمن حقنا أن نتساءل: هل كان
من مصلحة هذه الطبقة، أن تجعل من هذا الدين أداة فعالة في القضاء على
الرأسمال الربوي، الذي كان يدر عليها أرباحاً طائلة في المجتمع الملكي،
قبل أن يحرّمه الإسلام تحريماً باتاً؟!. أو هل كان من مصلحتها، أن
تتنازل عن كل مزاعمها الأرستقراطية، فتسخّر الدين للدعوة إلى المساواة
بين الناس، في الكرامة الإنسانية، بل إلى الاستهانة بالأغنياء، والتنديد
بتعاظمهم دون حق، حتى قال المسيح:(من أرد أن يكون فيكم عظيماً،
فليكن لكم خادماً، وأنه أيسر أن يدخل الجمل في ثقب إبرة، من أن
يدخل غني إلى ملكوت الله).

ونجد الماركسية أحياناً أخرى، تشرح تفسيرها الطبقي للدين بطريقة
أخرى، فتزعم أن الدين نابع من أعماق اليأس والبؤس، اللذين يملآن
نفوس الطبقة المضطهدة. فالمضطهدون هم الذين ينسجون لأنفسهم الدين،
الذي يجدون فيه السلوة، ويستشعرون في ظله الأمل. فالدين ايديولوجية

 

البائسين والمضطهدين، وليس من صنع الحاكمين.

ومن حسن الحظ. أن نعلم من تاريخ المجتمعات البدائية، أن الدين
ليس من الظواهر الفكرية للمجتمعات الطبقية فحسب، بل إن المجتمعات
البدائية التي تحسبها الماركسية، تعيش في حالة شيوعية لا طبقية، قد مارست
هذا اللون من التفكير، وظهرت فيها العقيدة الدينية بأشكال شتى. فلا
يمكن أن يفسر الدين تفسيراً طبقياً، أو أن يعتبر انعكاسا عقلياً لظروف
الاضطهاد، التي تحيط بالطبقة المستغلة، ما دام قد وجد في حياة الإنسان
العقلية، قبل أن يوجد التركيب الطبقي، وقبل أن يغرق الوادي بدموع
البائسين والمتسغلين. فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا أن تجعل من الوضع
الاقتصادي أساساً لتفسير الدين؟!.

وهناك شيء آخر، فالدين إذا كان إيديولوجية المضطهدين، النابعة
من واقعهم السيء، وظروفهم الاقتصادية، كما تزعم الماركسية في طريقتها
الثانية في التفسير.. فكيف يمكن أن نفسر وجود العقيدة الدينية، منفصلة
عن الواقع السيء، وظروف الاضطهاد الاقتصادي؟!. وكيف أمكن
لغير المضطهدين، أن ينقبلوا من الطبقة المضطهدة، إيديولوجيتها التي
نبعت من واقعها الاقتصادي، ودينها الذي تبشر به؟!.

إن الماركسية لا يمكنها أن تنكر وجود العقيدة الدينية، عند أشخاص
لا يمتون إلى ظروف الاضطهاد الاقتصادي بصلة، وصلابة العقيدة في
نفوس بعضهم، إلى درجة تدفعهم إلى التضحية بنفوسهم في سبيلها. وهذا
يبرهن_ بوضوح_ على أن المفكر لا يستوحي فكرة إيديولوجية_ دائماً_
من واقعه الاقتصادي، لأن الفكرة الدينية عند أولئك الأشخاص، لم تكن
تعبيراً عن بؤسهم، وتنفيساً عن شقائهم، وبالتالي لم تكن انعكاساً لظروفهم
الاقتصادية، وإنما كانت عقيدة تجاوبت مع شروطهم النفسية والعقلية،
فآمنوا بها على أساس فكري.

 

ولا تكتفي الماركسية بتفسير الدين تفسيراً طبقياً اقتصادياً، بل تذهب
إلى أكثر من هذا، فتحاول أن تفسر تطوره على أساس اقتصادي أيضاً.
فكل شعب حين تطورت ظروفه الاقتصادية، وأتاحت له إقامة مجتمع
قومي مستقل، كانت الآلهة التي يعبدها قومه آلهة قومية، لا تتجاوز
سلطتها حدود الأراضي القومية، المدعوة إلى حمايتها. وبعد أن تلاشت
قوميات هذه الشعوب، بالاندماج في إمبراطورية عالمية، هي الإمبراطورية
الرومانية، ظهرت الحاجة إلى دين عالمي أيضاً. وكان هذا الدين العالمي،
هو المسيحية، التي أصبحت ديناً رسمياً للدولة، بعد مرور (250) عاماً
على نشأتها. وتكيفت المسيحية بعد ذلك بالظروف الإقطاعية، وحين بدأت
تتعارض بشكلها الكاثوليكي، مع القوى البورجوازية المتنامية، ظهرت
حركة الإصلاح الديني البروتستانتية([26]).

ونلاحظ في هذا المجال، أن المسيحية أو البروتستانتية، لو كانت
تعبيراً عن الحاجات الموضوعية المادية، التي تشير إليها الماركسية، لكان
من الطبيعي أن تولد المسيحية وتنمو في قلب الإمبراطورية الرومانية، الآخذة
بزمام القيادة العالمية، وان تنشأ حركة الإصلاح الديني، في أكثر المجتمعات
الأوروبية، تطوراً ونمواً من الناحية البورجوازية. مع أن الواقع التاريخي،
يختلف عن ذلك تماماً.

فالمسيحية لم تنشأ في نقاط التمركز السياسي، ولم تولد في أحضان
الرومان الذين بنوا الدولة العالمية، وكانوا يعبرون في نشاطاتهم عنا،
وإنما نشأت بعيدة عن ذلك كله، في إقليم من الأقاليم الشرقية المستعمرة
للرومان، ونمت بين شعب يهودي مضطهد، لم يكن_ منذ استعمرته
الإمبراطورية على يد القائد الروماني(بمبي) قبل الميلاد بستة عقود_ يحلم

 

إلا بالاستقلال القومي، وتحطيم الأغلال التي تربطه بالمستعمرين، الأمر
الذي كفله كثيراً من الثورات، وعشرات الألوف من الضحايا، خلال
تلك العقود الستة فهل كانت ظروف هذا الشعب المادية والسياسية والإقتصادية
جديرة بأن تتمخض عن الدين العالمي، الذي يلبي حاجات الإمبراطورية
المستعمرة؟!.

وحركة الإصلاح الديني، التي نشأت عن طلائع التحرر الفكري في
أوروبا، هي الأخرى لم تكن وليدة القوى البورجوازية، وإن حصلت
منها البورجوازية على مكاسب، غير أن هذا لا يعني أنها بوصفها إيديولوجية
معينة قد نشأت عن مجرد التطور الاقتصادي البورجوازي. وإلا لكانت
انكلترا أجدر بها من البلاد، التي انبثقت عنها حركة الإصلاح، لأن
البورجوازية في إنكلترا، كانت أقوى منها في أي بلد أوروبي آخر.
والتطور الاقتصادي والسياسي، الذي أحرزته خلال ثورات، منذ عام
(1215)، جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى، وبالرغم
من ذلك لم يظهر 
((لوثر)) في انكلترا استجابة للوعي البورجوازي فيها،
وإنما ظهر بعيداً عنها، ومارس نشاطه ودعوته في ألمانيا، كما ظهر في فرنسا
الزعيم الثاني للحركة في شخص( كالفن) البروتستانتي العنيد، الذي جرت
في فرنسا على عهده عدة مذابح واشتباكات مروعة، بين الكاثوليك
والبرتستانت، ووقف الأمير الألماني(وليم أورانج) يدافع عن الحركة
الجديدة بجيش جرار.

صحيح أن انكلتر_ بعد ذلك_ تبنت البروتستانتية رسمياً،
ولكنها لم تكن_ بحال_ من نسيج وعيها البورجوازي، وإنما كانت نتيجة
وعي عاش في بلاد إقطاعية.

وإذا أخذنا فكرة الماركسية، عن التطور التاريخي للأديان، لنطبقها
على الإسلام، الدين العالمي الآخر، لوجدنا مدى التناقض الفاضح، بين

 

الفكرة والواقع. فلئن كانت أوروبا دولة عالمية، تتطلب ديناً عالياً،
فلم تكن في جزيرة العرب دولة عالمية كذلك، بل لم تكن توجد دولة
قومية، تضم الشعب العربي، وإنما كان العرب موزعين فئات متعددة،
وكان لكل قبيلة إلهها الذي تؤمن به، وتتذلل إليه وتصنعه من الحجر،
ثم تدين له بالطاعة والعبودية، فهل كانت هذه الظروف المادية والسياسية،
تدعو إلى انبثاق دين عالمي واحد، من قلب تلك الجزيرة المبضعة، وهي
بعد لم تعرف كيف تدرك وجودها كقوم وشعب، فضلاً عن أن تعي
وحدة من نمط أرقى، تتمثل في دين يوحد العالم برمته؟!. وإذا كانت
الآلهة الدينية تتطور، من آلهة قومية إلى إله عالمي، تبعاً للحاجات المادية
والأوضاع السياسية فكيف طفر العرب من آلهة قبلية يصنعونها بأيديهم،
إلى إله عالمي دانوا له بأعلى درجات التجربة؟!.

ب_ الفلسفة:

والفلسفة في رأي الماركسية_ هي الأخرى أيضاً_ مظهر عقلي للحياة
المادية والشروط الاقتصادية، التي يعيشها المجتمع، ونتاج حتمي لها.

قال كونستانتيوف:

((من القوانين المشتركة بين جميع التكوينات الاجتماعية، والصالحة_ على الخصوص_ للمجتمع الاشتراكي، يمكن أن نذكر القانون القائل: أن الوجود الاجتماعي يحدد الإدراك الاجتماعي. إن الأفكار
الاجتماعية والسياسية والحقوقية والفنية والفلسفية، هي انعكاس للشروط المادية في الحياة الاجتماعية
))([27]).

 

وموقفنا تجاه هذا يتلخص في كلمات، فنحن لا ننكر بالمرة الصلة
بين الفكر والشروط المادية والاقتصادية، التي يعيشها المفكرون، كما أننا
لا ننكر ما للفكر من نظام وقوانين، لأنه بوصفه ظاهرة من ظواهر الكون،
يخضع لما تخضع له تلك الظواهر من قوانين، ويجري وفقاً لمبدأ العلية.
فلكل عملية إيديولوجية أسبابها وشروطها، التي ترتبط بها كما ترتبط كل
ظاهرة بأسبابها وشروطها. ولكن الأمر الذي نختلف فيه مع الماركسية،
هو تحديد هذه الأسباب والشروط. فالماركسية ترى أن السبب الحقيقي،
لكل عملية إيديولوجية. إنما يكمن في الشروط الاقتصادية والمادية.
فلا يمكن_ في رأيها_ أن نفسر الفكرة، في ضوء علاقاتها بالأفكار الأخرى
وتفاعلاتها معها، وعلى أساس الشروط السيكولوجية والعقلية، وإنما يمكن
تفسيرها_ فقط_ عن طريق العامل الاقتصادي. فليس للفكر تاريخ مستقل
أو تطور خاص له، وإنما هو تاريخ للانعكاسات الحتمية، التي تثيرها في
العقل الإنساني ظروف المجتمع الاقتصادية والمادية والطريقة العلمية التي
يمكن أن نختبر بها هذه الحتمية، أن نقارن بين النظرية ومجرى الأحداث في
مجرى الحياة العقلية والاجتماعية للإنسان.

وللماركسية نصوص عديدة في شرح هذه النظرية، وتطبيقها على
الحقل الفلسفي. فهي تارة تفسر الفلسفة بحالة القوى المنتجة، وأخرى تفسرها
بمستوى العلوم الطبيعية، وثالثة تعتبرها ظاهرة طبقية، تحددها ظروف
التركيب الطبقي في المجتمع، كما سنرى في النصوص الآتية!

قال الفيلسوف الشيوعي البريطاني(موريس كونفورث):

((شيء آخر تجدر بنا ملاحظته، ذلك هو تأثير المخترعات التكنيكية والاكتشافات العلمية، على ظهور الأفكار الفلسفية ))([28]).

 

ويريد بهذا، أن يربط بين التفكير الفلسفي، وتطور وسائل الإنتاج
ويوضح هذه الرابطة في مجال آخر بتقديم نموذج لها من مفهوم التطوير،
الذي ساد العقلية الفلسفية، بسبب التطور الثوري في قوى الإنتاج، فهو
يقول:

((إن التقدم نحو المفاهيم التطورية في العلم، والذي أعرب عن اكتشاف التطور الحقيقي في الطبيعة والمجتمع
كان يطابق تطور الرأسمالية الصناعية في أواخر القرن
الثامن عشر،بيد أن هذا التطابق، لم يكن مجرد تطابق فحسب، بل كان يعبر عن علاقة سببية... لا تعيش البورجوازية، إلا إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرة
على أدوات الإنتاج... كانت هذه هي الشروط، التي
أدت إلى ظهور مفهوم التطور العام في الطبيعة والمجتمع، ولذلك فإن مهمة الفلسفة، في تعميم قوانين التغير والتطور
لا تنتج من مكتشفات العلوم فحسب، بل ومن الكل
المعقد لحركة المجتمع الحديث بكليته
))([29]).

وهكذا فإن أدوات الإنتاج، كانت تتطور وتتجدد، فتقذف إلى عقل
الفلاسفة مفاهيم التطور، التي قضت على النظرة الفلسفية الجامدة إلى الكون،
وحولتها إلى نظرة ثورية، تطابق التطورات المتواصلة في أدوات الإنتاج.

ونكتفي هنا بالقول: بأن التطورات الثورية في أدوات الإنتاج، بدأت
في أواخر القرن الثامن عشر، كما أشار إلى ذلك(كون فورث) نفسه،
أي بعد اختراع الآلة البخارية سنة 1764، التي تعتبر أول ثورة حقيقية
في وسائل الإنتاج، ومفهوم التطور_ على أساس مادي_ سبق هذا التاريخ،

 

على يد إمام من كبار أئمة الفلسفة المادية، الذي تشيد الماركسية بمجدهم
وآرائهم وهو (ديدرو)([30]). الذي طلع على دنيا الفلسفة في النصف الأول
من القرن الثامن عشر، بمادية صبها في إطار من التطور الذاتي، فقال:
بأن المادة تتطور بنفسها، وفسر الحياة على أساس التطور. فالأحياء عنده
تتطور، ابتداء من خلية تحدثها المادة الحية، بحيث تحدث الأعضاء الحاجات،
وتحدث الحاجات الأعضاء... فهل استقى(ديدرو) هذا المفهوم الفلسفي
للتطور، من الانقلابات الثورية في الأدوات المنتجة، التي لم تكن قد تعاقبت
بعد على مسرح الإنتاج؟!.

صحيح أن التغييرات الجذرية على الصعيد الإنتاجي، كانت تهيء
الأذهان_ إلى حد ما_ لقبول فكرة التطور الفلسفي، وتطبيقها على كل
مرافق الكون ولكن هذا لا يعني السببية الضرورية، وربط التطور الفلسفي
بتطور الإنتاج، ربطاً حتمياً لا يأذن له بالتقدم أو التأخر، وإلا فكيف سمحت
هذه الحتمية المزعومة (ديدرو)، أن يسبق تطور الإنتاج؟! بل كيف
سمحت لفلاسفة عاشوا قبل ذلك بأكثر من ألفي سنة، أن يجعلوا من التطور
قاعدة فلسفية لهم؟!.

فهذا هو الفيلسوف اليوناني(انكسمندر)، عاش في القرن السادس
قبل الميلاد([31])، جاء بمفهوم فلسفي عن التطور، لا يختلف في جوهره عن
مفاهيم التطور في عصر الإنتاج الرأسمالي. فقد قال: إن الكائنات كانت
أول أمرها منحطة، ثم سارت في طريق التطور، درجات أعلى فأعلى،
بما فطر فيها من دافع غريزي، يدفعها إلى الملاءمة بين أنفسها والبيئة الخارجية: فالإنسان_ مثلاً_ كان حيواناً يعيش في الماء، فلما انحسر الماء اضطر هذا

 

الحيوان المائي إلى ملاءمة البيئة، فاكتسب على مر الزمن أعضاء صالحة
للحركة على الأرض اليابسة. وهكذا حتى أصبح إنساناً.

وفيلسوف آخر، كانت له مساهمة كبيرة في مفاهيم التطور الفلسفي،
حتى اعتبرته الماركسية، شارحاً رائعاً لجوهر الديالكتيك ورأيه في التطور، وهو(هرقلطيس)، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد([32]). وجاء
في دنيا الفلسفة بمفهوم للتطور، يقوم على أساس التناقض والديالكتيك.
فهو يؤكد أن الكون ليس على صورة واحدة، فهو متغير متحول دائماً،
وهذه الصيرورة والحركة من صورة إلى صورة، هي حقيقة الكون،
فلا تفتأ الأشياء تتقلب من حال لحال إلى آخر الأبد. ويفسر هذه الحركة
بأنها تناقض، لأن الشيء المتحرك يكون موجوداً ومتغيراً في نفس الوقت،
أي موجوداً وغير موجود في آن واحد، وهذا الاتحاد الآني بين الوجود
واللاوجود، هو معنى الحركة، التي هي جوهر الكون وحقيقة.

إن فلسفة(هرقليطس) هذه، لئن برهنت على شيء، فإنما تبرهن
بوجودها التاريخي، على خطأ الماركسية في تفسيرها للفلسفة، وتأكيدها
على مسايرتها حتماً لوسائل الإنتاج والمكتشفات التكنيكية، لا سيما إذا
عرفنا أن(هرقليطس)، كان متأخر تأخراً فاضحاً عن موكب العلم،
ومكتشفاته الطبيعية والفلكية، في عصره. فضلاً عن مواكبه الحديثة،
حتى كان يعتقد أن قطر الشمس قدم واحد، كما يبدو للبصر، ويفسر
غروبها بانطفائها في الماء.

ولماذا نذهب بعيداً، وبين أيدينا الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر الدين
الشيرازي، الذي أحدث ثورة جبارة في الفلسفة الإسلامية، إذ أتحف الفكر
الإسلامي في مطلع القرن السابع عشر، بأعمق فلسفة شهدها تاريخ هذا

 

الفكر، وأثبت في فلسفته هذه، الحركة الجوهرية في الطبيعة، والتطور
المستمر في جوهر الكون، على أسس فلسفية تجريدية وقد أثبت ذلك،
يوم كانت وسائل الإنتاج ثابتة، بشكلها التقليدي على مر الزمن، وكان
كل شيء في الحياة الاجتماعية ساكناً ثابتاً، غير أن الدليل الفلسفي، دفع
فيلسوفنا الشيرازي إلى التأكيد على قانون التطور في الطبيعة، بالرغم من
ذلك كله.

فلا علاقة حتمية_ إذن_ بين المفاهيم الفلسفية، والوضع الاقتصادي
للقوى المنتجة.

وهناك شيء آخر له مغزاه الخاص بهذا الصدد، وهو أن الوضع
الاقتصادي لقوى الإنتاج وعلاقاته، لو كان هو الأساس الحقيقي الوحيد،
لتفسير الحياة العقلية للمجتمع، بما فيها الأفكار الفلسفية، لكانت النتيجة
الطبيعية لذلك، أن التطورات الفلسفية تواكب في حركتها التقدمية، تطور
الوضع الاقتصادي، وتجري وفقاً لحركة التكامل في علاقات الإنتاج وقواه
ويصبح من الضروري بموجب ذلك، أن تنبع الاتجاهات التقدمية في الفلسفة،
وأن تتولد الثورات الفلسفية الكبرى، في أرقى المجتمعات من الناحية
الاقتصادية فيكون نصيب كل مجتمع من التفكير التقدمي، والفلسفة الثورية،
بمقدار حظه من التطور الاقتصادي والسبق في ظروف الإنتاج وعلاقاته.
فهل تنسجم هذه النتيجة مع الواقع التاريخي للفلسفة؟ هذا ما نريد معرفته
الآن.

ولنأخذ حالة أوروبا، عندما لاحت في الأفق الأوروبي، تباشير
الثورة الفكرية الجديدة. فقد كانت انكلترة تتمتع بدرجة عالية نسبياً من
التطور الاقتصادي، لم تظفر بنظيرها فرنسا ولا ألمانيا، وكان الشعب
الإنكليزي، قد ظفر بمكاسب سياسية خطيرة، لم يكن قد حصل على شيء
منها الشعب الفرنسي والألماني، وكانت القوى الاقتصادية الفنية في انكلترة

 

(قوى البورجوازية) في نمو مستمر، لا يشبهه وضعها في البلدان الأخرى.
وبكلمة مختصرة: إن الوضع الاجتماعي لإنكلترة، بشروطه الاقتصادية
والسياسية، كان أعلى درجة_ في سلم التطور التاريخي، الذي تؤمن به
الماركسية_ من فرنسا وألمانيا، بدليل أن انكلترة بدأت ثورتها التحررية،
سنة(1215)، وخاضت في منتصف القرن السابع عشر(1648)، ثورتها
الكبرى بقيادة(كرومويل)، بينما لم تتهيأ في فرنسا ظروف الثورة
الحاسمة، إلا سنة(1789)ولا في ألمانيا، إلا عام(1848)، وهذه
الثورات، بوصفها ثورات بورجوازية، منبثقة عن درجة التطور الاقتصادي
في رأي الماركسية، تبرهن بما تشير إليه من تفاوت زمني بينها إلى سبق
انكلترة في المجال الاقتصادي.

وإذا كانت انكلترة هي الدولة المتطورة اقتصادياً، أكثر من غيرها،
فمن الطبيعي_ على أساس النظرية الماركسية_ أن تسبق غيرها من البلدان
في المضمار الفلسفي، وتصبح أكثر تقديمة منها في اتجاهها الفلسفي. والاتجاه
التقدمي في الفلسفة_عند الماركسية_ هو الاتجاه المادي، وأكثر ما يكون
الاتجاه المادي تقدمياً، حين يقوم على أساس التطور والحركة. وهنا نتساءل:
أين ولدت المادية وشبت؟ وفي أي مجتمع ظهرت تباشير ها، ثم اندلعت
عاصفتها؟ وتبدو لنا الماركسية هنا في موقف حرج، لأن نظريتها في تفسير
الفلسفة، على أساس العامل الاقتصادي، تدعوها إلى القول: بأن تقدم
انكلترة الاقتصادي، كان يفرض عليها أن تظهر على المسرح الفلسفي،
بالاتجاه التقدمي، أو الاتجاه المادي بتعبير آخر. ولهذا حاول ماركس القول:
بأن المادية ولدت في إنكلترة، على يد(فرنسيس بيكون)، وعلى يد
(الاسميين)([33]).

ولكنا نعلم جميعاً، أن(بيكون) لم يكن فيلسوفاً مادياً، بل كان

غارقاً في المثالية، وإنما دعا إلى التجربة فقط وشجع الطريقة التجريبية في
البحث. وأما (الاسميون) الانجليز، فلئن كانت(الاسمية) لوناً فكرياً
من الإعداد للمادية، فقد سبق إلى هذا اللون من التفكير الفلسفي، إثنان من
الفلاسفة الفرنسيين، في مطلع القرن الرابع عشر: أحدهما(دوران دي
سان بورسان)، والآخر:(بيير أوريول) وإذا أردنا أن نفتش بصورة
أعمق عن المقدمات الفكرية، التي مهدت للاتجاه المادي. فسوف نجد قبل
(الاسمية) الحركة(الرشدية اللاتينية) في الفلسفة، التي ظهرت في القرن
الثالث عشر في فرنسا، وتشيّع لها معظم أساتذة كلية الفنون بباريس. وعلى
يدهم فصلت الفلسفة عن الدين، وبدأت تتجة إلى إنكار المسلّمات الدينية.

وأما الاتجاه المادي في شكله الصريح، فهو وإن كشف عن نفسه
في شخص أو أشخاص معدودين في إنكلترة، نظير(هوبز). ولكن هذا
الاتجاه لم يستطع أن يسيطر على الموقف الفلسفي في إنكلترة، أو يستلم
الزمام من الفلسفة المثالية، بينما أثار أكبر عاصفة مادية على المسرح الفلسفي
في فرنسا، حتى غرقت فرنسا في الاتجاهات المادية. وبينما كانت فرنسا
الفكرية، تحتفل ب(فولتير) و(ديدرو) وأمثالها من أئمة المادية في القرن
الثامن عشر.. نجد انكلترة زاخرة بأعمق وأفظع مثالية فلسفية. على يد
((جورج باركلي)) و ((ديفيد هيوم)) المبشرين الأساسيين بالمثالية في تاريخ
الفلسفة الحديثية..

وهكذا تجيء النتائج، على عكس ما ترتقبه الماركسية في التاريخ. إذ
تزدهر الفلسفة المثالية، وبتعبير آخر: أشد الفلسفات رجعية عند الماركسية،
في أرقى المجتمعات، وأكثرها تطوراً من الناحية الاقتصادية والتكنيكية.
بينما تختار العاصفة المادية لها مكاناً، في مجتمعات متأخرة اقتصادياً واجتماعياً،
كفرنسا، بل إن المادية التطورية والديالكتيك نفسهما، لم يظهرا إلا في
ألمانيا
، يوم كانت متأخرة في شروطها المادية على انكلترة، بعدة درجات.

 

ومع هذا تريدنا الماركسية، أن نصدق تفسيرها للتفكير الفلسفي
وتطوراته، على أساس الوضع الاقتصادي ونموه.

وإذا حاولت الماركسية، أن تجد لها المفارقات مبرراً لتعبيرها استثناءً
عن القانون. فماذا يبقي عندها من دليل على صحة القانون نفسه. لتكون
هذه المفارقات استثنائية؟؟ ولماذا لا تكون دليلاً على خطأ القانون نفسه،
بدلاً من أن نلتمس المعاذير لها من هنا وهناك؟!!.

وهكذا نستنتج_ مما سبق_ أن لا علاقة حتمية بين المفاهيم الفلسفية
للمجتمع والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة فيه.

*     *     *

وأما العلاقة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية، فتتوقف دراستها_ بصورة
مفصلة_ على تحديد مفهوم الفلسفة، ومفهوم العلم، والأسس التي يرتكز
عليها التفكير الفلسفي والتفكير العلمي، لنستطيع أن نعرف ما يمكن من
تفاعل وارتباط بين الحلقتين. وهذا ما سنتركه إلى 
((فلسفتنا)) ولكننا لا نترك
هذا المناسبة دون أن نشير بإجمال، إلى شكنا في التبعية المفروضة على
الفلسفة للعلوم الطبيعية فإن الفلسفة قد تسبق العلم أحياناً، إلى بعض الإتجاهات
في تفسير الكون، ثم يجري العلم بعد ذلك في اتجاهها، بطريقته الخاصة.
وأوضح مثل على ذلك التفسير الذري للكون، الذي قال به الفيلسوف
اليوناني ديمقراطيس، وقامت على أساسه عدة مدارس فلسفية، على مر
التاريخ، قبل أن تصل العلوم الطبيعية إلى مستوى تتمكن فيه من التدليل على
هذا التفسير. واستمر التفسير يحمل الطابع الفلسفي الخالص، حتى حاول
أن يدخل الحقل العلمي_ لأول مرة_ على يد(دالتن) عام(1805)،
حيث استخدم الفرضية الذرية، لتفسير النسب الثابتة في الكيمياء.

*     *     *

 

ولم يبق علينا بعد هذا، إلا أن نفحص الطابع الطبقي للفلسفة. فإن
الماركسية تؤكد أن الفلسفة لا يمكن أن تتجرد عن إطارها الطبقي، بل هي
دائماً تعبير عقلي رفيع، عن مصالح طبقة معينة. قال موريس كونفورت:

((كانت الفلسفة دوماً تعبر، ولا تستطيع أن تعبر عن وجهة نظر طبقية. فكل فلسفة عبارة عن وجهة نظر طبقه ما، عن العالم. طريقة تدرك بها الطبقة، مركزها وأهدافها التاريخية. فكانت المدارس الفلسفية، تعبر عن نظرة الطبقة، ذات الإمتيازات، إلى العالم، أو عن وجهة نظر الطبقة التي كانت تكافح، لتصبح طبقة ذات امتيازات))([34]).

ولا تكتفي الماركسية بمجمل من القول كهذا، بل تضع النقاط على
الحروف فتؤكد أن الفلسفة المثالية(وتعني بها كل فلسفة ترفض التفسير
المادي البحث للعالم) هي فلسفة الطبقات الحاكمة، والأقليات المستغلة التي
تتبني المثالية على مر التاريخ_ بوصفها فلسفة محافظة_ لتستعين بها على
إبقاء القديم على قدمه. وأما المادية فهي على نقيض ذلك، لأنها كانت
تعبر دائماً عن المفهوم الفلسفي للطبقات المضطهدة، وتقف إلى جانبها في
كفاحها، وتسند الحكم الديمقراطي والقيم الشعبية([35]).

وتشرح الماركسية هذين الموقفين المتناقضين. من المثالية والمادية،
على أساس اختلاف الفلسفتين في نظريتهما عن المعرفة. وفي هذا تقع
الماركسية في خلط، بين نظرية المعرفة في المجال الكوني، وبينها في المجال
الأخلاقي فتعتبر أن تأكيد المثالية على حقائق مطلقة الوجود، يتضمن إيمانهم

 

بقيم مطلقة للوضع الاجتماعي أيضاً. فما دامت المثالية، أو الميتافيرية،
تؤمن بأن الحقيقة العليا 
((الله)) في الوجود مطلقة وثابتة، فهي تؤمن_
أيضاً_ بأن الظواهر العليا في المجتمع، من حكومة وأوضاع سياسية
واقتصادية، حقائق ثابتة مطلقة أيضاً. لا يجوز تغييرها واستبدالها بغيرها.

والحقيقة هي: أن وجود حقائق مطلقة وفقاً لنظرية المعرفة الفلسفية
عند الميتافيزية، ولمفهومها عن الوجود، لا يعني الاعتراف بنظير هذا
الإطلاق والشمول، على الصعيد الاجتماعي والسياسي ولذلك نجد أرسطو
زعيم الميتافيزية، الفلسفية، يؤمن بالنسبية، على الصعيد السياسي، ويقرر
أن الحكومة الصالحة تختلف باختلاف الأحوال والظروف، ولم يمنعه القول
بالصلاح النسبي_ هذا_ في المجال الاجتماعي، من الاعتقاد بالحقائق
المطلقة في الفلسفة الميتافيزيقية.

وسنترك درس هذه الناحية دراسة دقيقة، إلى(فسفتنا)، ونقف
هنا لحظة لنرى: هل يصدق التاريخ هذه المزاعم، التي تقررها الماركسية
عن الاتجاه التاريخي الطبقي للمثالية والمادية؟؟.

ويمكننا أن نأخذ مثالين من التاريخ. من تاريخ المادية على الخصوص: أحدهما:(هرقلطيس) اكبر فيلسوف للمادية في العالم القديم. والآخر:
(هوبز) الذي يعتبر من أقطاب المادية في الفلسفة الحديثة.

أما (هرقليطس) فهو أبعد إنسان عن الروح الشعبية، التي تسلكها
الماركسية في جوهر الفلسفة المادية. فقد كان سليل أسرة إرستقراطية نبيلة،
لها المنزلة الأولى بين أهل المدينة وقد شاء الحظ أن يندرج في مناصبها الكبيرة،
حتى أصبح حاكم المدينة المسيطر. وقد كان يعبر دائماً، وفي كل تصرفاته
عن نزعته الأرستقراطية، وترفعه على الشعب، واستهانته به، حتى
كان يصفه تارة بقوله: (أنعام تؤثر الكلأ على الذهب)، وأخرى بقوله:
(كلاب تنبح كل من لا تعرفه).

 

هكذا تجسّدت_ في العالم القديم_ المادية الديالكتيكية في شخص،
يمكن أن يوصف بكل شيء إلا بالروح الديمقراطية ومساندة الحكم الشعبي.
بينما كان إمام المثالية في دنيا اليونان، (أفلاطون)، يدعو إلى فكرة
ثورية؟ تتجسد في نظام شيوعي مطلق، ويشجب الملكية الخاصة بكل
ألوانها. فأي الفيلسوفين كان أقرب للثورية، والقيم التحررية في رأي
الماركسية؟!

و(هوبز) الذي حمل في مطلع عهد النهضة، لواء فلسفة مادية
خالصة، معارضاً بها ميتافيزيقية(ديكارت)... لم يكن أحسن حالاً من
(هرقليطس) فقد كان معلماً لأمير من الأسرة المالكة في انكلترة، (هو
الذي اعتلى عرش انجلترا بعد ذلك باسم: شارل الثاني عام 1660)،
وبحكم علاقته هذه، ناهض الثورة الشعبية الكبرى، التي فجّرها الشعب
الانجليزي، بقيادة (كرومويل) حتى إذا دكّت الثورة عرش الملكية،
وإقامت مكانها جمهورية يرأسها (كرومويل)، اضطر فيلسوفنا المادي،
إلى الفرار والالتجاء إلى فرنسا، التي كانت معقلاً قوياً للملكيين. وهناك
استمر في مناصرته الفكرية للملكية المطلقة، ووضع كتابه(التنين)،
الذي ضمّنه فلسفته السياسية، وأكد فيه على ضرورة سلب أفراد الشعب
حرياتهم، وإقامة الملكية على أساس من الإستبداد المطلق. وفي الوقت الذي
كانت تؤكد فيه الفلسفة المادية، هذا الاتجاه السياسي، على يد(هوبز)
كانت الفلسفة(الميتافيزيقية) تقف موقفاً معاكساً، يتمثل في عدة من
أبطالها المفكرين، الذين عاصروا(هوبز) كالفيلسوف الصوفي الكبير
(باروخ سبينوزا) الذي آمن بحق الشعب في انتقاد السلطة، بل وفي الثورة
عليها. ودعا إلى الحكم الديمقراطي قائلاً:(كلما اتسعت مشاركة الشعب
في الحكم، قوي التحاب والإتحاد).

فأي الفلسفتين كانت تسير في ركاب الأرستقراطية والإستبداد؟!.

 

 
 

اقتصـادنا_9

 


فلسفة(هرقليطس) الأرستقراطي، أم فلسفة أفلاطون واضع كتاب
الجمهورية. فلسفة(هوبز) الإستبدادي، أم فلسفة(سبينوزا)، القائل
بحق الشعب في الحكم.

 

بقي علينا أن نلاحظ شيئاً آخر، وهو: أن التفكير الفلسفي لمّا كان
طبقياً في رأي الماركسية، فهو تفكير حزبي دائماً. فلا يمكن لأي باحث
فلسفي، أن يدرس مسائل الفكر الإنساني، دراسة موضوعية نزيهة،
بل الدراسات الفكرية كلها ذات لون حزبي صارخ، ولأجل هذا لا تتحاشى
الماركسية عن إبراز الطابع الحزبي لفلسفتها وتفكيرها الخاص، والإعتراف
باستحالة النزعة الموضوعية في البحث بالنسبة إليها، وإلى كل المفكرين،
وتكرر دائماً: أن النزعة الموضوعية والنزاهة التامة في البحث، ليست إلا
أسطورة بورجوازية يجب القضاء عليها قال الكاتب الماركسي الكبير
(تشاغين):

((لقد ناضل لينين بثبات وإصرار... ضد النزعة الموضوعية في النظرية، وضد اللاتحيز واللاّحزبية البورجوازيين. ومنذ عام 1890 سدّد لينين طعنة نجلاء،
إلى النزعة الموضوعية البورجوازية، التي كان ينادي
بها الماركسيون الشرعيون، أولئك الذين كانوا ينتقدون الموقف الحزبي في النظرية، ويطالبون بالحرية في ميدان النظرية... لقد بيّن في نضاله ضد الماركسية الشرعية،
وضد نزعة المراجعين: أن النظرية الماركسية من واجبها
أن تعلن بصراحة، وحتى النهاية، مبدأ الروح الحزبية البروليتارية...ولكي نقدر حق قدره هذا الحدث أو ذالك، من أحداث التطور الاجتماعي، فينبغي النظر إليه من
زاوية مصالح الطبقة العاملة، والتطور التاريخي لهذه

 

الطبقة... فالروح الحزبية هي التي تمكّن الطبقة العاملة،
من أن تبرّر علمياً، الضرورة التاريخية لإقامة (دكتاتورية البروليتاريا)
 ))([36]).

وقال لينين نفسه:

 ((إن المادية تفرض الموقف الحزبي، لأنها في تقدير
كل حادث تجبر على الإنحياز صراحة، ودون مواربة،
إلى وجهة نظر فئة اجتماعية معينة
))([37]).

وعلى هذا الأساس، وجه جدانوف نقداً قاسياً لكتاب(الكسندروف)
في تاريخ الفلسفة الغربية، إذ دعا فيه مؤلفه إلى التساهل والنزعة الموضوعية
في البحث فنقده جدانوف بحرارة وكتب يقول:

((إن المهم في نظري، هو أن المؤلف يستشهد بـ (تشرينشفسكي)، لكي يبين: أنه يجب على مؤسسي
الأنظمة الفلسفية المختلفة، وحتى المتناقضة فيما بينها،
أن يكونوا أكثر تساهلاً واحدهم تجاه الآخر ولما كان
المؤلف قد استشهد بهذه الفقرة( أي بفقرة من كلام تشرينشفسكي في تحبيذ التساهل والموضوعية) دون
تعليق، فمن الواضح أنها تمثل وجهة نظره الخاصة.
فإذا كان الأمر كذلك، كان من الجلي أنه يسير في
طريق، إنكار مبدأ الموقف الحزبي في الفلسفة، ذلك
المبدأ الجوهري في الماركسية اللينينية
))([38]).

 

ونحن بدورنا نتساءل، في ضوء هذه النصوص: ماذا تقصد الماركسية
من التشديد على الموقف الحزبي في الفلسفة، والتحيز في كل مجال فكري
إلى وجهة نظر الطبقة التي تدافع عن مصالحها فإن كانت تعني بذلك أن من
الضروري للفلاسفة الماركسيين أن يجعلوا مصلحة الطبقة العاملة، هي المعيار
فيما يقبلون ويرفضون من آراء، فلا يسمجون لأنفسهم بتبني أي فكرة،
تتعارض مع تلك المصلحة، وإن توفرت عليها الأدلة والبراهين.. فمعنى
هذا أنها تنتزع من نفوسنا الثقة بأقوالها، وتجعلنا نشك في إيمانها بأي رأي
تبديه، أو فكرة تتحمس لها. ويصبح من الجائز أن يكون ماركس، أعرف
الناس بأخطائه، التي كان يكافح في سبيلها، ويعرضها بوصفها معاجز
التفكير الحديث.

وأما إذا كانت تعني الماركسية من الموقف الحزبي، أن كل فرد ينتمي
إلى طبقة ويدافع عن مصالحها، ينساق دون قصد إلى ما يتفق مع مصالح
تلك الطبقة من مفاهيم وآراء، ولا يمكن أن يتجرد عن وصفه الطبقي خلال
البحث مهما حاول اصطناع النزعة الموضوعية وتكلفها، إذا كانت
الماركسية تعني هذا، فإنه يؤدي بها إلى النسبية الذاتية التي تحاربها دائماً.

ولعل القاريء يتذكر النسبية الذاتية، من بين المذاهب التي استعرضناها
في نظرية المعرفة من(فلسفتنا) وهو المذهب القائل: بأن الحقيقة ليست
مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي، وإنما هي مطابقة الفكرة للشروط الخاصة،
التي توجد في تركيب الفرد العضوي والنفسي، فالحقيقة بالنسبة إلى كل
شخص، ما تتفق مع تركيبه الخاص، لا يطابق الواقع الخارجي، وهي
لأجل ذلك نسبية ذاتية، بمعنى أنها تختلف من فرد لآخر. فما هو حقيقة
بالنسبة إلى شخص، لا يكون كذلك بالنسبة إلى شخص آخر.

والماركسية تشن حملة عنيفة ضد هذه النسبية الذاتية، وتعتبر الحقيقة
هي مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي، غير أن الواقع الموضوعي لمّا كان

 

متطوراً، فالحقيقة التي تعكسه متطورة أيضاً، فهي حقيقة نسبية، ولكن
النسبية هنا موضوعية، تابعة لتطور الواقع الموضوعي، وليست ذاتية تابعة
للتركيب العضوي والنفسي للفرد المفكر. هذا ما تقوله الماركسية في نظرية
المعرفة، ولكنها بتأكيدها على الطابع الطبقي والحزبي للتفكير، وعلى
استحالة التجرد من مصالح الطبقة، التي ينتمي إليها المفكر، تسير في طريق
النسبية الذاتية من جديد، إذ تصبح الحقيقة هي مطابقة الفكرة للمصالح
الطبقية للمفكر لأن كل مفكر لا يستطيع أن يدرك الواقع إلا في حدود هذه
المصالح. فلا يمكن للماركسية حين تقدم لنا مفهومها عن الكون والمجتمع،
أن تزعم لهذا المفهوم القدرة على تصوير الواقع، وإنما  كل ما تستطيع أن
تقره هو: أنه يعكس ما يتفق مع مصالح الطبقة العاملة من جوانب الواقع.
فمعيار الحقيقة عند كل مدرسة فكرية، هو مدى اتفاق الفكرة مع المصالح
الطبقية، التي تدافع عنها. وبهذا تصبح الحقيقة نسبية، تختلف من مفكر إلى
آخر، ولكن لا بحسب التركيب العضوي والنفسي للأفراد. بل بحسب
التركيب الطبقي والمصالح الطبقية التي ينتمون إليها. فالحقيقة نسبية
طبقية، تختلف باختلاف الطبقات ومصالحها، وليست نسبية موضوعية،
ولا يمكن التأكد من احتواء الحقيقة على جانب موضوعي من الواقع، أو
تحديد هذا الجانب فيها، ما دامت الماركسية لا تأذن للتفكير_مهما كان
لونه_ أن يتجاوز حدود المصالح الطبقية وما دامت المصالح الطبقية توحي
دائماً بما يشايعها من أفكار، بقطع النظر عن خطئها وصوابها وينتج من
ذلك شك مطلق مرير، في كل الحقائق الفلسفية.

جـ _ العلم:

ولا أريد أن أقف عند الأفكار العلمية طويلاً، خوفاً من الإسهاب.
ولكننا لن نستمع_ مهما وقفنا_ إلا نفس النغمة، التي كانت ترددها

 

الماركسية في الحقل الفلسفي، وفي كل مرفق من مرافق الوجود الإنساني.
فالعلوم الطبيعية_ في رأيها_ تتدرّج وتنمو طبقاً للحاجات المادية، التي
يتفتح عنها الوضع الاقتصادي، وتستجد شيئاً فشيئاً تبعاً لتطور الظروف
الاقتصادية وتكاملها. ولما كانت هذه الظروف، نتاجاً تاريخياً لوضع القوى
المنتجة، وأساليب الإنتاج، فلا غرو أن تصل الماركسية في تفسيرها للحياة
العلمية إلى الإنتاج أيضاً، كما تصل إليه عند نهاية كل شوط، في تحليل
حركة التاريخ وعمليته المتعددة الجوانب. فكل مرحلة تاريخية تتكيف
اقتصادياً وفقاً لأساليبها في الإنتاج، وتساهم في الحركة العلمية في المدى
الذي يفرضه واقعها الاقتصادي، وحاجاتها المادية النابعة من هذا الواقع.
فاكتشاف العلم للقوة البخارية المحركة، في أواخر القرن الثامن عشر مثلاً،
كان وليد الظروف الاقتصادية، ونتيجة لحاجة الإنتاج الرأسمالي إلى
قوة ضخمة، لتحريك الآلات التي يعتمد عليها هذا الإنتاج. وكذلك
سائر الكشوف والتطورات، التي يحفل بها تاريخ العلم.

وقد ذكر (روجيه غارودي)، لإيضاح تبعية العلوم للوضع الاقتصادي
والتكنيكي، للقوى المنتجة: أن المستوى التكنيكي، الذي تبلغه القوى
المنتجة، هو الذي يضع أمام العلم قضايا، ويحتم عليه بحثها وحلها، فيتقدم
ويتكامل وفقاً لما يعالجه من هذه القضايا، النابعة من تطور القوى المنتجة،
ووضعها الفني والتكنيكي. وعلى هذا الأساس يفسر لنا(غارودي)،
كيف أن اكتشافاً واحداً قد يتوصل إليه عدة علماء في آن واحد كاكتشاف
التعادل بين الحرارة والعمل، الذي حققه علماء ثلاثة، في وقت واحد،
وهم: (كارنو) في فرنسا، و(جول) في إنجلترا، و(ماير) في ألمانيا؛
وكما يقدّم تطور القوى المنتجة بين يدي العلم القضايا، التي يجب عليه حلها،
كذلك يعبّر لنا(غارودي) عن وجه آخر، من تبعية العلوم لوضع القوى
المنتجة وهو أن تطورها يهيء للعلم أدوات البحث التي يستخدمها، ويؤمّن

 

له مجموعة الأدوات الضرورية للمراقبة والاختبار([39]).

وفيما يلي نلخص ملاحظاتنا، على هذا الموقف الماركسي في تفسير العلم:

أ_ إذا استثنينا العصر الحديث، نجد أن المجتمعات التي سبقته إلى
الوجود، كانت متقاربة إلى حد كبير في وسائل الإنتاج وأساليبه، ولم يكن
بينها أي فرق جوهري من هذا الناحية. فالزراعة البسيطة، والصناعة
اليدوية، هما الشكلان الرئيسيان للإنتاج، في مختلف تلك المجتمعات. ومعنى
ذلك في العرف الماركسي، أن القاعدة التي تقوم عليها هذه المجتمعات كلها
واحدة. وبالرغم من ذلك فإنها تختلف اختلافاً كبيراً، في مستوياتها العلمية.
فلو كانت أشكال الإنتاج وأدواته، هي العامل الأساسي، الذي يحدد لكل
مجتمع محتواه العلمي، ويطوّر الحركة العلمية وفقاً لدرجة التاريخية.. لما
وجدنا تفسيراًًًًًً لهذا الإختلاف، ولا مبرراً لازدهار العلم في مجتمع دون
مجتمع، ما دامت القوة الرئيسية التي تصنع التاريخ، واحدة في الجميع.

فلماذا اختلف المجتمع الأوروبي في القرون الوسطى مثلاً، عن
المجتمعات الإسلامية في الأندلس والعراق ومصر، مع إشتراكها في نوعية
القاعدة!. وكيف ازدهرت في المجتمعات الإسلامية، الحركة
العلمية في مختلف الحقول بدرجة عالية نسبياً، ولم يوجد لها أي تباشير في
أوروبا الغربية، التي هالها ما رأته في حروبها الصليبية، من علوم المسلمين
ومدنيتهم؟.

ولماذا استطاعت الصين القديمة وحدها، أن تخترع الطباعة، ولم تتوصل
إليها سائر المجتمعات إلا عن طريقها!.. فقد أخذ المسلمون هذه الصناعة،
عن الصينيين في القرن الثامن الميلادي، ثم أخذتها أوروبا عن المسلمين في
القرن الثالث عشر. فهل كانت القاعدة الاقتصادية التي قامت عليها الصين

 

القديمة، تختلف في جوهرها عن قاعدة المجتمعات الأخرى؟!.

ب_ إن الجهود العلمية، وإن كانت تعبّر في كثير من الأحايين عن
حاجة مادية اجتماعية تتطلب الإبداع، ولكن هذه الحاجة لا يمكن أن
تكون هي التفسير الأساسي الوحيد، لتاريخ العلم وتطوراته. فإن كثيراً
من الحاجات، بقيت تنتظر آلاف السنين كلمة العلم بشأنها، ولم تستطع
بمجرد وجودها في حياة الناس المادية، أن تظفر من العلم بمكسب، حتى
آن للعلم أن يصل إلى الدرجة التي تتيح له قضاء هذه الحاجة. ولنأخذ المثال
على ذلك من كشف علمي، قد يبدو الآن تافهاً ولكنه عبر في حينه عن
تطور علمي جديد، وهو إختراع النظارات. فحاجة الناس إلى النظاّرات
مثلاً قديمة، قدم الإنسان، ولكن هذه الحجة المادية، بقيت تنتظر دورها،
حتى جاء القرن الثالث عشر، فاستطاعت أوروبا أن تأخذ عن المسلمين،
معلوماتهم عن انعكاس الضوء وانكساره، وبالتالي تمكّن العلماء على
أساس هذه المعلومات، أن يصنعوا النظارات فهل كان هذا الحدث العلمي
وليد حاجة جديدة، نبعت عن الواقع الاقتصادي والمادي للمجتمع؟!
أو كان نتيجة لعوامل فكرية، استطاعت أن تؤدي إلى اختراع النظارات
عند وصولها إلى درجة معينة من تطورها وتكاملها؟!.

ولو كان بإمكان الحاجة المنبثقة من الظروف الاقتصادية، أن تفسر
العلم والكشوف العلمية، فكيف يمكن أن نفهم اكتشاف أوروبا لقدرة
المغنطيس على تعيين الاتجاه، في القرن الثالث عشر، حين استعملت الإبرة
المغنطيسية في إرشاد السفن؟!. مع أن الطريق البحري كان هو الطريق
الرئيسي للتجارة في قرون خلت، وكان الرومان يعتمدون في التجارة على
طريق البحر بصورة رئيسية، ولم يتح لهم_بالرغم من ذلك_ أن يكتشفوا
للمغناطيس قدرته على توجيه السفن. ولم تشفع لهم حاجاتهم النابعة من
واقعهم الإقتصادي بذلك، بينما تؤكد بعض الروايات التاريخية، أن الصين

 

قد ظفرت بهذا الكشف قبل عشرين قرناً تقريباً.

وقد يتفق للعلم أن يسبق بفتوحه الحاجة الاجتماعية إذا استكمل الشروط
الفكرية للفتح الجديد. فالقوة المحركة للبخار هي من حاجات المجتمع
الرأسمالي في رأي الماركسية، ولكن العلم قد اكتشفها_بالرغم من ذلك_
في القرن الثالث الميلادي([40]) قبل أن تظهر طلائع الرأسمالية الصناعية، على
مسرح التاريخ، بأكثر من عشرة قرون. صحيح أن المجتمعات القديمة،
لم تستثمر هذه القوة البخارية، ولكننا لا نتحدث عن مدى قدرة المجتمع
على الاستفادة من العلوم، وإنما نبحث الحركة العلمية نفسها، وندرس
ما إذا كانت تعبيراً عقلياً عن الحاجة الاجتماعية المتجددة بدورها، أو
حركة أصيلة لها شروطها السيكولوجية وتاريخها الخاص.

جـ _والماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم، على القضايا
والمشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج، وأوضاعها التكنيكية أمامها، تقع
في خلط بين العلوم الطبيعية النظرية من ناحية، والفنون العملية من ناحية
أخرى. فالفنون العملية الصناعية، التي نبعت من خلال التجارب والخبرات
الإعتيادية، التي حصل عليها رجال الأعمال، وتوارثوها، كانت تسخر
دائماً لحساب القوى المنتجة، وتنمو تبعاً لما تقدمه هذه القوى من مسائل
ومشاكل، تتطلب منهم الجواب عنها، أو التغلب عليها. وأما العلوم
النظرية التجريبية، فلم تكن وقفاً على تلك المسائل والمشاكل، بل إننا
نجد أن التطور العلمي النظري، والتطور الفني العملي، سار لفترة كبيرة
من الزمن، في خطين منفصلين، وذلك منذ القرن السادس عشر، إلى
القرن الثامن عشر. فقد مضى على الفنون العملية_ بعد ميلاد العلم في القرن
السادس عشر_ قرنان، قبل أن تتهيأ لها الاستفادة من العلم، وبقي الحال

على هذا تقريباً، حتى بدأت صناعة الكهرباء سنة(1870).

ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم، أن الثورة العلمية في الكيمياء، التي
قام بها(لافوازيه)، لم يقلبها الناس عامة، إلا في نهاية القرن الثامن عشر.
وقد استطاعت الفنون العملية خلال ذلك، إجراء تحسينات في صناعة الحديد،
وصناعة الفولاذ، قبل أن يعرف هؤلاء الفنانون الفروق الكيمياوية الأصلية،
بين الحديد الصلب، والحديد المطاوع، والفولاذ، تبعاً لإختلاف نسبة
الكربون فيها.

وهذا الانفصال بين خط التفكير العلمي، والخبرة البحتة في الفنون
العملية، ردحاً من الزمن، يعني أن للعلم تاريخه الفكري، وليس نتاجاً
لحاجات الإنتاج المتجددة، واستجابة لمستلزماتها الفنية فحسب.

وأما ما لاحظه(غارودي)، من أن كشفاً علمياً واحداً، قد يصل
إليه عدة علماء في وقت واحد... فهو لا يبرهن على أن الكشوف العلمية
دائماً وليدة الظروف التكنيكية. لوسائل الإنتاج، كما شاءت الماركسية أن
تستنتجه من هذه الظاهرة، زاعمة: أن الظروف الاقتصادية والمادية،
حين تسمح لقوى الإنتاج، بطرح قضية جديدة إلى العلماء، وتدفعهم إلى
التفكير في حلها، يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف المطلوب، في أوقات
متقاربة، لأن القوة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد، من خلال
تطور الإنتاج.

ولكن هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة،. بل من الممكن
تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء، في الخبرة والشروط الفكرية
والسيكولوجية، والمستوى العلمي العام.

والدليل على أمكان هذا التفسير، وجود هذه الظاهرة التي ندرسها،
في الحقول العلمية النظرية، البعيدة عن مشاكل الإنتاج وتطوراته. فقد
توصّل مثلاً ثلاثة من علماء الاقتصاد السياسي، في وقت واحد إلى (النظرية

 

الحدّية) في تفسير القيمة، وهم(جيفونز) الانجليزي سنة(1871)
و(فالراس) السويسري سنة(1874)، و(كارل منجر) النمساوي سنة
(1871). ومن الواضح أن النظرية الحدّية، ليست إلا تفسيراً نظرياً معيّناً
لظاهرة اقتصادية قديمة، في حياة المجتمع الإنساني، وهي القيمة التبادلية.
فلا علاقة للمحتوى العلمي للنظرية، بمشاكل الإنتاج أو تطور القوى
الطبيعية المنتجة، ولم تستمد دليلها من هذا التطور.

فما هو تفسير وصول ثلاثة من أقطاب الاقتصاد، في وقت واحد تقريباً
إلى وجهة نظر معينة، في تفسير القيمة، سوى أنهم كانوا متقاربين في
شروطهم الفكرية، وقدرتهم التحليلية؟!.

د_ وأما تبعية العلوم الطبيعية لتطور القوى المنتجة، بوصفه المصدر
الذي يموّن العلم بأدوات البحث الضرورية له، فهي في الواقع علاقة مقلوبة،
ذلك أن العلوم الطبيعية، وإن كانت تنمو وتتكامل طبقاً لما تظفر به من
أدوات للتجربة والاختبار، من مراقب ومجاهر وآلات تسجيل، وما إليها..
ولكن هذه الأدوات نفسها، ليست إلا نتاجاً للعلم، يقدمه العلم بين يدي
العلماء، ليتيح لهم استخدامه في الوصول إلى مزيد من النظريات، واستكشاف
الأسرار المجهولة. فاختراع المجهر في القرن السابع عشر، كان ثورة في
وسائل الإنتاج، لأنه استطاع أن يزيح الستار عن دنيا مجهولة، لم يكن قد
اطّلع عليها الإنسان قط، ولكن ما هو المجهر؟. إنه نفسه ليس إلا نتاجاً
للعلم، ولاكتشاف قوانين الضوء، وكيفية انعكاسه على العدسات.

ويجب أن نعرف بهذا الصدد، أن قصة العلم لا تتمثل كلها في الأدوات
فما أكثر الحقائق التي كانت أدوات اكتشافها جاهزة، ولكنها ظلت مستورة
عن عين الإنسان، حتى بلغ التفاعل والتكامل في الفكر العلمي إلى درجة
سمحت له باكتشاف الحقيقة، وصوغها في مفهوم علمي خاص. ويمكننا
أن نقدّم مثلاً بسيطاً على ذلك، من فكرة الضغط الجوي، هذه الفكرة التي

 

تعتبر من الفتوح الكبرى للعلم، في القرن السابع عشر. فهل تدري كيف
سجل العلم هذا الفتح العظيم؟. إنه سجله في فكرة طرأت على ذهن
(تورتشيلي)، إذ لاحظ أن المضخة لا تستطيع أن ترفع الماء إلى أكثر من
(34) قدماً. وقد سبقه إلى هذه الملاحظة آلاف من رجال الأعمال،
خلال قرون، كما سبقه إليها بوجه خاص العالم الكبير(جاليلو)، ولكن
الشيء العظيم الذي قدّر(لتروتشيلي)، أن يقدمه إلى العلم، هو تفسير
الظاهرة، التي كانت معروفة منذ قرون. فقد قال أن الحد الذي ترفع
المضخة إليه الماء، فلا تزيد عنه(34قدماً)، قد يكون هو مقياس ما للجو
من ضغط، وإذا كان الضغط الجوي قادراً على حمل عمود من الماء طوله
(34قدماً). فهو لابد حامل عموداً من الزئبق أقصر من العمود المائي
لأن الزئبق أثقل من الماء، وسرعان ما تأكد من صحة هذه النتيجة، وأقام
عن طريقها الدليل العلمي على وجود الضغط الجوي، الأمر الذي قام على
أساسه عدد عظيم من الكشوف والاختراعات.

فمن حقنا أن نقف عند هذا الكشف العلمي، بوصفه حادثاً تاريخياً،
لنتساءل: لماذا وجد هذا الحدث العلمي في فترة معينة، من القرن السابع
عشر، ولم يتحقق قبل ذلك؟! أفلم تكن هناك حاجة للإنسان قبل هذا،
إلى الاستفادة من قوى الضغط وتخسيره، في قضاء مختلف الحاجات؟!،
أو لم تكن الظاهرة التي وضع (تورتشيلي) نظريته في ضوئها، معروفة
خلال قرون، منذ بدء استعمال المضخات المائية؟!، أو لم تكن التجربة
التي قام بها لإثبات النظرية علمياً، ميسورة لغيره ممن التفت إلى الظاهرة،
ولم يحاول أن يفسرها؟!.

ونحن إذا لم نؤمن للحركة العلمية بأصالتها وتطورها، وفقاً لتراكم
الأفكار وتفاعلها، وشروطها السيكولوجية والفكرية الخاصة فسوف لن
يجد هذا الكشف العلمي، ولا العلم بوجه عام، تفسيره الكامل في قوى
الإنتاج والأوضاع الاقتصادية.

 

ولن نتكلم الآن عن الأفكار الاجتماعية، وعلاقتها، بالعامل الاقتصادي
لأن لمعالجة هذه النقطة موضعها في بحث مقبل من هذا الكتاب.

 

3_ الطبقية الماركسية

ومن النقاط الجوهرية في الماركسية مفهومها الخاص عن الطبقية الذي
كوّنته، وفقاً لطريقتها العامة في دمج الدراسة الاجتماعية الاقتصادية،
والنظر دائماً إلى المدلولات الاجتماعية ضمن الإطار الاقتصادي، فهي
ترى أن الطبقات بوصفها ظاهرة اجتماعية، ليست إلا تعبيراً ذا طابع
اجتماعي عن القيم الاقتصادية السائدة في المجتمع، من الربح والفائدة والأجر
وألوان الاستثمار، وتؤكد لأجل هذا، أن الأساس الواقعي للتركيب
الطبقي، ولظهور أي طبقة في المجتمع، هو العامل الاقتصادي، لأن
انقسام الناس إلى فئة تملك كل وسائل الإنتاج، وفئة لا تملك منها شيئاً،
هو السبب التاريخي لوجود الطبقات في المجتمع، بأشكالها المتنوعة تبعاً
لنوعية الاستغلال الذي تفرضه الطبقة الحاكمة على الطبقة المحكومة، من
عبودية أو قنانة أو استخدام بالأجرة.

والحقيقة أن الماركسية حين أعطت الطبقة مفهوماً اقتصادياً يتمثل في
ملكية وسائل الإنتاج أو انعدام هذه الملكية، كان من الطبيعي لها أن تؤمن
بقيام التركيب الطبقي في المجتمع، على أساس اقتصادي، ما دامت قد
أدرجت ذلك في مفهومها عن الطبقية بالذات.

ولعل هذه النقطة هي أوضح مثال من بين النقاط التحليلية في الماركسية،
لما حرصت عليه الماركسية، وأدته ببراعة من تفسير المدلولات الاجتماعية
كلها، تفسيراً اقتصادياً وتطعيمها بقيمها الاقتصادية الخاصة.

غير أن هذا البراعة في التحليل، من الناحية النظرية، كلفت الماركسية

اقتصـادنا_9

 

اقتصـادنا_9

 

اقتصـادنا_9

 

اقتصـادنا_9

 

 

 

الابتعاد عن المنطق الواقعي للتاريخ، وعن طبيعة الأشياء_ لا كما تبدو
وتتعاقب في ذهن العلماء الماركسيين_ بل كما تبدو في الواقع، لأن التحليل
الماركسي يفترض أن الواقع الاقتصادي_ ملكية وسائل الإنتاج، وعدم
ملكيتها_ هو الأساس الواقعي والتاريخي للتركيب الطبقي، وانقسام المجتمع
إلى طبقة حاكمة_لأنها تملك_ وطبقة محكومة_ لأنها لا تملك مع أن
الواقع التاريخي ومنطق الأحداث يبرهن في أكثر الأحايين على العكس،
ويوضح أن أوضاع الطبقات، هي السبب في الأوضاع الاقتصادية التي
تتميز بها تلك الطبقات، فالوضع الاقتصادي للطبقة يتحدد وفقاً لكيانها
الطبقي، وليس كيانها الطبقي نتيجة لوضعها الاقتصادي.

وأكبر الظن، أن الماركسية حين قررت أن التركيب الطبقي قائم على
أساس اقتصادي، وأكدت على أن الطبقة نتيجة للملكية لم تدرك النتيجة التي
تترتب على ذلك منطقياً، وهي أن النشاط في ميادين الأعمال، هو الأسلوب
الوحيد إلى كسب المقام الاجتماعي، وتكوين طبقة رفيعة في المجتمع،
لأن التكوين الطبقي للطبقة الرفيعة الحاكمة، في المجتمع إذا كان نتاجاً
للملكية_الوضع الاقتصادي_ فلا بد لها من إيجاد هذه الملكية، إلا
النشاط في ميادين العمل. وقد تكون هذه أغرب نتيجة، يتمخض عنها
التحليل الماركسي لبعدها عن الواقع، وإلا فمتى كان النشاط في ميادين
العمل، هو الطريق الأساسي لتكوين الطبقة الحاكمة في المجتمع. وإن
كانت هذه النتيجة_ التي تترتب منطقياً على التحليل الماركسي_ تنطبق على
ظرف تاريخي، فإنما تنطبق فقط على المجتمع الرأسمالي في ظرف تكوّنه
وتكامله، إذ يمكن لأحد أن يقول أن الطبقة الرأسمالية، قد بنت كيانها
الطبقي عن طريق الملكية التي حصلت عليها بالنشاط الدائب في ميادين العمل
والإنتاج وأما في الظروف التاريخية الأخرى، فلم يكن النشاط العملي،

 

هو الأساس لتكوّن الطبقات، ولا الدعامة الرئيسية للطبقة الحاكمة في كل
العصور، بل على العكس كانت حالة الملكية تظهر على الأكثر بوصفها
نتيجة للوضع الطبقي، وليست أساساً له.

وإلا فكيف نفسر الحدود الفاصلة التي كانت توضع في المجتمع الروماني
بين طبقة الأشراف، ومجموع العامة بما فيهم طبقة رجال الأعمال الذين
كانوا يدانون الأشراف في ثرواتهم، ويتمتعون بملكيات لا تقل عن ملكيات
أولئك الأشراف بالرغم من التفاوت الكبير بين مقامهما الاجتماعي، ومن
السلطات السياسية الخاصة التي كان الأشراف يمتازون بها على رجال الأعمال
وغيرهم من الفئات.

وكيف نفسر وجود طبقة(الساموراي) ذات النفوذ الكبير في المجتمع
الياباني القديم التي كانت تأتي في السلم الاجتماعي بعد أمراء الاقطاع
مباشرة، وترتكز في تكوينها الطبقي على خبرتها الخاصة بحمل السيف،
وفنون الفروسية وأساليبها، وليس على الملكية وقيمها الاقتصادية.

وكيف نفسر قيام التنظيم الطبقي في المجتمع الهندي، قبل التاريخ
الحديث بألفي سنة على يد الفاتحين، من الآريين الفيديين الذين غزوا الهند،
وسيطروا عليها، وأقاموا فيها تنظيماً طبقياً على أساس اللون والدم، ثم
تطور التكوين الطبقي، فانقسمت الطبقة الفاتحة الحاكمة إلى طبقة(الكشاترية)
المتميزة بكفاءتها العسكرية وبراعتها في القتال وطبقة(البراهمة)، القائمة
على أساس ديني، وظلت الفئات الأخرى كلها محكومة لهاتين الطبقتين،
بما فيها التجار والصناع الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج. واحتلت القبائل
الوطنية التي ظلت متمسكة بدينها أدنى الدرجات في السلم الاجتماعي،
وتكونت منها طبقة المنبوذين. فلم يكن للملكية أثر في هذا التكوين الطبقي،
الذي ظل يمارس وظيفته الاجتماعية مئات السنين في القارة الهندية قائماً على
أسس عسكرية ودينية وعنصرية، ولم يشفع للتجار والصناع ملكيتهم،

لوسائل الإنتاج كي يرتقوا إلى مصاف الطبقات الحاكمة، أو ينافسوها في
سلطانها السياسي والديني.

وأخيراً كيف نفسر قيام الطبقة الإقطاعية في أوروبا الغربية نتيجة للفتح
الجرماني، إذا لم نفسره تفسيراً عسكرياً وسياسياً، فإننا جميعاً نعلم_ وحتى
انجلز نفسه فقد كان يعترف أيضاً_ بأن القواد الفاتحين الذين تكونت منهم
تلك الطبقة لم يكن مقامهم الاجتماعي ناتجاً عن الملكية الإقطاعية وإنما تكونت ملكيتهم الإقطاعية هذه تبعاً لدرجتهم الاجتماعية، وامتيازاتهم العسكرية
والسياسية الخاصة، بوصفهم غزاة فاتحين دخلوا أرضاً واسعة، وتقاسموها
فكانت الملكية أثراً، ولم تكن هي العامل المؤثر.

وهكذا نجد عناصر غير ماركسية، وتنتهي إلى نتائج غير ماركسية
لدى تحليل كثير من التركيبات الطبقية في المجتمعات البشرية المختلفة.

وقد تحاول الماركسية بهذا الصدد الدفاع عن مفهومها في الطبقية عن
طريق القول بالعلاقة المتبادلة بين العامل الاقتصادي وشتى العوامل الاجتماعية
الأخرى الأمر الذي يجعله يتأثر بها، ويتكيف وفقاً لها، كما يؤثر فيها
ويساهم في تكوينها.

غير أن هذا المحاولة وحدها تكفي لنسف المادية التاريخية، والقضاء على
مجدها العلمي الشامخ في دنيا الماركسية، لأنها لا تختلف عندئذ عن التفاسير
الأخرى للتاريخ، إلا في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي نسبياً مع
الاعتراف بالعوامل الأخرى الأصيلة التي تساهم في صنع التاريخ.

وإذا كانت الماركسية على خطأ في تعليل الطبقية بالوضع الاقتصادي
وحده عرفنا من ذلك خطأها أيضاً في إعطاء الطبقة مفهوماً اقتصادياً خالصاً،
لأن الطبقة إذا لم تكن قائمة دائماً على أساس اقتصادي في تركيبها الاجتماعي
فليس من الصحيح إذن أن نعتبر الطبقية مجرد تعبير عن قيمة اقتصادية معيّنة

كما زعمت الماركسية ذلك، الأمر الذي جعلها تصل إلى نتائج غريبة مشابهة
لما أدت إليه نظرتها في تعليل الطبقية وتبريرها من نتائج، فقد رأينا أن
الماركسية حين آمنت بأن الطبقة إنما تتكون وفقاً للشروط الاقتصادية،
والحالة الملكية، كلفها ذلك القول بأن النشاط في ميادين العمل هو الطريق
الوحيد إلى  السمو الاجتماعي، وكذلك يمكننا أن نلاحظ الآن أننا إذا أعطينا
الطبقة مفهومها الماركسي، وبالأحرى مفهومها الاقتصادي المبحث القائل
بأن الجماعة التي تعيش على عملها طبقة واحدة، والجماعة التي تعيش على
استثمار وسائل الإنتاج التي تملكها طبقة أخرى، ولم ندخل في مفهوم الطبقة
أي اعتبار آخر سوى هذه القيم الاقتصادية كما تصر الماركسية على ذلك،
لكان معنى هذا أننا أدرجنا كبار الأطباء والمهندسين، ومدراء المؤسسات
التجارية والشركات الكبرى، في نفس الطبقة التي تضم عمال المناجم
وأجراء الزراعة والصناعة، لأنهم جميعاً يعيشون على الأجور، بينما يلزمنا
أن نضع حداً طبقياً فاصلاً بين هؤلاء الأجراء وبين مالكي وسائل الإنتاج
مهما كانت أجور أولئك ومهما كانت نوعية الوسائل المنتجة المتوفرة عند
هؤلاء. وحيث أن الصراع بين الطبقات ضريبة ماركسية لا محيد للطبقات
عن القيام بها فسوف ينتهي بنا ذلك إلى تصور أن صغر مالكي الوسائل
المنتجة سوف يقفون في صراعهم الطبقي إلى صف الطبقة المستثمرة من
المالكين بينما يقف كبار الأجراء من المهندسين والأطباء الأخصائيين إلى
صف الكادحين المستثمرين وهكذا ينقلب مدير المؤسسة التجارية الكبرى
عاملاً كادحاً يخوض المعركة ضد المالكين المستثمرين نتيجة لدمج الحقائق
الاجتماعية بالقيم الاقتصادية واتخاذ الجهاز الاقتصادي في توزيع الدخل أساساً
للطبقات الاجتماعية.

ونستنتج من دراستنا هذه للتحليل الماركسي للطبقة نتيجتين خطيرتين:

إحداهما: أن من الممكن قيام الطبقات في المجتمع حتى ولو انعدمت

 

 
 

اقتصـادنا_10

 


فيه الملكية الخاصة بصورة قانونية لأن حالة الملكية_ كما عرفنا_ ليست
هي الأساس الوحيد للتكوين الطبقي، وهذه هي النتيجة التي كانت الماركسية
تخاشاها حين أكدت على حالة الملكية، بوصفها السبب الوحيد لوجود الطبقات
كي تبرهن عن هذا الطريق على ضرورة زوال الطبقية واستحالة وجودها
في المجتمع الاشتراكي الذي تلغي فيه الملكية الخاصة. وما دمنا قد تبينّا أن
الملكية الخاصة بصيغتها القانونية ليست هي العامل الوحيد في وجود المجتمع
الطبقي فمن الطبيعي أن ينهار هذا البرهان، ويصبح من الممكن أن توجد
الطبقية. بشكل من الأشكال في المجتمع الاشتراكي بالذات، كما وجدت
في غيره من المجتمعات. وهذا ما سندرسه إن شاء الله باستيعاب أكثر
عند نقد المرحلة الاشتراكية من مراحل المادية التاريخية.

 

والنتيجة الأخرى هي: أن الصراع في المجتمع_ حيث يوجد_ لا يجب
أن يعكس القيم الاقتصادية التي يقررها جهاز التوزيع في المجتمع فليست
نوعية الدخل الناحية الاقتصادية_ ككون الدخل أجراً أو ربحاً_ هي التي
تفرض الصراع ولا جبهات الصراع مقسمة على أساس تلك الدخول والقيم الاقتصادية.

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00