0021655423074

النظرية بما هي عامّة

بعد أن درسنا المادية التاريخية، في ضوء القواعد الفكرية الماركسية، من
المادية الفلسفية، والديالكتيك، والمادية التاريخية نفسها، أو بتعبير آخر
طريقة المادية التاريخية في تفسر المعرفة. وحددنا صلتها بتلك القواعد. بعد أن
درسنا ذلك كله، حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية من دراسة المادية
التاريخية. وذلك أن نتناولها بما هي نظرية عامة، تستوعب بتفسيرها حياة
الإنسان، وتاريخه الاجتماعي كله. وندرسها بصفتها العامة هذه. بقطع النظر
عن تفاصيلها، وخصائص كل مرحلة من مراحلها.

وحين نتناولها بهذا الوصف، نجد بين يدي البحث عدة أسئلة، تنتظر
الجواب عليها:

فأولاً: ما هو نوع الدليل، الذي يمكن تقديمه لإثبات الفكرة الأساسية،
في المادية التاريخية وهي: أن، الواقع الموضوعي لقوى الإنتاج، هو القوة
الرئيسية للتاريخ، والعامل الأساسي في حياة الإنسان؟

وثانياً: هل يوجد مقياس أعلى، توزن به النظريات العلمية؟. وما هو
موقف هذا المقياس من النظرية الماركسية عن التاريخ؟

 

وثالثاً: هل استطاعت المادية التاريخية حقاً أن تملأ بتفسيرها الافتراضي،
كل الشواغر في التاريخ الإنساني، أو بقيت عدة جوانب عامة من الحياة
الإنسانية، خارج حدود التفسير المادي للتاريخ؟

وسوف ندير البحث، حول الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة. حتى إذا
انتهينا من ذلك، انتقلنا إلى المرحلة الثالثة، من درس المادية التاريخية، درس
تفاصيلها ومراحلها المتعاقبة.

 

أولاً: ما هو نوع الدليل على المادية التاريخية؟

ولكي تتاح لنا معرفة الأساليب، التي تستعملها الماركسية، للتدليل على
مفهومها المادي للتاريخ، يجب استيعاب مجموعة ضخمة، من أفكار المادية
التاريخية وكتبها لأن الأساليب معروضة بشكل متقطع، وموزع في مجموع
كتابات الماركسية.

ويمكننا تلخيص الأدلة التي تستند إليها المادية التاريخية، في أمور ثلاثة:

( أ ) الدليل الفلسفي.

( ب ) الدليل السيكولوجي

( جـ ) الدليل العلمي.

أ_ الدليل الفلسفي:

أما الدليل الفلسفي_ ونعني به: الدليل الذي يعتمد على التحليل
الفلسفي للمشكلة، وليس على التجارب والملاحظة المأخوذة عن مختلف
عصور التاريخ_ فهو: أن خضوع الأحداث التاريخية لمبدأ العلية، الذي
يحكم العالم بصورة عامة، يرغمنا على التساؤل عن سبب التطورات التاريخية،
التي تعبر عنها أحداث التاريخ المتعاقبة، وتياراته الاجتماعية، والفكرية

 

والسياسية المختلفة. فمن الملاحظ بكل سهولة، أن المجتمع الأوروبي الحديث
مثلاً يختلف في محتواه الاجتماعي وظواهره المتنوعة، عن المجتمعات
الأوروبية قبل عشرة قرون. فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي
الشامل سببه، وأن نفسر كل تغير في الوجود الاجتماعي، في ضوء الأسباب
الأصيلة، التي تصنع هذا الوجود وتغيره، كما يدرس العالم الطبيعي، في
الحقل الفيزيائي، كل ظاهرة طبيعية، في ضوء أسبابها، ويفسرها بعلتها
لأن المجالات الكونية كلها_ الطبيعية والإنسانية_ خاضعة لمبدأ العلية.فما هو
السبب_ إذن_ لكل التغييرات الاجتماعية، التي تبدو على مسرح التاريخ؟.
قد يجاب على هذا السؤال: بأن السبب هو الفكر أو الرأي السائد في
المجتمع. فالمجتمع الأوروبي الحديث، يختلف عن المجتمع الأوروبي_
القديم، تبعاً لنوعية الأفكار والآراء الاجتماعية العامة، السائدة في كل من
المجتمعين.

ولكن هل يمكن أن نقف عند هذا في تفسير التاريخ والمجتمع؟.

إننا إذا تقدمنا خطوة إلى الأمام، في تحليلنا التاريخي، نجد أنفسنا مرغمين
على التساؤل: عما إذا كانت آراء البشر وأفكارهم خاضعة لمجرد المصادفة.
ومن الطبيعي أن يكون الجواب على هذا السؤال_ في ضوء مبدأ العلية_
سلبياً. فليست آراء البشر وأفكارهم، خاضعة للمصادفة، كما أنها ليست
فطرية، تولد مع الناس، وتموت بموتهم. وإنما هي آراء وأفكار مكتسبة،
تحدث وتتغير وتخضع، في نشوئها وتطورها لأسباب خاصة فلا يمكن
_ إذن_ اعتبارها السبب النهائي، للأحداث التاريخية والاجتماعية، ما دامت
هي بدورها أحداثاً خاضعة لأسباب وقوانين محددة. بل يجب أن نفتش عن
العوامل المؤثرة، في نشوء الآراء والأفكار وتطورها. فلماذا_ مثلاً_ ظهر
القول بالحرية السياسية في العصر الحديث، ولم يوجد في قرون أوروبا
الوسطى وكيف شاعت الآراء التي تعارض الملكية الخاصة، في المرحلة التاريخية
الحاضرة، دون المراحل السابقة؟

 

وهنا قد نفسر، بل من الضروري أن نفسر نشوء الآراء وتطورها، عن
طريق الأوضاع الاجتماعية. بصورة عامة، أو بعض تلك الأوضاع
_ كالوضع الاقتصادي_ بوجه خاص. ولكن هذا لا يعني أننا تقدمنا في حل
المشكلة الفلسفية شيئاً. لأننا لم نصنع أكثر من أننا فسرنا تكون الآراء وتطورها
تبعاً لتكون الأوضاع الاجتماعية وتطورها. ولذلك انتهينا إلى النقطة التي
ابتدأنا بها، انتهينا إلى الأوضاع الاجتماعية، التي كنا نريد منذ البدء أن
نفسرها، ونستكشف أسبابها. فإذا كانت الآراء وليدة الأوضاع الاجتماعية،
فما هي الأسباب التي تنشأ عنها الأوضاع الاجتماعية، وتتطور طبقاً لها؟
وبكلمة أخرى ما وهو السبب الأصيل للمجتمع والتاريخ؟

وليس أمامنا_ في هذا الحال_ لاستكشاف أسباب الوضع الاجتماعي
وتفسيره إلا أحد سبيلين:

الأول: أن نرجع إلى الوراء خطوة، فنكرر الرأي السابق، القائل
بتفسير الأوضاع الاجتماعية بمختلف ألوانها السياسية والاقتصادية وغيرها
بالأفكار والآراء. ونكون حينئذ قد درنا في حلقة مفرغة. لأننا قلنا أولاً:
أن الآراء والأفكار وليدة الأوضاع الاجتماعية. فإذا عدنا لنقول: أن هذه
الأوضاع نتيجة للأفكار والآراء، رسمنا بذلك خطاً دائرياً، ورجعنا من
حيث أردنا أن نتقدم.

وهذا السبيل هو الذي سار فيه المفسرون المثاليون للتاريخ جميعاً. قال
بليخانوف:

((وجد هيجل نفسه، في ذات الحلقة المفرغة، التي وقع فيها علماء الاجتماع، والمؤرخون الفرنسيون. فهم يفسرون الوضع الاجتماعي، بحالة الأفكار وحالة الأفكار بالوضع الاجتماعي... وما دامت هذه المسألة بلا حل،

 

كان العلم لا ينفك عن الدوران في حلقة مفرغة، بإعلانه:
أن (ب) سبب (أ)، مع تعيينه(أ) كسبب
(ب)([10])
)).

والسبيل الآخر_ سبيل الماركسية_: أن نواصل تقدمنا في التفسير
والتعليل، وفقاً لمبدأ العلية. ونتخطى أفكار الإنسان وآرائه، وعلاقاته
الاجتماعية بمختلف أشكالها، نتخطاها لأنها كلها ظواهر اجتماعية، تحدث
وتتطور، فهي بحاجة إلى تعليل وتفسير. ولا يبقى علينا في هذه اللحظة
الحاسمة، من تسلسل البحث، إلا أن نفتش عن سر التاريخ، خارج نطاق
الطبيعة التي يمارسها الإنسان منذ أقدم العصور. أن قوى الإنتاج هذه، هي
وحدها التي يمكّنا أن تجيب على السؤال، الذي كنا نعالجه: لماذا وكيف
حدثت الأحداث التاريخية، وتطورت وفقاً للضرورة الفلسفية، القائلة: بأن
الأحداث لا تخضع للمصادفة، وإن لكل حادثة سببها الخاص (مبدأ العلية)؟.

وهكذا لا يمكن للتفسير التاريخي، أن ينجو من الحركة الدائرية العقيمة
في مجال البحث، إلا إذا وضع يده على وسائل الإنتاج، كسبب أعلى للتاريخ
والمجتمع.

هذا هو الدليل الفلسفي. وقد حرصنا على عرضه بأفضل صورة ممكنة،
ويعد أهم كتاب استهدف بمجموعة بحوثه كلها، التركيز على هذا اللون
من الاستدلال: (فلسفة التاريخ)، للكاتب الماركسي الكبير بليخانوف وقد
لخصنا الدليل الآنف الذكر من مجموعة بحوثه.

والآن بعد أن أدركنا، الدليل الفلسفي للنظرية، بشكل جيد، أصبح
من الضروري تحليل هذا الدليل ودرسه، في حدود الضرورة الفلسفية،
القائلة: أن الأحداث لا تنشأ صدفة(مبدأ العلية).

 

فهل هذا الدليل الفلسفي صحيح؟. هل صحيح أن التفسير الوحيد
الذي تنحل له المشكلة الفلسفية للتاريخ هو تفسيره بوسائل الإنتاج؟.

ولكي نمهد للجواب على هذا السؤال، نتناول نقطة واحدة بالتحليل،
تتصل بوسائل الإنتاج، التي اعتبرتها الماركسية السبب الأصيل للتاريخ.
وهذه النقطة هي: أن وسائل الإنتاج ليست جامدة ثابتة، بل هي بدورها
أيضاً تتغير وتتطور على مر الزمن، كما تتغير أفكار الإنسان وأوضاعه الاجتماعية، فتموت وسيلة إنتاج، وتولد وسيلة أخرى. فمن حقنا أن نتساءل: عن
السبب الأعمق الذي يطور القوى المنتجة، ويكمن وراء تاريخها الطويل،
كما تساءلنا عن الأسباب والعوامل التي تصنع الأفكار، أو تصنع الأوضاع
الاجتماعية.

ونحن حين فتقدم بهذا السؤال إلى بليخانوف_ صاحب الدليل الفلسفي_
وأضرابه. من كبار الماركسيين، لا ننتظر منهم الاعتراف بوجود سبب
أعمق للتاريخ، وراء القوى المنتجة لأن ذلك يناقض الفكرة الأساسية، في
المادية التاريخية، القائلة بأن وسائل الإنتاج هي المرجع الأعلى في دنيا
التاريخ. ولهذا فإن هؤلاء حين يجيبون على سؤالنا، يحاولون أن يفسروا
تاريخ القوى المنتجة وتطورها بالقوى المنتجة ذاتها، قائلين: إن قوى
الإنتاج، هي التي تطور نفسها، فيتطور تبعاً لها المجتمع كله. ولكن كيف
يتم ذلك؟. وما هو السبيل الذي تنهجه القوى المنتجة لتطوير نفسها؟. إن
جواب الماركسية على هذا السؤال جاهز أيضاً، فهي تقول في تفسير ذلك:
إن القوى المنتجة_ خلال ممارسة الإنسان لها_ تولّد وتنمي، في ذهنه
باستمرار، الأفكار والمعارف التأملية([11]). فالأفكار التأملية، والمعارف
العلمية، تنتج كلها عن التجربة، خلال ممارسة الإنسان لقوى الطبيعة
المنتجة، وحين يكسب الإنسان تلك الأفكار والمعارف، عن طريق
ممارسة القوى الطبيعية المنتجة، تصبح هذه الأفكار التأملية والمعارف
العلمية، قوى يستعين بها الإنسان على إيجاد وسائل إنتاج، وتجديد القوى
المنتجة، وتطويرها باستمرار.

ومعنى هذا: أن تاريخ تطور القوى المنتجة، تم وفقاً للتطور العلمي
والتأملي، ونشأ عنه. والتطور العلمي بدوره، نشأ عن تلك القوى خلال
تجربتها. وبهذا استطاعت الماركسية، أن تضمن لوسائل الإنتاج، موقعها
الرئيسي من التاريخ وتفسر تطورها عن طريق الأفكار التأملية، والمعارف
العلمية المتزايدة، الناشئة بدورها عن قوى الإنتاج، دون أن تعترف بسبب
أعلى من وسائل الإنتاج.

وقد أكد انجلز على إمكان هذا اللون من التفسير_ تفسير كل من قوى
الإنتاج والأفكار التأملية في تطورهما بالآخر_ ونوّه: بأن الديالكتيك لا يقر
تصور العلة والمعلول بوصفهما قطبين متعارضين، تعارضاً حاداً، كما اعتاد
غير الديالكتيكيين إدراكهما كذلك. فهم يرون دائماً العلة هنا، والمعلول
هناك وإنما يفهم الديالكتيك العلة والمعلول، على شكل فعل ورد فعل للقوى.

 

هذه هي النقطة التي أوضحناها تمهيداً لتحليل الدليل الفلسفي ونقده كي
نقول: إذا كان هذا ممكناً من الناحية الفلسفية، وجاز أن يسير التفسير في
حلقة دائرية_ كما صنعت الماركسية بالنسبة إلى القوى المنتجة وتطورها_ فلماذا
لا يمكن فلسفياً، أن نصطنع نفس الأسلوب، في تفسير الوضع الاجتماعي؟!
فنقرر: أن الوضع الاجتماعي_ في الحقيقة_ عبارة عن التجربة الاجتماعية،
التي يخوضها الإنسان خلال علاقاته بالأفراد الآخرين، كما يخوض تجربته
الطبيعية، مع القوى المنتجة، خلال عمليات الإنتاج. فكما أن الأفكار التأملية
للإنسان، تنمو وتتكامل في ظل التجربة الطبيعية ثم تؤثر بدورها في تطوير
التجربة وتجديد وسائلها كذلك الأفكار العملية للمجتمع، تنمو وتتطور
في ظل التجربة الاجتماعية وتؤثر في تطويرها وتجديدها.

فوعي الإنسان العلمي للكون، ينمو باستمرار من خلال التجربة
الطبيعية، وتنمو بسببه التجربة الطبيعية وقواها المنتجة نفسها. وكذلك وعي
الإنسان العملي، للعلاقات الاجتماعية. ينمو باستمرار من خلال التجربة
الاجتماعية، وتتطور بسببه التجربة الاجتماعية نفسها، وعلاقاتها السائدة.

وعلى هذا الأساس لا مانع من ناحية فلسفية يمنع الماركسية من أن تفسر
الوضع الاجتماعي، عن طريق الآراء العملية. ثم تفسر تغير الآراء وتطورها،
عن طريق التجربة الاجتماعية، المتمثلة في الأوضاع السياسية والاقتصادية
وغيرها... لأن هذا التفسير المتبادل للوضع الاجتماعي والوعي العملي نظير
تفسير الماركسية_ تماماً_ لكل من تاريخ القوى المنتجة والوعي العلمي، بالآخر.

والسؤال بعد هذا كله، لماذا يجب أن ندخل وسائل الإنتاج، في حساب
التفسير التاريخي والاجتماعي؟! ولماذا لا يمكن أن نكتفي بهذا التفسير المتبادل،
للوضع الاجتماعي والأفكار، أحدهما بالآخر.

إن الضرورة الفلسفية، ومفاهيم العلة والمعلول، التي أكد عليها انجلز،

 

تسمح لنا بمثل هذا التفسير، فإن كانت توجد أسباب تمنع عن الأخذ به،
فإنما هي الملاحظات والتجارب التاريخية. وذلك ما سوف نتناوله في الدليل
العلمي.

ب_ الدليل السيكولوجي:

نقطة البدء في هذا الدليل، هي: محاولة التدليل على أن نشوء الفكر في
حياة الإنسانية، كان نتاجاً لظواهر وأوضاع اجتماعية معينة. وينتج عن ذلك
أن الكيان الاجتماعي، سبق في وجوده التاريخي، وجود الفكر، فلا يمكن
أن نفسر الظواهر الاجتماعية، في تكوينها الأول، ونشوئها، بعامل مثالي
_ كأفكار الإنسان- ما دامت هذه الأفكار لم تظهر في التاريخ، إلا بصورة
متأخرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معينة، في حياة الناس. وليس من اتجاه
علمي بعد ذلك، لتفسير المجتمع وتعليل ولادته، إلا الاتجاه المادي، الذي
يطرح العوامل الفكرية جانباً ويفسر المجتمع بالعامل المادي، بوسائل الإنتاج.

فالنقطة الرئيسية في هذا الدليل- إذن- أن نبرهن على أن الأفكار، لم
تحدث في عالم الإنسانية، إلا كنتيجة ظاهرة اجتماعية سابقة. لكي يستنتج
_ من ذلك_ أن المجتمع سابق تاريخياً على الفكر، وناشيء عن العوامل
المادية، وليس ناشئاً عن الأفكار والآراء.

أما كيف عالجت الماركسية هذه النقطة الرئيسية؟ وبرهنت عليها؟
فهذا ما يتضح في تأكيد الماركسية، على أن الأفكار وليدة اللغة، وليست
اللغة إلا ظاهرة اجتماعية. قال ستالين:

 ((يقال أن الأفكار تأتي في روح الإنسان، قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث. وأنها تولد دون أدوات اللغة،
أي دون إطار اللغة، أو بعبارة أخرى: تولد عارية.
إلا أن هذا خطأ تماماً مهما كانت الأفكار، التي تأتي في

 

روح الإنسان، فلا يمكن أن تولد وتوجد إلا على أساس أدوات اللغة، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية.
فليس هناك أفكار عارية متحررة، من أدوات اللغة،
أو متحررة من المادة الطبيعية التي هي اللغة. فاللغة هي
الواقع المباشر للفكر، ولا يمكن أن يتحدث عن فكر،
بدون لغة، إلا المثاليون وحدهم
))([12]).

وهكذا ربط ستالين، بين الفكر واللغة. واعتبر اللغة أساساً لوجود
الفكر. فلا يمكن الحديث عن أفكار عارية، دون أدوات اللغة.

وجاء بعد ذلك الكاتب الماركسي الكبير(جورج بولتزير)، ليبرهن
على هذه الحقيقة المزعومة، في ضوء بعض الاكتشافات السيكولوجية، أو
بالأحرى في ضوء الأساس الفيسولوجي لعلم النفس، الذي وضعه العالم
الشهير (بافلوف) مستخلصاً له من تجارب عديدة قام بها.

فقد كتب(بولتزير) معلقاً على كلام(ستالين) الآنف الذكر:

((ولقد لاقت مباديء المادية الجدلية هذه، تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية، بفضل الأبحاث الفسيولوجية،
التي قام بها العالم العظيم(بافلوف). فقد اكتشف
(بافلوف): أن العمليات الأساسية في النشاط ألمخي،
هي الأفعال المنعكسة الشرطية، التي تكون في ظروف محدودة، والتي تطلقها الاحساسات، سواء الخارجية
أو الداخلية وأثبت(بافلوف): إن هذه الاحساسات،

 

تقوم بدور الإشارات الموجهة، بالنسبة لكل نشاط
الكائن العضوي الحي. وقد اكتشف من ناحية أخرى: 
أن الكلمات_ بمضمونها و معناها_ يمكن أن تحل محل الاحساسات_ التي تحدثها الأشياء_ التي تدل عليها.
وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي نظاماً
ثانياً في العملية الاشارية، يتكون على أساس النظام
الأول، ويكون خاصاً بالإنسان وهكذا تعتبر اللغة،
هي شرط النشاط الراقي في الإنسان وشرط نشاطه الاجتماعي وركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس ألوقتي، وركيزة النظر العقلي. فهي التي تتيح للإنسان
أن يعكس الواقع، بأكبر درجة من الدقة. وبهذه الطريقة أثبت(بافلوف) أن ما يحدد_ أساساً_شعور الإنسان
ليس جهازه العضوي، وظروفه البيولوجية، بل يحدده_
على عكس ذلك_ المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان
))([13]).

ولنأخذ بشيء من التوضيح محاولة(بولتزير) هذه، التي استدل فيها
على رأي الماركسية، بأبحاث(بافلوف).

يرى(بولتزير)، أن من رأي(بافلوف) في العمليات الأساسية للمخ،
أنها كلها استجابات المنبهات وإشارات معينة. وهذه المنبهات والإشارات،
هي بالدرجة الأولى الإحساسات. ومن الواضح أن الاستجابة التي تحصل
عن طريق الإحساسات، ليست فكرة عقلية مجردة عن الشيء، لأنها لا
تحصل إلا لدى الإحساس بالشيء المعين. فهي لا تتيح للإنسان أن يفكر
في شيء غائب عنه. وبالدرجة الثانية يأتي دور اللغة، والأدوات اللفظية،

 

لتقوم بدور المنبهات والإشارات الثانوية. فيشرط كل لفظ بإحساس معين،
من تلك الاحساسات، فيصبح منبهاً شرطياً بالدرجة الثانية. ويتاح للإنسان
أن يفكر، عن طريق الاستجابات، التي تطلقها المنبهات اللغوية إلى ذهنه،
فاللغة_ إذن_ هي أساس الفكر. وحيث أن اللغة ليست إلا ظاهرة
اجتماعية، فالفكر ليس_على هذا_ إلا ظاهرة ثانوية للحياة الاجتماعية.

هذه هي الفكرة التي عرضها(بولتزير).

وبدورنا نتساءل: هل اللغة هي أساس الفكر حقاً، (فليس هناك
أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة)، على حد تعبير ستالين؟. ولأجل
التوضيح نطرح المسألة على الوجه التالي: هل أن اللغة هي التي خلقت من
الإنسان كائناً مفكراً، بصفتها ظاهرة اجتماعية معينة، كما يقرر بولتزير؟
أو أنها وجدت في حياة الإنسان المفكر، نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة
للتعبير عنها، وعرضها على الآخرين؟. ونحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير
الأول، الذي حاول(بولتزير) التأكيد عليه، حتى حين ننطلق في البحث
من تجارب(بافلوف)، والقاعدة التي وضعها عن المنبهات الطبيعية والشرطية.

*     *     *

ولكي نكون أكثر وضوحاً، يجب اعطاء فكرة مبسطة عن آراء
(بافلوف)، وطريقته في تفسير الفكر، تفكيراً فسيولوجياً: فإن هذا العالم
الشهير، استطاع أن يدلل بالتجربة، على أن شيئاً معيناً إذا ارتبط بمنبه طبيعي،
اكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويحدث نفس الاستجابة التي يحدثها
المنبه الطبيعي. فتقديم الطعام إلى الكلب مثلاُ_ منبه طبيعي، يحدث فيه
استجابة معينة: إذ يسيل لعابه، أول ما يرى الاناء الذي يحتوي على الطعام.
وقد لاحظ ذلك (بافلوف)، فأخذ يدق جرساً عند تقديم الطعام إلى الكلب.
و كرر هذا عدة مرأت. أخذ يدق الجرس من دون تقديم الطعام. فوجد
أن لعاب الكلب يسيل. واستنتج من هذه التجربة: أن دق الجرس أصبح

يحدث نفس الاستجابة، التي كان المنبه الطبيعي (تقديم الطعام) يحدثها،
ويؤدي نفس دوره، بسبب اقترانه واشتراطه به عدة مرات ولهذا أطلق
على دق الجرس أسم:(ألمنبه الشرطي) وسمي تحلب اللعاب وسيلانه،
الذي يحدث بسبب دق الجرس: (استجابة شرطية).

وعلى هذا الأساس حاول جماعة، أن يفسروا الفكر الإنساني كله،
تفسيراً فسيولوجياً، كما يفسر تحلب اللعاب عند الكلب تماماً. فأفكار الإنسان
كلها استجابات لمختلف أنواع المنبهات. وكما أن تقديم الطعام إلى الكلب،
منبه طبيعي، يستثير استجابة طبيعية وهي سيلان اللعاب، كذلك توجد بالنسبة
إلى الإنسان منبهات طبيعية، تطلق استجابات معينة، اعتدنا أن نعتبرها ألواناً
من الإدراك. وتلك المنبهات، التي تطلق هذه الاستجابات، هي الإحساسات
الداخلية والخارجية. وكما أن دق الجرس، اكتسب نفس الاستجابة، التي
يحدثها تقديم الطعام إلى الكلب، بالاقتران والاشتراط، كذلك توجد أشياء
كثيرة، اقترنت بتلك المنبهات الطبيعية للإنسان، فأصبحت منبهات شرطية
له ومن تلك المنبهات الشرطية: كل أدوات اللغة. فلفظة الماء_ مثلاً_
تطلق نفس الاستجابة، التي يطلقها الإحساس بالماء. بسبب اقترانها واشتراطها
به. فالإحساس بالماء، أو الماء المحسوس: منبه طبيعي، ولفظ.(الماء):
منبه شرطي، وكلاهما يطلقان في الذهن، استجابة من نوع خاص.

وقد افترض بافلوف لأجل ذلك نظامين أشاريين.

أحدهما: النظام الاشاري، الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية،
والمنبهات الشرطية، التي لا تتدخل فيها الألفاظ.

والآخر: النظام الاشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية،
بصفتها منبهات شرطية ثانوية: فهي منبهات ثانوية، أشرطت بمنبهات
النظام الاشاري الأول، واكتسبت بسبب ذلك، قدرتها على إثارة استجابات
شرطية معينة.

 

اقتصـادنا_6

 

                                                                              

 

والنتيجة التي تنتهي إليها آراء (بافلوف) هي: أن الإنسان لا يمكنه
أن يفكر بدون منبه، لأن الفكر ليس إلا استجابة من نوع خاص للمنبهات.
كما أنه لا يتاح له الفكر العقلي المجرد، إلا إذا وجدت بالنسبة إليه منبهات
شرطية، اكتسبت عن طريق اقترانها بالاحساسات، نفس الاستجابات التي
تطلقها تلك الأحاسيس. وأما إذا بقي الإنسان رهن إحساساته، فلا يستطيع
أن يفكر تفكيراً مجرداً، أي أن يفكر في شيء غائب عن حسه. فلكي يكون
الإنسان كائناً مفكراً، لا بد من أن توجد له منبهات، وراء نطاق الإحساسات
نطاق المنبهات الطبيعية.

*     *     *

ولنفترض أن هذا كله صحيح. فهل يعني ذلك أن اللغة هي أساس
وجود الفكر في الحياة الإنسانية؟. كلا فإن إشراط شيء معين بالمنبه الطبيعي،
لكي يكون منبهاً شرطياً، يحصل تارة، بصورة طبيعية. كما إذا اتفق أن
اقترنت رؤية الماء بصوت معين، أو بحالة نفسية معينة، مرات عديدة،
حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة، منبهاً شرطياً، يطلق نفس
الاستجابة التي كان يطلقها الإحساس بالماء. فالاشراط في هذه الحالات
إشراط طبيعي. ويحصل هذا الاشراط، تارة أخرى، نتيجة لقصد معين،
كما في سلوكنا مع الطفل، إذ نقدم له شيئاً كالحليب، ونكرر له إسمه،
حتى يربط بين الكلمة والشيء. ويصبح الاسم منبهاً شرطياً للطفل، نتيجة
للطريقة التي اتبعناها معه.

ولا شك في أن عدة من الأصوات والأحداث، قد اقترنت بمنبهات
طبيعية، عبر حياة الإنسان، وأشرطت بها إشراطاً طبيعياً. وأصبحت بذلك
تطلق استجابات معينة، في ذهن الإنسان. وأما أدوات اللغة_ على وجه
العموم_ وألفاظها، التي تم إشراطها خلال عملية اجتماعية، فهي إنما
أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان، إلى التعبير عن أفكاره ونقلها إلى الآخرين،

أي أنها وجدت في حياة الإنسان، لأنه كائن مفكر، يريد التعبير عن
أفكاره. إلا أن الإنسان أصبح كائناً مفكراً، بسبب أن اللغة وجدت في
حياته. وإلا فلماذا وجدت في حياته خاصة، ولم توجد في حياة سائر أنواع
الحيوان؟!. فاللغة ليست أساس الفكر، وإنما هي أسلوب خاص للتعبير
عنه، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور، حين وجد نفسه_ وهو يخوض
معركة الحياة، مع أفراد آخرين_ بحاجة ملحة إلى التعبير عن أفكاره،
وتفهم أفكار الآخرين، في سبيل تيسير العمليات التي يقومون بها،
وتحديد الموقف المشترك أمام الطبيعة، وضد القوى المعادية.

وإنما تعلم الإنسان أن يتخذ هذا الأسلوب_ أسلوب اللغة_ بالذات،
للتعبير عن أفكاره في ضوء ما تم بفعل الطبيعة، أو المصادفة، من إشراط
بعض الأصوات ببعض المنبهات الطبيعية، عن طريق اقترانها بها مراراً.
فقد استطاع الإنسان أن ينتفع بذلك، في نطاق أوسع، فوجدت اللغة في
حياته.

وهكذا نعرف، أن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنما نجمت عن
إحساس الإنسان، خلال العمل الاجتماعي المشترك، بالحاجة إلى ترجمة
أفكاره، والإعلان عنها، وليست هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكراً.

وعلى هذا الاساس، نستطيع أن نعرف: لماذا ظهرت اللغة في حياة
الإنسان، دون غيره من أنواع الحيوان، كما ألمحنا سابقاً؟. بل أن نعرف
أكثر من ذلك: لماذا وجد المجتمع الإنساني، ولم يوجد مجتمع كهذا، لأي
كائن حي آخر؟. فإن الإنسان، لما كان قادراً على التفكير، فقد أتيح له
وحده، أن يتخطى حدود الإحساس، فيغير من الواقع الذي يحسه، وبالتالي
يغير من إحساساته نفسها، تبعاً لتغيير الواقع المحسوس. ولم يتح هذا لأي
حيوان آخر، لا يملك قدرة على التفكير، لأنه لا يستطيع أن يدرك ويفكر

 

في شيء، سوى الواقع المحسوس، بأشكاله الخاصة، فلا يمكنه أن يغير
الواقع إلى شيء آخر.

وهكذا كان التفكير،هو الذي خص الإنسان بالقدرة، على تغيير
الواقع المحسوس، تغييراً حاسماً.

ولما كانت عملية تغيير الواقع هذه، تتطلب في كثير من الأحايين،
جهوداً متنوعة وكثيرة، فهي تتخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً، إذ يقوم
بها أفراد متعددون، وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتطلبها، وبذلك
توجد علاقة اجتماعية بينهم، لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها.
بين أفراد نوع آخر من الحيوان. لأن الحيوانات الأخرى، حيث أنها
ليست كائنات مفكرة، فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع
المحسوس، وبالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية، من ذلك اللون.

ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة، لتغيير الواقع المحسوس،
يصبحون بحاجة إلى لغة. لأن الإشارات الحسية إنما تعبر عن الواقع
المحسوس، ولا تستطيع أن تعبر عن فكرة تغييره، وعن الروابط الخاصة
بين الأشياء المحسوسة، التي يراد تعديلها أو تغييرها. فتوجد اللغة في حياة
الإنسان، إشباعاً لهذه الحاجة، وإنما وجدت في حياته وحده، لأن الحيوان
لم يشعر بمثل هذه الحاجة الإنسانية التي كانت وليدة العمل الاجتماعي،
القائم على أساس التفكير، لتغيير الواقع المحسوس، وإيجاد تعديلات
حاسمة فيه.

ﺟ _ الدليل العلمي:

يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوعة، في خط متدرج. فهو
يبدأ بوصفه فرضية، أي تفسيراً افتراضياً للواقع، الذي يعالجه العالم،

 

وحاول استكشاف أسراره وأسبابه. ولا يصل هذا التفسير الافتراضي،
إلى الدرجة العلمية، إلا إذا استطاع الدليل العلمي، أن يبرهن، وينفي
إمكان أي تفسير آخر، للظاهرة موضوعة البحث، عداه. فما لم يقم الدليل
على ذلك، لا يصل التفسير المفترض إلى درجة اليقين العلمي، ولا يوجد
مبرر لقبوله، دون سواه من الافتراضات والتفاسير. فمثلاً قد نجد شخصاً
معيناً، يلتزم في ساعة معينة، بالعبور من شارع خاص. وقد نفترض
لتفسير هذه الظاهرة: أن هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات، في كل
يوم، لأن له عملاً يومياً في معمل، يقع في منتهى الشارع. وهذا الافتراض
وإن كان يصلح لتفسير الواقع، غير أن ذلك لا يعني قبوله، ما دام من
الممكن أن نفسر سلوك هذا الشخص، في ضوء آخر: كما إذا افترضنا أنه
يزور صديقاً له، يسكن بيتاً في ذلك الشارع. أو يراجع طبيباً يقطن في
تلك المنطقة، ليستشيره في حالة مرضية. أو يقصد مدرسة معينة، تلقى
فيها المحاضرات بصورة رتيبة.

وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتاريخ (المادية التاريخية)، فإنه
لا يمكن _ حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التاريخي_ أن يكتسب
الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً، ويحصل
على دليل علمي، يدحض كل افتراض عداه، في تفسير التاريخ.

ولنأخذ تفسير المادية التاريخية للدولة مثالاً لذلك. فهي تفسر نشوء
الدولة ووجودها في حياة الإنسان، على أساس العامل الاقتصادي، والتناقض
الطبقي، فالمجتمع المتناقض طبقياً، يلتهب فيه الصراع، بين الطبقة القوية
المالكة لوسائل الإنتاج، والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً، فتقوم الطبقة
الغالبة، بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على
مركزها الرئيسي. وهذه الأداة السياسية هي الحكومة، بمختلف أشكالها
التاريخية.

 

وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة، لا يكتسب قيمة علمية
مؤكدة، إلا إذا أفلست كل التفاسير، التي يمكن أن يبرر بها نشوء الدولة
في المجتمع البشري، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي. وأما
إذا استطعنا، أن نفسر هذه الظاهرة الاجتماعية على أساس آخر،
ولم يدحض الدليل العلمي ذلك، فليس التفسير الماركسي عندئذ، إلا
افتراضاً من عدة افتراضات.

فلن يكون التفسير الماركسي، تفسيراً علمياً، إذا أمكن_ مثلاً_
أن نفسر نشوء الدولة، على أساس تعقيد الحياة المدنية. ونبرر بذلك قيام
الدولة في كثير من المجتمعات البشرية. ففي مصر القديمة_ مثلاً_ لم
تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة، بدون جهود معقدة جسمية، وعمل
واسع شامل، لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة، وتنظيم شؤون الري.
فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية، والإشراف على العمليات المعقدة،
التي تتوقف الحياة العامة عليها. ولأجل هذا نجد أن طائفة الاكليروس
المصريين، كانوا يتمتعون بمكانة عليا في جهاز الدولة المصرية القديمة،
لا على أساس طبقي، وإنما على أساس الدور الخطير، الذي لعبته معارفهم
العلمية، في نظام الزراعة المصرية. وكذلك أيضاُ نجد أن رجال الكنسية،
تمتعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية، عندما دخل الجرمان في
الدولة الرومانية، أفوجاً متبربرة تلو أفواج. إذ بدت الكنيسة_ على إثر
ما أدى إليه الغزو الجرماني، من انهيار التعليم والثقافة_ صاحبة الصدارة
الفكرية في البلاد، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي، هو
الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة، والتكلم باللاتينية. وهو الذي يفهم
دون غيره_ حساب الشهور، ويستطيع أن يمارس العمل الرتيب، لتصريف
شؤون الإدارة الحكومية، بينما انصرف ملوك الجرمان، والقادة العسكريون
منهم، إلى صيد الخنازير والإبل والغزال، وخوض معارك الغزو والتخريب.

 

فكان من الطبيعي، أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في
البلاد، ويكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم، الأمر الذي
جلب لهم من المغانم والمكاسب، ما جعلهم _ في رأي الماركسية_ طبقة
ذات مصالح اقتصادية معينة. فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية،
إنما حصلت عن طريق الوجود السياسي. وأما وجودهم السياسي في جهاز
الحكم، فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي، الذي اكتسبوه
بعد ذلك، وإنما قام على أساس امتيازاتهم الفكرية والإدارية.

ولن يكون التفسير الماركسي للدولة، تفسيراً علمياً، إذا أمكن أن
نفترض: أن للعقيدة الدينية، تأثيراً في تكوين كثير من الدول والسلطات
السياسية، التي كانت ترتكز على أساس ديني، وتتمثل في جماعات
لا تشترك في مصلحة طبقية، وإنما تشترك في طابع ديني واحد.

وكذلك إذا أمكن أن نفترض: أن نشوء الدولة في المجتمع الإنساني،
كان إشباعاً لنزعة أصيلة في النفس الإنسانية، التي تملك استعداداً كامناً
للميل إلى السيطرة والتفوق على الآخرين. فكانت الحكومة من وحي هذا
الميل، وتعبيراً عملياً عنه.

ولا أريد أن أستقصي كل الفرضيات، التي يمكن تفسير الدولة على
أساسها، وإنما أرمي من وراء هذا، على القول بأن تفسير الماركسية للدولة،
لا يمكن أن يكتسب طابعاً علمياً، ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك
الافتراضات، ويقدم الدليل من الواقع على زيفها.

وقد سقنا تفسير الماركسية للدولة، كنموذج لسائر مفاهيمها وفرضياتها
التاريخية، التي تفسر المجتمع الإنساني على أساسها. فإن جميع تلك
الفرضيات تتطلب من الماركسية_ لكي تصبح نظريات علمية جديرة
بالقبول_ أن تقدم الدليل على كذب كل فرضية سواها. ولا يكفي لقبولها
أن تكون فرضيات ممكنة صالحة للانطباق على الواقع وتفسيره.

 

فلنرى_ إذن_ ماذا يمكن للماركسية أن تقدمه من دليل علمي بهذا
الصدد؟. أن أول وأهم عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال، هي العقبة
التي تضعها في طريقها، طبيعة البحث التاريخي. ذلك أن البحث في المجال
التاريخي، (نشوء المجتمع، وتطوره، والعوامل الأساسية فيه). يختلف
عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية، التي يستخلصها العالم
الفيزيائي_ مثلاً_ من تجاربه العملية في المختبر.

فالباحث التاريخي، والعالم الفيزيائي، وإن كانا يلتقيان عند نقطة
واحدة، وهي: أن كلاً منهما يتناول مجموعة من الظواهر_ ظواهر
المجتمع البشري كالدولة والأفكار والملكية. أو ظواهر الطبيعة كالحرارة
والصوت والنور_ ويحاولان تنظيم تلك الظواهر، بصفتها مواداً للبحث،
واستكشاف أسبابها، والعوامل الأساسية فيها... غير أنهما يختلفان في
موقفهما العلمي، من تلك الظواهر موضوعة الدرس ومرد اختلافهما إلى
سببين: فان الباحث التاريخي، الذي يريد أن يفسر المجتمع البشري،
ونشوءه وتطوره ومراحله، في ضوء الظواهر التاريخية والاجتماعية،
لا يستطيع أن يتبين هذه الظواهر بصورة مباشرة، كما يتبين العالم الفيزيائي
ٍظواهر الطبيعة، التي يدرسها في مختبره الخاص، وإنما هو مضطر إلى
تكوين فكرة عنها، ترتكز على النقل والرواية، وشتى المخلوقات العمرانية
وغيرها من الآثار، ذات الدلالة الناقصة. فالفرق إذن كبير جداً، بين الظواهر
الطبيعية، التي يرتكز عليها البحث العلمي، في العلوم الطبيعية، بصفتها
المواد الرئيسية له، وبين الظواهر التاريخية، التي يقوم على أساسها البحث
التاريخي، بصفتها مواداً أولية له. فالمواد في العلوم الطبيعية، ظواهر
معاصرة للعالم الطبيعي، موجودة في مختبره، يستطيع مشاهدتها، وتسليط
الضوء العلمي عليها، وبالتالي وضع تفسير كامل لها.. وعلى العكس من
ذلك تماماً، المواد التي يملكها الباحث التاريخي. فإنه لدى محاولة استكشاف

 

العوامل الأساسية في المجتمع، وكيفية نشوئه وتطوره، مضطر على الإعتماد
في تكوين مواد البحث، وفي الاستنتاج والتفسير، على كثير من الظواهر
التاريخية للمجتمع، التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها، إلا من خلال النقل
والرواية، أو من خلال بعض الآثار التاريخية الباقية ونذكر على سبيل المثال
انجلز، بوصفه باحثاً تاريخياً، حاول في كتابه (أصل العائلة) تفسير الظواهر
الاجتماعية علمياً، فاضطر إلى الاعتماد_ بصورة رئيسية_ في استنتاجاته،
على روايات ومزاعم مؤرخ أو رحالة معين، هو مورغان.

وهكذا يختلف البحث التاريخي، عن البحث الطبيعي من ناحية المادة
(الظواهر)، التي يملكها الباحث، ويقيم عليها تفسيره واستنتاجه. ولا
يقف اختلافهما عند هذا الحد. فإنهما كما يختلفان من ناحية المادة، كذلك
يوجد سبب آخر لاختلافهما، من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه،
في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك.

فإن الباحث التاريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث
التاريخية، لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات، التي يملكها الفيزيائي مثلاً،
تجاه الذرة وظواهرها، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها. لأن الباحث التاريخي،
مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التاريخية كما هي، ولا يمكنه أن يطور
أو يغير شيئاً منها، عن طريق التجربة. وأما العالم الفيزيائي، فهو يستطيع
أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها. ويستبعد منها ما يشاء،
ويضم إليها ما يشاء. وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه
للتغيير، كعلم الفلك، يمكن للعالم الفلكي أن يغير من علاقاته بتلك المادة،
بواسطة التلسكوب، ومن موقعه واتجاهاته.

وعجز الباحث التاريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التاريخية
والاجتماعية يعني عدم تمكنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته، التي
يفسر بها التاريخ، ويستكشف أسراره.

 

فلا يستطيع_ مثلاً لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة
تاريخية معينة_ أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية، التي يقررها المنطق
التجريبي، ويستعملها العلماء الطبيعيون، كطريقتي:الاتفاق والاختلاف،
الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي. لأن هاتين الطريقتين تتوقفان
كلاهما، على إضافة عامل بأسره، أو حذف عامل بأسره، لنرى مدى
ارتباطه مع عامل آخر. فلكي يثبت علمياً، أن (ب) هي سبب (أ) يجمع
بينهما في ظروف مختلفة. وهذه هي طريقة الاتفاق. ثم يعزل (ب)،
ليرى هل يزول (أ) تبعاً لذلك. وهذه هي طريقة الاختلاف. ومن
الواضح أن الباحث التاريخي، لا يتمكن من تغيير الواقع التاريخي للإنسانية،
ولا يقدر على شيء من ذلك.

ولنأخذ_مثلاً على ذلك_ الدولة بوصفها ظاهرة تاريخية، والحرارة
بوصفها ظاهرة طبيعية. فإن العالم الطبيعي إذا حاول أن يفسر الحرارة،
تفسيراً علمياً ويستكشف السبب الرئيسي لها، أمكنه أن يفترض: أن
الحركة هي سبب الحرارة، إذا أدرك اقترانهما في حالات عديدة. ولكي
يتأكد من صحة هذا الافتراض، يستعمل طريقة الاتفاق، فيقوم بعدة
تجارب، يحاول في كل واحدة منها، إبعاد شيء من الأشياء، التي تقترن
بالحركة والحرارة، ليتأكد من أن الحرارة توجد بدونه، وأنه ليس سبباً
لها. ويستعمل أيضاً طريقة الاختلاف، فيحاول أن يقوم بتجربة: يفصل
فيها الحركة عن الحرارة، ليتبين ما إذا كان من الممكن إن توجد حرارة
بدون حركة، فإذا كشفت التجربة: إن الحرارة توجد متى ما وجدت
الحركة، مهما كانت الظروف والأحداث الأخرى وأنها تختفي في الحالات
التي لا توجد فيها حركة.. ثبت علمياً إن الحركة هي سبب الحرارة.

وأما الباحث التاريخي، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تاريخية في
حياة الإنسان، فهو قد يفترض أنها نتاج مصلحة اقتصادية، لفئة معينة من

 

المجتمع، ولكنه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأخرى بالتجربة.
فلا يمكنه_ مثلاً أن يبرهن تجريبياً، على أن الدولة ليست نتاجاً لنزعة
سياسية في نفس الإنسان أو لحالة تعقيد معينة في الحياة المدنية والاجتماعية.
لأن غاية ما يتاح للباحث التاريخي، أن يضع إصبعه على عدد من الحالات
التاريخية، التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معينة، ويحشد
عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة والمصلحة الاقتصادية معاً (وهذا
ما يسمى في المنطق التجريبي أو العلمي بطريقة التعداد البسيط).

ومن الواضح أن طريقة التعداد البسيط هذه، لا تبرهن علمياً على أن
المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد، لظهور الدولة
إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأخرى أثرها الخاص، في تكوين الدولة،
وحيث إن الباحث لا يستطيع أن يغير الواقع التاريخي_ كما يغير الفيزيائي
الظواهر الطبيعية بتجاربه_ فهو لا يتمكن من إفراز وعزل سائر العوامل
الأخرى، عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل. ويتبين: ما إذا
كانت الدولة_ كظاهرة اجتماعية_ ستزول بعزل تلك العوامل، أولا.

ويستخلص مما سبق أن البحث التاريخي يختلف عادة عن البحوث العلمية
الطبيعية! من ناحية المادة التي يقوم  على أساسها الإستنتاج، أولاً. ومن
ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الإستنتاج، ثانياً.

وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق، عن نطاق البحث التاريخي،
لم يبق لدى مفسري التاريخ إلا الملاحظة المنظمة، التي تحاول أن تستوعب
أكبر مقدرا ممكن، من أحداث التاريخ وظواهره، حيث يأخذها الباحث
التاريخي كما هي، ويحاول أن يفسرها، ويضع لها مفاهيمها العامة، على
طريقة التعداد البسيط.

وعلى هذا الأساس نعرف: أن الماركسية لم تكن تملك_ حين وضعت
مفهومها الخاص عن التاريخ_ سنداً علمياً لها، سوى الملاحظة، التي رأتها

 

الماركسية كافية، للتدليل على وجهة نظرها المعينة إلى التاريخ. وأكثر من
هذا، أنها زعمت: أن الملاحظة المحدودة في نطاق تاريخي ضيق، تكفي
وحدها لإستكشاف قوانين التاريخ كلها، واليقين العلمي بها. فقد قال أنجلز:

((ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحركة في التاريخ مستحيلاً تقريباً، في سائر المراحل السابقة،
بسبب تعثر علاقتها وتخفيها مع ردود الفعل، التي تؤثر
بها، فإن عصرنا قد بسط هذه العلائق كثيراً، بحيث
أمكن حل اللغز. فمنذ انتصار الصناعة الكبرى، لم يعد
خافياً على أحد في إنكلترا، بأن النضال السياسي كله
يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة، ألا وهما: الأرستقراطية العقارية، البرجوازية
 ))([14]).

ومعني هذا: أن ملاحظة الوضع الإجتماعي، في فترة معينة من حياة
أوروبا أو انكلترا خاصة، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير
انجلز، لليقين العلمي، بأن العامل الاقتصادي، والتناقض الطبقي، هو
العامل الأساسي في التاريخ الإنساني كله، بالرغم من أن فترات التاريخ
الأخرى، لا تكشف عن ذلك لأنها غائمة معقدة، كما اعترف بذلك
(انجلز) نفسه، فمشهد واحد من مشاهد التاريخ في القرن الثامن عشر أو
التاسع عشر، استطاع أن يقنع الماركسية بأن القوى المحركة للتاريخ،
عبر عشرات الآلاف من السنين، هي قوى العامل الاقتصادي، يقنعها
بذلك لا لشيء، إلا لأن هذا العامل، هو الذي بدا لها أنه مسيطر على ذلك
المشهد التاريخي الخاص، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تاريخها.

 

مع أن سيطرة عامل معين، على مجتمع في فترة خاصة، لا تكفي للتدليل
على سيطرته الرئيسية، في كل أدوار التاريخ، وفي كل المجتمعات، إذ
قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة. فيجب قبل إصدار
الأحكام النهائية في حق التاريخ، أن يقارن المجتمع الذي بدا العامل الإقتصادي
مسيطراً عليه، بالمجتمعات الأخرى، حتى يبحث عما إذا كان لهذه السيطرة،
ظروفها وأسبابها الخاصة؟.

ومن الجدير بنا بهذا الصدد أن نلاحظ كلاماً آخر لأنجلز، ساقه في
مناسبة أخرى، وهو يعتذر عن أخطاء وقع فيها، من جراء تطبيق الديالكتيك
على غير المجتمع، من مجالات الكون والحياة، قائلاً:

((وغني عن البيان، بأنني كنت قد عمدت إلى
سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية، سرداَ
عاجلاً وملخصاً، بغية أن أطمئن تفصيلاً إلى ما لم أكن
في شك منه بصورة عامة، إلى أن نفس القوانين
الديالكتيكية للحركة، التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التاريخ، تشق طريقها في الطبيعة...
 ))([15]).

ونحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لأنجلز، استطعنا أن نعرف
كيف أتيح لمفكر ماركسي مثل أنجلز، أن يكون مفهومه العام عن التاريخ،
وبالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون والحياة وكل ظواهرها، من خلال
الضوء الذي يلقيه مشهد تاريخي واحد لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية.
في فترة محدودة من الزمن بطريقة سهلة جداً. فما دام هذا المشهد التاريخي
المعين، يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع، فيجب أن يكون
التاريخ كله صراعاً بين المتناقضات. وإذا كان التناقض هو الذي يسود

 

التاريخ، فيكفي هذا ليؤمن أنجلز بأن نفس قوانين التناقض هذه، تشق
طريقها في الطبيعة، على حد تعبيره، وأن الكون كله صراع بين مختلف
التناقضات الداخلية.

 

ثانياً_ هل يوجد مقياس أعلى؟

إن المقياس الأعلى في رأي الماركسية، لاختبار صحة كل نظرية، هو
مدى نجاحها في مجال التطبيق. فالنظرية عند الماركسيين لا يمكن أن تنفصل
عن التطبيق وهذا ما يسمى في الديالكتيك بوحدة النظرية والتطبيق. قال
ماوتسي تونغ:

((إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية تضع التطبيق في المقام الأول. فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يجب أن لا ينفصل بأية درجة كانت عن التطبيق وتشن نضالاً ضد كل النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق، أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق ))([16]).

وقال جورج بولتزير:

((فمن المهم إذن أن نفهم معنى وحدة النظرية والتطبيق، ومعنى ذلك: أن من يهمل النظرية يقع في
فلسفة الممارسة. فيسلك كما يسلك الأعمى ويتخبط في الظلام، أما ذلك الذي يهمل التطبيق فيقع في الجمود
المذهبي
 ))([17]).

 

على هذا الأساس نريد أن ندرس المادية التاريخية، وبكلمة أخرى:
ندرس النظرية الماركسية العامة عن التاريخ، لنتعرف على نصيبها من النجاح،
في مجال التطبيق الثوري الذي خاضه الماركسيون.

ومن الواضح، أن الماركسيين إنما أتيحت لهم محاولة تطبيق النظرية،
بالنسبة إلى جزء خاص منها، وهو الجزء الذي يتصل بتطوير المجتمع
الرأسمالي إلى مجتمع إشتراكي، وإما الجوانب الأخرى من النظرية، فهي
تتعلق بقوانين لمجتمعات تاريخية، وجدت في حياة الإنسان وانصرمت،
ولم تعاصرها الماركسية ولا ساهمت في إيجادها.

فلنأخذ الجزء الخاص من النظرية، الذي يتصل بتطوير المجتمع الرأسمالي
ونشوء الإشتراكية، والذي مارست الماركسية تطبيقه، لنتبين وحدة النظرية
والتطبيق أو تناقضهما، وبالتالي لنحكم على النظرية، وفقاً لمقدار نجاحها
أو فشلها في مجال التطبيق ما دام التطبيق في رأي الماركسية هو المعيار الأساسي
لتقويم النظريات، والعنصر الضروري للنظرية العلمية الصحيحة.

وبهذا الصدد، يمكننا أن نقسم البلاد الاشتراكية، التي مارست تطبيق
النظرية الماركسية جزئياً أو كلياً، إلى قسمين، جاء التطبيق في كل منهما
بعيداً عن النظرية ونبوءاتها العلمية وما حددته من قوانين لمجرى التاريخ
وتياراته الاجتماعية.

فالقسم الأول هو: البلاد الاشتراكية، التي فرض عليها النظام
الاشتراكي فرضاً، بقوة الجيش الأحمر، كعدة من أقطار أوروبا الشرقية،
مثل: بولونيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر، ففي هذه الأقطار ونظائرها،
لم يحصل التحول الاشتراكي بحكم ضرورة من الضرورات التي تحددها
النظرية، ولم تنبثق الثورة عن تناقضات المجتمع الداخلية، وإنما فرضت من
الخارج ومن الأعلى بواسطة الحرب الأجنبية والغزو العسكري المسلح وإلا
فأي قانون من قوانين التاريخ شق ألمانيا نصفين وأدرج جزءها الشرقي ضمن

 

العالم الاشتراكي، وجزءها الآخر ضمن العالم الرأسمالي؟ أهو قانون القوى
المنتجة؟ أو حكم الجيش الفاتح، الذي فرض على البقعة التي ملكها نظامه
وأفكاره؟!.

وأما القسم الثاني من البلاد الاشتراكية: فقد أقيمت فيها الأنظمة
الاشتراكية بقوة الثورات الداخلية، ولكن هذه الثورات الداخلية لم تتجسد
فيها قوانين الماركسية، ولم تجيء طبقاً للنظرية التي حل بها الماركسيون كل
ألغاز التاريخ.

فروسيا_ وهي البلد الأول في العالم الذي سيطر عليه النظام الاشتراكي
بفعل الثورات الداخلية_قد كانت في مؤخرة الدول الأوروبية، من
الناحية الصناعية، ولم يكن نمو القوى المنتجة فيها، قد بلغ الدرجة التي
تحددها النظرية لإمكانية التحول، واندلاع الثورة الاشتراكية. فلم يلعب
تزايد القوى المنتجة دوره الرئيسي في تقرير شكل النظام، وتكوين جوهر
المجتمع وفقاً للنظرية، بل لعب دوراً معكوساً، إذ نمت القوى المنتجة في
بلاد كفرنسا وبريطانيا وألمانيا نمواً هائلاً، ودخلت تلك البلاد في درجة
عالية من التصنيع، وبمقدار ارتقائها في هذا المضار، كان بعدها عن
الثورة، ونجاتها من الانفجار الثوري الشيوعي المحتوم، في مفاهيم المادية
التاريخية.

وأما روسيا فقد كانت الحركة التصنيعية فيها منخفضة جداً، وكان
الرأسمال المحلي عاجزاً تماماً عن حل مشاكل التصنيع السريع، في ظل
ظروفها السياسية والاجتماعية، ولم يكن هناك موضع للقياس: بين الرأسمالية
الصناعية في تلك البلاد المتخلفة، وبين قوى الصناعة وضخامة الرأسمال
الصناعي في الغرب الأوروبي، ومع ذلك أخصب الاتجاه الثوري فيها
وتفجر، وجاءت الثورة الصناعية، كنتيجة للثورة السياسية، فكان الجهاز
الانقلابي في الدولة، هو الأداة الفعالة لتصنيع البلاد، وتطوير قواها

 

المنتجة، ولم يكن التصنيع وتطور قوى البلاد المنتجة، هو السبب في خلق
ذلك الجهاز وإنشاء تلك الأداة.

وإذا كان من الضروري، أن نربط بين الثورة من ناحية، وحركة
التصنيع والقوى المنتجة من ناحية أخرى، فالشيء المعقول أن نعكس العلاقة
الماركسية المفترضة بين الثورة والتصنيع، فنعتبر أن انخفاض المستوى الصناعي
والإنتاج، من العوامل المهمة، التي أدت إلى دق أجراس الثورة في بلد
كروسيا، على العكس تماماً من افتراض النظرية الماركسية، القائل: إن
الثورة الاشتراكية، بموجب القوانين المادية للتاريخ، لا تكون إلا نتاجاً
لنمو الرأسمالية الصناعية وبلوغها الذروة. فروسيا مثلاً_ لم يدفعها نمو
قوى الإنتاج إلى الثورة، بمقدار ما دفعها انخفاض تلك القوٍ وتخلفها الخطر،
عن ركب الدول الصناعية، التي قفزت بخطوات العمالقة في مضمار
الصناعة والإنتاج، فكان لا بد لكي تحتفظ روسيا بوجودها الحقيقي في
الأسرة الدولية، أن تنشيء الجهاز السياسي و الاجتماعي، الذي يحل
مشاكل التصنيع حلاً سريعاً، ويدفع بها إلى الأمام، في حلبات التصنيع
ومجالات السباق الدولي الهائل، وبدون خلق الجهاز القادر على حل هذه
المشاكل تقع روسيا حتماً فريسة الإحتكارات، التي تقيمها الدول السباقة،
وينتهي وجودها كدولة حرة على مسرح التاريخ.

وهكذا نجد_ إذا نظرنا إلى روسيا من زاوية القوى المنتجة، والحالة
الصناعية_ كما تنظر الماركسية دائماً_ أن المشكلة الرئيسية هي: مشكلة إيجاد
التصنيع، لا تناقض نمو التصنيع مع كيانات المجتمع السياسية والاقتصادية.

وقد تسلمت الثورة الاشتراكية الحكم واستطاعت بطبيعة كيانها السياسي
(القائم على سلطة مطلقة لا حدود لها) وطبيعة كيانها الاقتصادي (القائم
على تركيز كل عمليات الإنتاج في وجهة واحـدة هي الدولة) أن تخطو
خطوات جبارة في تصنيع البلاد. فكانت الحكومة الاشتراكية هي التي  
                                                                                           

 

 
 

اقتصـادنا_7

 


تخلق أسباب وجودها، والمبررات الماركسية لنشوئها، وتنشيء الطبقة التي
تزعم أنها تمثلها، وتنقل القوى المنتجة في البلد إلى المرحلة التي أعدها
(ماركس) لاشتراكيتة العلمية.

 

ومن حقنا بعد هذا أن نتساءل عما إذا كانت تقوم حكومة ثورية في
روسيا تحمل الطابع السياسي والاقتصادي للإشتراكية، لو أن روسيا لم
تكن متأخرة صناعياً وسياسياً وفكرياً، عن مستوى الدول الصناعية الكبرى؟!.

والصين_ وهي البلد الآخر الذي ساد فيه النظام الإشتراكي بالثورة_
نجد فيها_ كما وجدنا في روسيا_ التناقض الواضح بين النظرية والتطبيق.
فلم تكن الثورة الصناعية هي العامل الأساسي في تكوين الصين الجديدة،
وقلب نظام الحكم فيها، ولم يكن لوسائل الإنتاج، وفائض القيمة،
وتناقضات رأس المال، التي تقررها قوانين المادية التاريخية، أي دور
رئيسي في المعترك السياسي.

وشيء آخر جدير بالملاحظة هو: أن الثورات الداخلية، التي مارست
عملية تطبيق الإشتراكية الماركيسة، لم تكن تعتمد في انتصارها على الصراع
الطبقي، وانهيار الطبقة الحاكمة أمام الطبقة المحكومة، بسبب شدة التناقضات
الطبقية بينهما، بمقدار ما اعتمدت على انهيار الجهاز الحاكم، انهياراً
عسكرياً، في ظروف حربية قاسية، كانهيار الحكم القيصري في روسيا
عسكرياً، بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي مكن للقوى
المعارضة_ وعلى رأسها الحزب الشيوعي_ من الإنتصار السياسي،بشكل
ثوري، أدى إلى امتلاك الحزب الشيوعي لأزمة الحكم، بصفته أبرع
القوى المعارضة تنظيماً وتكتلاً، وأقواها وحدة من الناحية الفكرية القيادية،
وكذلك الثورة الشيوعية في الصين، فإنما وإن بدأت قبل الغزو الياباني،
ولكنها ظلت لمدة عقد كامل، تنتشر وتتوسع، لتخرج نهائياً منتصرة
بانتهاء الحرب. فلم يستطع التطبيق مرة واحدة حتى الآن أن يحقق النصر

 

عن طريق التناقض الداخلي فحسب، أو أن يحطم جهاز الدولة ما لم تحطم
الجهاز ظروف حربية وخارجية، تدعو إلى زعزعته وانهياره.

فملامح النظرية وسماتها العامة، لم تبد على التطبيق، وإنما كل ما بدا
من خلال التطبيق، إن مجتمعاً حدثت فيه ثورة قلبت نظامه، وعصفت
بالجهاز الحاكم فيه، بعد أن تصدع هذا الجهاز لظروف عسكرية وخارجية
واجتاح الناس شعور قوي بالحاجة إلى لون جديد من الحياة السياسية والإجتماعية.

ونفس هذه العوامل التي أنجحت الثورة في روسيا، أو هيأت لها،
كانت موجودة_ كلياً أو جزئياً_ في عدة أقطار أخرى، شهدت نفس
ما شاهدته روسيا من ظروف عسكرية، وتمخضت على أثر الحرب العالمية
الأولى بثورات مماثلة، لعب فيها تصدع السلطات الحاكمة، والشعور
القوي بعدم كفاءتها، والاحساس بالحاجة المتزايدة إلى التقدم السريع،
للإلتحاق بالركب الأمامي للعالم. دوراً خطيراً، غير أن الثورة الوحيدة
التي اتخذت الطابع الإشتراكي، هي الثورة الروسية. ولا يمكننا أن نجد
سبب ذلك في اختلاف قوى الإنتاج، التي كانت متشابهة إلى حد ما في
تلك الأقطار، وإنما نجده في الظروف الفكرية التي كانت تمر بها تلك
الأقطار، والتيارات المتناقضة التي كانت تعمل في الحقل السياسي، والمجال
الثوري هنا وهناك.

فإذا كان من الحق ما يزعمه المنطق الديالكتيكي للماركسية، من وحدة
النظرية والتطبيق، وإن التطبيق هو الأساس الوحيد لتدعيم النظرية، فمن
الحق أيضاً أن المادية التاريخية، لا تزال تفقد حتى الآن هذا الدليل، لأن
التطبيق الذي حققته الماركسية، لم يحمل خصائص النظرية، ولم تنعكس
عليه ملامحها. حتى أن لينين_ وهو الثوري الروسي الأول، الذي كان
يخوض معركة التطبيق ويقودها_ لم يستطع أن يتنبأ بموعد وبشكل اندلاع
الثورة، إلا بعد أن أصبحت الثورة على قاب قوسين أو أدنى. وليس ذلك

 

إلا لأن دلائل المجتمع وأحداثه، لم تكن لتنطبق على الدلائل والأحداث،
التي تحدد النظرية على أساسها، سمات المجتمع، المشرف على العمل الثوري
الاشتراكي. فقد خطب لينين في اجتماع للشباب الاشتراكي السويسري،
قبل شهر واحد من ثورة شباط وقبل عشرة أشهر من ثورة أكتوبر الشيوعية،
فقال في خطابه:

((لعلنا نحن أبناء الجيل الذي يكبركم، لن نعيش لنرى المعارك الحاسمة للثورة الإشتراكية، الموشكة على الاندلاع، ولكن يبدو لي، أنني أستطيع أن أعرب
بأقصى ثقة، عن الأمل بأن يتاح للشبان العاملين في
الحركة الإشتراكية الرائعة في سويسرا، وبقية أنحاء
العالم، الحظ الطيب، ليس فحسب بالمساهمة في القتال
أثناء الثورة البروليتارية الوشيكة، بل كذلك في الخروج ظافرين منها
)).

قال لينين هذا، وبعد عشرة أشهر فقط، تزعم الثورة الإشتراكية التي
انفجرت في روسيا، وجاءت به إلى الحكم. وأما الشبان العاملون في الحركة
الاشتراكية الرائعة في سويسرا، على حد تعبيره، فلا يزالون حتى اليوم،
لم يتح فهم الحظ الطيب، الذي تمناه لهم بالمساهمة في الثورة البروليتارية،
والخروج منها ظافرين.

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00