0021655423074

النظرية على ضوء ألاسس الفلسفية

في ضوء المادية الفلسفية

تؤمن الماركسية، بأن التفسير المادي للتاريخ، من أهم مزايا المادية
الحديثة. إذ لا يمكن بدونه، إعطاء التاريخ تفسيراً صحيحاً، يتجاوب مع
المادية الفلسفية، ويتسق مع المفهوم المادي للحياة والكون.وما دام التفسير
المادي صادقاً_في رأي الماركسية_على الوجود، بصورة عامة، فيجب
أن يصدق بالنسبة إلى التاريخ، لأن التاريخ ليس إلا جانباً من جوانب الوجود
العام.

وعلى هذا الأساس، تعيب الماركسية على مادية القرن الثامن عشر، موقفها
من تفسير التاريخ. لأن مادية القرن الثامن عشر الميكانيكية، لم توفق إلى هذا
الكشف المادي الجبار، في الحقل التاريخي، بل كانت مثالية في مفاهيمها
عن التاريخ، بالرغم من اعتناقها المادية في المجال الكوني العام. ولماذا
كانت في مفهومها التاريخي مثالية؟. كانت كذلك_في رأي الماركسية_
لأنها آمنت بالأفكار والمحتويات الروحية للإنسان، ومنحتها دوراً رئيسياً

 

في التاريخي، ولم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية، التي كانت تعيشها،
أن تتخطى هذه العوامل المثالية، إلى السبب الأعمق، إلى القوى المادية،
الكامنة في وسائل الإنتاج. فلم تصل لأجل هذا، إلى العلة المادية للتاريخ،
ولم يحالفها التوفيق في وضع تصميم علمي، لمادية تاريخية، تتجاوب مع
المادية الكونية. وإنما ظلت تتعلق بالتفسيرات المثالية السطحية، التي تدرس
السطح التاريخي ولا تنفذ إلى الأعماق. قال أنجلز:

((وبالنسبة إلينا نجد في ميدان التاريخ، أن المادية القديمة، لا تصدق مع ذاتها، لأنها تعتبر القوى المثالية المحركة في التاريخ عللا نهائية، وذلك بدلاً من البحث عما وراءها أي البحث عن القوى المحركة الفعلية، الكامنة وراء هذه القوي المحركة ويبدو التناقض، لا في الاعتراف بهذه القوى المثالية فحسب، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى، حتى يمكن إزاحة الستار عن العلل المحركة)) ([4]).

وأنا لا أريد في مجال بحثي هذا أن أتناول المادية الفلسفية، لأن ذلك
ما قمت به في الحلقة الأولى(فلسفتنا). وإنما أقصد أن أدرس هذا الربط،
الذي تزعمه الماركسية، أو بعض كتّابها، بين المادية الفلسفية، والمادية
التاريخية، بطرح السؤال التالي: هل من الضروري، على أساس المادية
الفلسفية، أن، نفسر التاريخ كما تفسره الماركسية، ونشد عجلته منذ فجر
الحياة إلى الأبد، بوسائل الإنتاج؟.

ولدى الجواب على هذا السؤال، يجب أن نميز بوضوح، المفهوم

الفلسفي للمادية، عن مفهومها التاريخي عند الماركسية. فإن التباس أحد
المفهومين بالآخر، هو الذي أدى إلى التأكيد الآنف الذكر:على الارتباط
بينهما، وعلى أن كل فلسفة مادية لا تتبنى تفكير ماركس للتاريخ فهي
لا تستطيع أن تقف على قدميها، في ميدان البحث التاريخي، ولا أن تتحرر
من المثالية، في مفاهيمها التاريخية، تحرراً نهائياً.

والحقيقة هي: أن، المادية بمفهومها الفلسفي، تعني أن، المادة بظواهرها
المتنوعة، هي الواقع الوحيد، الذي يشمل كل ظواهر العالم، وألوان
الوجود فيه. وليست الروحيات، وكل ما يدخل في نطاقها، من أفكار،
ومشاعر، وتجريدات، إلا نتاجا مادياً، وحصيلة للمادة في درجات خاصة،
من تطورها ونموها. فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو
لا يبدو في منظار المادية الفلسفية، إلا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ. ولا
يوجد واقع خارج حدود المادة، ووجوهها المختلفة، وليست هي بحاجة
إلى أي معنى لا مادي.

فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية، والطبيعة التي يمارسها على أساس
هذا المفهوم الفلسفي، ليست كلها إلا أوجهاً مختلفة للمادة، وتطوراتها
ونشاطاتها.

هذه هي المادية الفلسفية، ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون. ولا
يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية، أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط
المادية، والقوى المنتجة، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه، نتاجاً للإنسان.
فما دام الإنسان، وأفكاره. والطبيعة، وقواها المنتجة، كلها ضمن حدود
المادة_ كما تزعم المادية الفلسفية_ فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ
التفسير التاريخي، بأي حلقة من الحلقات، فيعتبرها الحلقة الأولى في التسلسل الاجتماعي. فكما يصح أن نبدأ بالأداة المنتجة، فنسبغ عليها صفة الألوهية

 

للتاريخ، و نعتبرها السبب الأعلى، لكل التيارات التاريخية. كذلك يمكن
_ من وجهة النظر المادية الفلسفية_ أن نبدأ بالإنسانية، بصفتها نقطة الابتداء
في تفسير التاريخ فكلاهما في حساب المادية الفلسفية سواء.

وبهذا يتضح أن الاتجاه المادي في الفاسفة، الذي يفسر الإنسان والطبيعة
تفسيراً مادياً، لا يحتم مفهوم الماركسية عن التاريخ، ولا يفرض النزول
بالإنسان، إلى درجة ثانوية في السلم التاريخي، واعتباره عجينة رخوة،
تكفيها أدوات الإنتاج كما تشاء.

فالمسألة التاريخية إذن، يجب أن تدرس بصورة مستقلة، عن المسألة
الفلسفية للكون.

 

في ضوء قوانين الديالكتيك

إن قوانين الديالكتيك، هي القوانين التي تفسر كل تطور وصيرورة،
بالصراع بين الأضداد، في المحتوى الداخل للأشياء، فكل شيء يحمل في
صميمه جرثومة نقيضة، ويخوض المعركة مع النقيض، ويتطور طبقاً
لظروف الصراع([5]).

والماركسية تتجة في مفهومها الخاص، إلى تطبيق قوانين الديالكتيك
هذه، على الصعيد الاجتماعي، واستعمال الطريقة الديالكتيكية، في تحليل
الأحداث التاريخية. فهي ترى أن التناقض الطبقي في صميم المجتمع،
تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك، القائل: إن كل شيء يحتوي في
أعماقه، على تناقضات وأضداد. وتنظر إلى التطور الاجتماعي، بوصفه
حركة ديناميكية، منبثقة عن التناقضات الداخلية، طبقاً لقانون الحركة
الديالكتيكية العام، القائل: أن كل كائن يتطور، لا بحركة ميكانيكية

 

وقوة خارجية تدفعه من ورائه، بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه
وتنفجر. وتؤمن بتراكم التناقضات الطبقية، شيئاً فشيئاً، حتى تحين اللحظة
المناسبة لتتفجر عن تحول شامل، في بناء المجتمع ونظامه، وفقاً للقانون
الديالكتيكي، القائل: إن التغيرات الكمية التاريخية، تتحول إلى تغير كيفي
آني. وهكذا حاولت الماركسية، أن تجعل من المجال التاريخي_ عن طريق
ماديتها التاريخية_ حقلاً خصباً، لقوانين الديالكتيك العامة.

ولنقف لحظة لنتبين مدى التوفيق، الذي احرزته الماركسية في
ديالكتيكها التاريخي؟. إن الماركسية استطاعت، أن تجعل من طريقتها في
التحليل التاريخي، طريقة ديالكتيكية إلى حد ما، ولكنها تناقضت في النتائج
التي انتهت إليها، مع طبيعة الديالكتيك. وبهذا كانت ديالكتيكية في
طريقتها، ولم تكن كذلك في مضمونها النهائي، ونتائجها الحاسمة،
كما سنرى.

أ_ ديالكيكية الطريقة:

لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية، في البحث التاريخي،
بل اتخذتها شعاراً لها في بحوثها التحليلية، لكل مناحي الكون والحياة، كما
مر في (فلسفتنا). غير أنها لم تنج بصورة نهائية، من التذبذب بين
تناقضات الديالكتيك، وقانون العلية. فهي بوصفها ديالكتيكية، تؤكد:
أن النمو والتطور ينشأ عن التناقضات الداخلية فالتناقض الداخلي، هو الكفيل
بأن يفسر كل ظاهرة من ظواهر الكون، دون حاجة إلى قوة أو
علة خارجية، ومن ناحية أخري تعترف: بعلاقة العلة والمعلول.
وتفسر هذه الظاهرات أو تلك بأسباب خارجية، وليس بالتناقضات المخزونة
في أعماقها. وهذا التذبذب ينعكس في تحليلها التاريخي أيضاً. فهي بينما

 

تصر على وجود تناقضات جذرية، في صميم كل ظاهرة اجتماعية: كفيلة بتطويرها وحركتها، تقرر من ناجية أخرى. إن الصراح الاجتماعي الهائل
يقوم كله على قاعدة واحدة، وهي قوى الإنتاج، وطريقته الخاصة،
وإن الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والفكرية، وغيرها ... ليست
إلا بنى فوقية في ذلك الصرح، وانعكاسات بشكل آخر لطريقة الإنتاج،
التي قام البناء عليها. فالعلاقة إذن بين هذه النبى المتنوعة الألوان، وبين
طريقة الإنتاج، هي علاقة معلول بعلة. ويعني هذا، أن الظاهرات الاجتماعية
الفوقية، لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية، وفقاً للتناقضات الداخلية فيها، وإنما
وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي، وبتأثير القاعدة فيها. بل إنا
نجد أكثر من هذا، فإن التناقض الذي يطور المجتمع_ في رأي الماركسية_
ليس هو التناقض الطبقي، الذي قد يعتبر بمعنى من المعاني تناقضاً داخلياً
للمجتمع، وإنما هو التناقض بين علاقات الملكية القديمة وقوي الإنتاج
الجديد. فهناك إذن شيئان مستقلان، يقوم التناقض بينهما، لا شيء واحد
يحمل في صميمه نقضيه.

وكأن الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح، بين التناقضات
الداخلية، وقانون العلية، وحاولت أن توفق بين الأمرين. فأعطت العلة
والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً، ورفضت مفهومهما الميكانيكي، وسمحت
لنفسها على هذا الأساس، أن تستعمل في تحليلها طريقة العلة والمعلول،
في اطارهما الديالكتيكي الخاص. فالماركسية ترفض السببية التي تسير على
خط مستقيم، والتي تظل فيها العلة خارجية بالنسبة إلى معلولها، والمعلول
سلبياً بالنسبة إلى علته. لأن هذه السببية، تتعارض مع الديالكتيك، مع
عملية النمو والتكامل الذاتي في الطبيعة. إذ إن المعلول طبقاً لهذه السببية،
لا يمكن أن يجيء حينئذ أثرى من علته. وأكثر نمواً. لأن هذه الزيادة
في الثراء والنمو، تبقى دون تعليل. وأما المعلول الذي يولد من نقيضه،

 

فيتطور وينمو بحركة داخلية، طبقاً لما يحتوي من تناقضات، ليعود إلى
النقيض الذي أولده، فيتفاعل معه، ويحقق عن طريقة الاندماج به،
مركباً جديداً، أكثر اغتناء وثراء، من العلة والمعلول منفردين. فهذا هو
ما تعنيه الماركسية بالعلة والمعلول، لأنه يتفق مع الديالكتيك، ويعبر عن
الثالوث الديالكتيكي:(الأطروحة، والطباق، والتركيب)([6]). فالعلة
هي الأطروحة، والمعلول هو الطباق، والمجموع المترابط منهما هو
التركيب. والعلية هنا عملية نمو وتكامل، عن طريق ولادة المعلول من
العلة، أي الطباق من الأطروحة. والمعلول في هذه العملية لا يولد سلبياً،
بل يولد مزدواً بتناقضاته الداخلية، التي تنميه وتجعله يحتضن علته إليه،
في مركب أرقى وأكمل.

وقد استعملت الماركسية علاقات العلة والمعلول، بمفهومهما الديالكتيكي
هذا في المجال التاريخي. فلم تشذ بصورة عامة عن الطريقة الديالكتيكية
التي تتبناها، وإنما فسرت المجتمع على أساس أن له قاعدة، تقوم عليها
ظواهر فوقية، تنشأ عن تلك القاعدة، وتنمو وتتفاعل مع القاعدة. وتنتج
عن التأثير المتبادل، مراحل التطور الاجتماعي، طبقاً لقصة الأطروحة
والطباق والتركيب(الإثبات، والنفي، ونفي النفي).

وينطبق هذه الوصف على الماركسية، إذا استثنينا بعض الحالات،
التي سجلت فيها الماركسية فشلها في تفسير الحدث التاريخي، بالطريقة
الديالكتيكية فاضطرت إلى تفسير الحدث التاريخي، بالطريقة
الديالكتيكية فاضطرت إلى تفسير التطور الاجتماعي، والأحداث التاريخية،
في تلك الحالات، تفسيراً ميكانيكياً، وإن لم تسمح لنفسها بالاعتراف بهذا
الفشل. فلقد كتب انجلز يقول:

((كان في إمكان المجتمعات البدائية القديمة،
التي ذكرناها آنفاً، أن تظل باقية في الوجود لعدة آلاف
من السنين، كما هي الحال في الهند وبين السلافيين إلى
يومنا هذه قبل أن يؤدي تعاملها مع العالم الخارجي،
إلى أن تنشأ في أوساطها اللامساواة في الملكية، التي ينجم عنها شروع هذه المجتمعات في التفكك
))([7]).

ب_ تزييف الديالكتيك التاريخي:

ومن الضروري أن نشير بهذا الصدد، إلى رأينا في الطريقة الديالكتيكية
والسببية بمعناها الديالكتيكي، وهو: أن هذه السببية القائمة على أساس التناقض(الأطروحة، والطباق، والتركيب) لا تستند على العلم، ولا إلى
التحليل الفلسفي، ولا توجد تجربة واحدة في الحقل العلمي يمكن أن تبرهن
على هذا اللون من السببية كما يرفضها البحث الفلسفي رفضاً تاماً. ولا نريد
التوسع في درس هذه النقطة، لأننا قمنا بدراسة مفصلة لذلك، في نقدنا
العام للديالكتيك.(راجع فلسفتنا). وإنما يعنينا ونحن في المجال التاريخي،
أن نعرض نموذجاً للديالكتيك التاريخي، كي يتجلى عجزه في المجال التاريخي،
كما تجلى في(فلسفتنا) عجزه في المجال الكوني العام. ولنأخذ هذا النموذج،
من كلام(ماركس) إمام الديالكتيك التاريخي، إذ حاول أن يصطنع
الديالكتيك، في تفسير تطور المجتمع إلى رأسمالي، ثم إلى الاشتراكية.
فكتب يقول_ عن ملكية الصانع الخاصة لوسائل إنتاجه:

((إن الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمو الإنتاج الرأسمالي. يشكّل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة،
التي ليست إلا تابعاً للعمل المستقل الفردي. ولكن الإنتاج

 

الرأسمالي ينسل هو ذاته، نفيه بالحتمية ذاتها، التي
تخضع لها تطورات الطبيعة. إنه نفي النفي. وهو يعيد
ليس ملكية الشغيل الخاصة، بل ملكيته الفردية،
المؤسسة على مقتنيات ومكاسب العصر الرأسمالي، وعلى التعاون والملكية المشتركة، لجميع وسائل الإنتاج بما
فيها الأرض
))([8]).

هل رأيتم كيف ينمو المعلول، حتى يندمج مع علته في تركيب أغني
وأكمل؟. إن ملكية الصانع أو الحرفي الصغير، لوسائل إنتاجه، هي
الأطروحة والعلة. وانتزاع الرأسمالي لتلك الوسائل منه، وتملكه لها، هو
الطباق والمعلول. وحيث إن المعلول ينمو ويزدهر، ويؤلف مع العلة
تركيباً أكمل، فإن الملكية الرأسمالية تتمخض عن الملكية الاشتراكية،
التي يعود فيها الحرفي مالكاً لوسائل إنتاجه، بشكل أكثر كمالاً.

ومن حسن الحظ، أنه لا يكفي أن يفترض الإنسان، أطروحة وطباقاً
وتركيباً، في أحداث التاريخ والكون، لكي يكون التاريخ والكون
ديالكتيكياً. فإن هذا الديالكتيك، الذي افترضه ماركس، لا يعدو أن
يكون لوناً من الجدل التجريدي في ذهنه، وليس جدلاً أو ديالكتيكاً ([9])
للتاريخ. وإلا فمتي كانت ملكية الحرفي الخاصة، لوسائل إنتاجه، هي
العلة لتملك الرأسمالي لها؟! ليقال: إن النقيض، ولد من نقيضه، وإن
الأطروحة أنشأت طباقاً.

إن ملكية الحرفيين الخاصة، لوسائل إنتاجهم، لم تكن هي السبب في

 

وجود الإنتاج الرأسمالي. وإنما وجد الإنتاج الرأسمالي، نتيجة لتحول
طبقة التجار_ضمن شروط معينة، وبسبب تراكم ثرواتهم_ إلى منتجين
رأسماليين. وكانت ملكية الحرفيين، لوسائل إنتاجهم، بصورة مبعثرة
ومتفرقة عقبة في وجه أولئك التجاريين، الذين أصبحوا يمارسون الإنتاج
الرأسمالي، ويطعمون في السيطرة على مزيد من وسائل الإنتاج،  فاستطاعوا
بنفوذهم، أن يسحقوا تلك العقبة، وينتزعوا_ بشكل أو آخر_ وسائل
الإنتاج، من أيدي الحرفيين، ليثبتوا بذلك أركان الإنتاج الرأسمالي،
ويوسعوا من مداه. فالإنتاج الرأسمالي وإن احتل مكان الإنتاج الفردي،
القائم على أساس ملكية الحرفي لوسائل إنتاجه، ولكنه لم ينشأ عن ملكية
الحرفي لأدوات إنتاجه، كما ينشأ الطباق من الأطروحة، وإنما نشأ من
ظروف الطبقة التجارية، وتراكم رأس المال عندها، بدرجة جعلها تمارس
الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي تسيطر على ممتكلات طبقة الحرفيين. وبكلمة
واحدة: إن الشروط الخارجية_ كالتجارة، واستغلال المعمرات،
واكتشاف المناجم_ لو لم تمنح التجاريين ملكية ضخمة، وقدرة على
الإنتاج الرأسمالي، وعلى تجريد الحرفيين في نهاية المطاف من وسائلهم...
لو لم تنتج تلك الشروط لهم هذه الإمكانات، لما برز الإنتاج الرأسمالي إلى
الوجود، ولما استطاعت ملكية الحرفيين أن تخلق نقيضها، وتوجد الإنتاج
الرأسمالي، وتطور نفسها بالتالي إلى ملكية اشتراكية.

وهكذا لا نجد في المجال التاريخي_ كما سنرى بصورة أكثر وضوحاً،
لدى دراستنا للمادية التاريخية، في تفاصيلها ومراحلها_ كما لم يوجد في
المجال الكوني العام، مثال واحد تنطبق عليه قوانين الديالكتيك ومفاهيمه
عن السببية.

 

ج _ النتيجة تناقض الطريقة:

ومن أقسى ما منيت به الماركسية، في طريقتها الديالكتيكة، أنها
استعملت هذه الطريقة، بشكل انتهى بها إلى نتائج غير ديالكتيكية، ولأجل هذا
قلنا_ منذ البدء_ : إن طريقة الماركسية في التحليل التاريخي ديالكتيكية،
ولكن مضمون الطريقة يناقض الديالكتيك. لأن الماركسية تقرر من ناحيتها،
أن التناقض الطبقي الذي يعكس تناقضات وسائل الإنتاج، وعلاقات
الملكية، هو الأساس الرئيسي الوحيد، للصراع في داخل المجتمع. وليست
التناقضات الأخرى، إلا نابعة منه. وتقرر في نفس الوقت، أن القافلة
البشرية سائرة- حتماً_ في طريق محو الطبقية، من المجتمع إلى الأبد.
وذلك حين تدق أجراس النصر، للطبقة العاملة، ويولد المجتمع اللاطبقي،
وتدخل الإنسانية في الاشتراكية والشيوعية. فإذا كانت الطبقة وتناقضاتها،
ستزول في تلك المرحلة من حياة المجتمع، فسوف ينقطع عنه المد التطوري
وتنطفيء شعلة الحركة الأبدية، وتحصل المعجزة التي تشل قوانين
الديالكتيك عن العمل. وألا فكيف تفسر الماركسية حركة الديالكتيك في
المجتمع اللاطبقي، ما دام التناقض الطبقي قد لاقي مصيره المحتوم، وما
دامت حركة الديالكتيك لا توجد إلا على أساس التناقض؟!.

ولا يزال في متناول يدنا، كلام ماركس الآنف الذكر، الذي جعل
ملكية الحرفي الخاصة أطروحة واعتبر أن الرأسمالية هي النفي الأول(الطباق)
والاشتراكية هي نفي النفي(التركيب)... فبإمكاننا أن نسأل ماركس:
هل سوف تكف قصة الأطروحة، والطباق، والتركيب، عن العمل،
بعد ذلك، بالرغم من قوانين الديالكتيك العامة؟ أو أنها ستستأنف ثالوثاً
جديداً؟. وإذا كانت ستستمر، فسوف تكون الملكية الاشتراكية هي
الأطروحة. فما هو النقيض الذي ستلده وتنمو بالاندماج معه؟. يمكننا أن

 

نفترض أن الملكية الشيوعية هي النقيض، أو النفي الأول للاشتراكية،
ولكن ما هو نفي النفي(التركيب)؟. إن الديالكتيك سوف يبقى حائراً،
بإزاء تأكيد الماركسية، على أن الشيوعية هي المرحلة العليا من التطور
البشري.

في ضوء المادية التاريخية

ولندرس الآن المادية التاريخية في ضوء جديد، في ضوء المادية
التاريخية ذاتها. وقد يبدو غريباً لأول وهلة، أن تكون النظرية، أداة
للحكم على نفسها. غير أننا سنجد فيما يلي، أن المادية التاريخية، تكفي
بمفردها للحكم على نفسها، في مجال البحث العلمي.

إن المادية التاريخية لما كانت نظرية فلسفية عامة، لتركيب المجتمع
وتطوره، فهي تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامة، بوصفها جزءاً من
تركيب المجتمع الإنساني. فتعطي رأيها في كيفية تكوّن المعرفة الإنسانية
وتطورها، كما تعطي رأيها في كيفية نشوء سائر الأوضاع السياسية والدينية
وغيرها... ولما كان الوضع الاقتصادي في رأي المادية التاريخية هو الأساس
الواقعي للمجتمع بكل نواحيه، فمن الطبيعي لها أن تفسر الأفكار والمعارف
على أساسه ولذلك نجد المادية التاريخية، تؤكد أن المعرفة الإنسانية، ليست
وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب، وإنما يمكن سببها الأصيل، في الوضع الاقتصادي. ففكر الإنسان، انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، التي يعيشها وهو ينمو ويتطور، طبقاً لتطور تلك الأوضاع
والعلاقات.

وعلى هذا الأساس، شيّدت الماركسية نظريتها في المعرفة، وقالت
بالنسبية التطورية، وإن المعرفة ما دامت وليدة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية،
فهي ذات قيمة نسبية، محدودة بتلك الظروف، ومتطورة تبعاً لها. فلا توجد

 

حقيقة مطلقة، وإنما تتكشف الحقائق بشكل نسبي، من خلال العلائق
الاجتماعية، وبالمقدار الذي تسمح به هذه العلائق.

هذه هي النتيجة التي وصلت إليها المادية التاريخية في تحليل المجتمعات
وهي النتيجة التي كان لابد لها أن تصل إليها، وفقاً لطريقة فهمها للمجتمع
والتاريخ.

وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة، في تحليلها الاجتماعي، أبت
أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها. فنادت بالمادية التاريخية
كحقيقة مطلقة، وأعلنت على قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية،
التي لا تقبل التغيير والتعديل، ولا يصيبها شيء من عطل أو عجز، في المجرى
التاريخي الطويل للبشرية. حتى كان المفهوم الماركسي للتاريخ، نقطة انتهاء
للمعرفة البشرية كلها، ولم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل. من أين نشأ
هذا المفهوم الماركسي؟ أو أن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة. ولو كلفت
الماركسية نفسها شيئاً من ذلك_ كما يحتمه عليها الحساب العلمي_ لاضطرت
إلى القول: بأن المادية التاريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال
العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من
الظروف الموضوعية التي تعيشها.

وهكذا نجد، كيف أن المادية التاريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها
تعتبر كل نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه. ولا تعدو هي
بدورها أيضاً، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن إنساني، عاش ظروفاً
اجتماعية واقتصادية معينة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف
ومتطورة تبعاً لتطورها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتاريخ.

ونحن وإن كنا لا نؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، هي السبب
الوحيد لولادة النظريات والأفكار. ولكننا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من
                                                                          

 

 
 

اقتصـادنا_5

 


الأفكار والنظريات. ولنضرب لذلك مثلاً على مفاهيم المادية التاريخية، وهو
مفهوم ماركس الثوري للتاريخ فقد ظن ماركس، أن إزالة المجتمع الرأسمالي،
أو أي مجتمع آخر، لايتم إلا باتصال ثوري، بين طبقتيه الأساسيتين، وهما
طبقة البورجوازية، وطبقة البروليتاريا. وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من
أعم القوانين، التي تسيطر على التاريخ البشري كله، وجاء الماركسيون بعد
ذلك. فبدلاً عن محاولة استكشاف الظروف الاجتماعية، التي أوحت إلى
ماركس بحتمية الثورة وضرورتها التاريخية. آمنوا بأن الثورة من القوانين الأبدية
للتاريخ. مع أنها لم تكن في الحقيقة، إلا فكرة استوحاها ماركس، من
الظروف التي عاشها، ثم قفز بها إلى مصاف القوانين المطلقة للتاريخ.

 

فقد عاصر ماركس، رأسمالية القرن التاسع عشر، تلك الرأسمالية
المطلقة، المتميزة بظروفها السياسية والاقتصادية الخاصة. فبدا له أن التلاحم
الثوري، أقرب ما يكون إلى الوقوع، وأوضح ما يكون ضرورة. لأن البؤس
والنعيم والفقر والغنى، في ظل الرأسمالية المطلقة، كانا يتزايدان باستمرار ودون
عائق. وكانت الظروف السياسية مظلمة إلى حد كبير فتفتق ذهن ماركس،
عن فكرة النضال الطبقي، الذي يستشري ويزداد تناقضاً، يوماً بعد يوم،
حتى ينفر البركان ويحل التناقض بالثورة. فآمن بأن الانقلاب الثوري من
قوانين التاريخ العامة. ومات ماركس واختلفت الأوضاع الاجتماعية في
أوروبا الغربية، وأخذت الظروف السياسية والاقتصادية تسير سيراً معاكساً،
للاتجاه الذي قدره ماركس. فلم يتفاقم التناقض، ولم يتسع البؤس، بل أخذ
بالانكماش نسبياً وأثبتت التجارب السياسية، أن بالإمكان تحقيق مكاسب
مهمة للجمهور البائس، بخوض المعترك السياسي دونما ضرورة لتفجير
البركان بالدماء.

وسار الماركسيون الاشتراكيون في اتجاهين مختلفين: أحدهما: الاتجاه
الإصلاحي الديمقراطي والآخر: الاتجاه الانقلابي الثوري.فالاتجاه الأول،

 

كان هو الاتجاه العام للاشتراكية، في عدة من الأقطار الأوروبية الغربية،
التي بدا للاشتراكيين، في ضوء ما حصل لها من تقدم سياسي واقتصادي،
أن الثورة أصبحت غير ضرورية. وأما الاتجاه الثاني، فقد سيطر على الحركة
الاشتراكية في أوروبا الشرقية، التي لم تشهد ظروفاً فكرية وسياسية واقتصادية،
مماثلة لظروف الغرب. وقام الصراع بين الاتجاهين الماركسيين، حول
تفسير الماركسية، لحساب هذا الاتجاه أو ذاك. وقدّر أخيراً للاتجاه الثوري،
في أوروبا الشرقية أن ينجح. فهلل له الاشتراكيون الثوريون، واعتبروه
الدليل الحاسم على: أن الاتجاه الثوري، هو الذي تتجسد فيه الماركسية
بمطلقاتها وأبدياتها النهائية.

وفات هؤلاء جميعاً كما فات ماركس قبلهم، أنهم ليسوا إزاء حقيقة مطلقة
أبدية، وإنما هم إزاء فكرة استوحاها ماركس من ظروفه، والأجواء
الفكرية والسياسية التي كان يعيشها، ثم وضع عليها المساحيق العلمية، وأعلنها
قانوناً مطلقاً، لاتقبل التخصيص والاستثناء.

وليس من شاهد على ذلك أقوى، من تناقض الاشتراكية الماركسية
_ كما أشرنا سابقاً_ واتخاذها في الشرق طابعاً ثورياً، وفي الغرب طابعاً
ديمقراطياً إصلاحيا. فإن هذا التناقض، لا يعبر في الحقيقة عن الاختلاف
في فهم الماركسية، بمقدار ما يعبر عن مدى محدودية المفهوم الماركسي،
لظروفه الاجتماعية الخاصة. حيث نستنتج منه أن الثورية الماركسية، لم تكن
من حقائق التاريخ المطلقة، التي تكشفت الماركس في لحظة من الزمن، وإنما
هي تعبير عن الظروف التي عاشها ماركس، وحين تطورت هذه الظروف
في أوروبا الغربية، وتكشفت عن أشياء جديدة، أصبحت تلك الفكرة غير
ذات معنى، بالرغم من احتفاظها بقيمتها في أوروبا الشرقية، التي لم تحدث
فيها تلك الأشياء.

ولا نريد بهذا أننا نؤمن، بأن كل نظرية لا بد أن تكون نابعة من

 

الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وإنما هدفنا أن نقرر:

أولاً: أن بعض الأفكار والنظريات، تتأثر بالظروف الموضوعية
للمجتمع فتبدو وكأنها حقائق مطلقة مع أنها لا تعبر إلا عن الحقيقة، في
حدود تلك الظروف الخاصة.
 ومن تلك الأفكار والنظريات بعض مفاهيم
ماركس عن التاريخ.

ثانياً: أن جميع مفاهيم ماركس عن التاريخ، يجب أن تكون_ في
حكم المادية التاريخية ووفقاً لنظرية المعرفة الماركسية_ حقائق نسبية، نابعة
عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، التي عاصرتها،
 ومتطورة تبعاً لتطورها.
ولا يمكن أن تؤخذ المادية التاريخية، بوصفها حقيقة للتاريخ. ما دامت
النظريات نتاجاً للظروف النسبية المتطورة كما تؤكد ذلك الماركسية نفسها.

 

 

 

 

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00