0021655423074

بسم الله الرحمن الرحيم

يسرني أن أقدم للطبعة الثانية لكتاب اقتصادنا وقد ازددت إيماناً واقتناعاً
بأن الأمة قد بدأت فعلاً تنفتح على رسالتها الحقيقية التي يمثلها الإسلام وتدرك
بالرغم من ألوان التَضليل الاستعماري أن الإسلام هو طريق الخلاص وأن
النظام الإسلامي هو الإطار الطبيعي الذي يجب أن تحقق حياتها و تفجر طاقاتها
ضمنه و تنشىء كيانها على أساسه.

وقد كان بودي أن تتاح لي فرصة للتوسع في بعض مواضيع الكتاب
وتسليط المزيد من الأضواء على عدد من النقاط التي تناولها ولكني
إذ لا أجد الآن مجالاً للحديث عن بحوث الكتاب فلن أدع هذه المناسبة دون
كلمة عن موضوع الكتاب ذاته وصلة هذا الموضوع الخطير بحياة الأمة
ومشاكلها وأهميتها المتنامية على مر الزمن على الصعيد الإسلامي و الصعيد
البشري على السواء.

فالأمة على الصعيد الإسلامي وهي تعيش جهادها الشامل ضد تخلفها
وانهيارها وتحاول التحرك السياسي والاجتماعي نحو وجود أفضل وكيان
أرسخ واقتصاد أغني وارفه سوف لن تجد أمامها عقيب سلسلة من محاولات 

 

الخطأ والصواب إلا طريقاً واحداً للتحرك وهو التحرك في الخط الإسلامي
ولن تجد إطاراً تضغ ضمنه حلولها لمشاكل التخلف الاقتصادي سوى إطار
النظام الاقتصادي في الإسلام.

والإنسانية على الصعيد البشري وهي تقاسي أشد ألوان القلق والتذبذب
بين تيارين عالميين ملغمين بقنابل الذرة والصواريخ ووسائل الدمار لن تجد
لها خلاصاً إلا على الباب الوحيد الذي بقي مفتوحاً من أبواب السماء وهو
الإسلام.

ولنأخذ في هذه المقدمة الصعيد الإسلامي بالحديث.

على الصعيد الإسلامي:

حينما أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة الإنسان الأوروبي ويذعن
لإمامته الفكرية وقيادته لموكب الحضارة بدلاً عن إيمانه برسالته الأصيلة
وقيمومتها على الحياة البشرية بدأ يدرك دوره في الحياة ضمن إطار التقسيم
التقاليدي لبلاد العالم الذي درج عليه الإنسان الأوروبي حين قسم العالم على
أساس المستوي الاقتصادي للبلد وقدرته المنتجة إلى بلاد راقية اقتصادياً وبلاد
فقيرة أو متخلفة اقتصادياً وكانت بلاد العالم الإسلامي كلها من القسم الثاني
الذي كان يجب عليه في منطق الإنسان الأوروبي أن يعترف بإمامة البلاد
الراقية ويفسح المجال لها لكي تنفث روحها فيه وتخطط له طريق الإرتفاع.

وهكذا دشن العالم الإسلامي حياته مع الحضارة الغريب بوصفه مجموعة
من البلاد الفقيرة اقتصادياً ووعى مشكلته على أساس أنها هي التخلف
الاقتصادي عن مستوي البلاد المتقدمة الذي أتاح لها تقدمها الاقتصادي
زعامة العالم ولقنته تلك البلاد المقتدمة أن الأسلوب الوحيد للتغلب على هذه 

 

المشكلة والالتحاق بركب البلاد المتقدمة هو اتخاذ حياة الإنسان الأوروبي
تجربة رائدة وقائدة وترسّم خطوات هذه التجربة لبناء اقتصاد كامل شامل
قادر على الارتفاع بالبلاد الإسلامية المتخلفة إلى مستوي الشعوب الأوروبية
الحديثة.

وقد عبّرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد
للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكال ثلاثة مترتبة زمنياً ولا تزال هذه الأشكال
الثلاثة متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي.

الأول: التبعية السياسية التي تمثلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية
اقتصادياً حكم الشعوب المتخلفة بصورة مباشرة.

الثاني: التبعية الاقتصادية التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلة
من الناحية السياسية في البلاد المتخلفة وعبرت عن نفسها في فسح المجال
للاقتصاد الأوروبي لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة ويستثمر
موادها الأولية ويملأ فراغاتها برؤوس أموال أجنبية و يحتكر عدداً من مرافق
الحياة الاقتصادية فيها بحجة تمرين أبناء البلاد المتخلفين على تحمل أعباء
التطوير الاقتصادي لبلادهم.

الثالث: التبعية في المنهج التي مارستها تجارب عديدة في داخل العالم
الإسلامي حاولت أن تستقل سياسياً وتتخلص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي
اقتصادياً وأخذت تفكر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها
والتغلب على تخلفها غير أنها لم تستطع أن تخرج في فهمها لطبيعة المشكلة التي
يجسدها تخلفها الاقتصادي عن إطار الفهم الأوروبي لها فوجدت نفسها
مدعوة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الإنسان الأوروبي في بنائه الشامخ
لاقتصاده الحديث.

وبالرغم من اختلافات نظرية كبيرة نشأت بين تلك التجارب خلال 

 

رسم المنهج و تطبيقه فإن هذه الاختلافات لم تكن دائماً إلا اختلافاً حول
اختيار الشكل العام للمنهج من بين الأشكال المتعددة التي اتخذها المنهج في
تجربة الإنسان الأوروبي الحديث فاختيار المنهج الذي سلكته التجربة الرائدة
للإنسان الأوروبي الحديث كان موضع وفاق لأنه ضريبة الأمانة الفكرية
للحضارة الغربية وإنما الخلاف في تحديد شكل واحد من أشكالها.

وتواجه التجارب الحديثة للبناء الاقتصادي في العالم الإسلامي عادة
شكلين لتجربة البناء الاقتصادي في الحضارة الغربية الحديثة وهما الاقتصاد
الحر القائم على أساس رأسمالي والاقتصاد المخطط القائم على أساس اشتراكي.

فإن كلاً من هذين الشكلين قد عاش تجربة ضخمة في بناء الاقتصاد
الأوروبي الحديث والصيغة التي طرحت للبحث على مستوي التطبيق في
العالم الإسلامي على الأكثر ما هو الشكل الأجدر بالأتباع من هذين الشكلين
وأقدر على إنجاح كفاح الأمة ضد تخلفها الاقتصادي وبناء اقتصاد رفيع على
مستوى العصر.

و كان الاتجاه الأقدم حدوثاً في العالم الإسلامي يميل إلى اختيار الشكل
الأول للتنمية وبناء الاقتصاد الداخلة للبلاد أي الاقتصاد الحر القائم على أساس
رأسمالي نتيجة لأن المحور الرأسمالي للاقتصاد الأوروبي كان أسرع
المحورين للنفوذ إلى العالم الإسلامي واستقطابه كمراكز نفوذ.

وعبر صراع الأمة سياسياً مع الاستعمار ومحاولتها التحرر من نفوذ
المحور الرأسمالي وجدت بعض التجارب الحاكمة أن النقيض الأوروبي
للمحور الرأسمالي هو المحور الاشتراكي فنشأ اتجاه آخر يميل إلى اختيار
الشكل الثاني للتنمية أي التخطيط القائم على أساس اشتراكي نتيجة للتوفيق
بين الإيمان بالإنسان الأوروبي كرائد للبلاد المتخلفة وواقع الصراع مع
الكيان السياسي للرأسمالية فما دامت تبعية البلاد المتخلفة للبلاد الراقية اقتصادياً

 

تفرض عليها الإيمان بالتجربة الأوروبية كرائد وما دام الجناح الرأسمالي من
هذه التجربة يصطدم مع عواطف المعركة ضد الواقع الاستعماري المعاش
فليؤخذ بالتخطيط الاشتراكي بوصفه الشكل الآخر للتجربة الرائدة.

ولكل من الاتجاهين أدلته التي يبرر بها وجهة نظره فالاتجاه الأول يبرر
عادة التقدم العظيم الذي حصلت عليه الدول الأوروبية الرأسمالية و ما أحرزته
من مستويات في الإنتاج والتصنيع نتيجة لانتهاج الاقتصاد الحر كأسلوب
للتنمية و يضيف إلى ذلك أن بإمكان البلاد المتخلفة إذا انتهجت نفس الأسلوب وعاشت نفس التجربة أن تختصر الطريق و تقفز في زمن أقصر إلى المستوى
المطلوب من التنمية الاقتصادية لأنها سوف تستفيد من خبرات التجربة
الرأسمالية للإنسان الأوروبي و تستخدم كل القدرات العلمية الناجزة التي
كلفت الإنسان الأوروبي مئات السنين حتى ظفر بها.

والاتجاه الثاني يفسر اختياره للاقتصاد المخطط على أساس اشتراكي
بدلاً عن الاقتصاد الحر بأن الاقتصاد الحر إن كان قد استطاع أن يحقق
للدول الأوروبية الرائدة في العالم الرأسمالي مكاسب كبيرة و تقديماً مستمراً
في التكنيك والإنتاج ونمواً متزايداً للثروة الداخلية للبلاد فليس بالإمكان أن
يؤدي دوراً مماثلاً للبلاد المتخلفة اليوم لأن البلاد المتخلفة تواجه اليوم تحدياً
اقتصادياً هائلاً يمثله التقدم العظيم الذي أحرزته دول الغرب وتقابل إمكانات
هائلة منافسة لا حد لها على الصعيد الاقتصادي بينما لم تكن الدول المتقدمة
فعلاً تواجه هذا التحدي الهائل وتقابل هذه الإمكانات المنافسة حين بدأت
عملية التنمية الاقتصادية وشنت حربها ضد أوضاع التخلف الاقتصادي واتخذت
من الاقتصاد الحر منهجاً وأسلوباً فلا بد للبلاد المتخلفة اليوم من تعبئة كل
القوى والطاقات لعملية التنمية الاقتصادية بصورة سريعة ومنظمة في نفس
الوقت وذلك عن طريق الاقتصاد المخطط القائم على أساس اشتراكي.

 

ويعتمد كل من الاتجاهين في تفسيره لما يمنى به من فشل في مجال التطبيق
على الظروف المصطنعة التي يخلقها المستعمرون في المنطقة لكي يعرقلوا فيها
عمليات النمو ولا يسمح لنفسه على أساس ذلك أن يفكر حين الإحساس
بالفشل في أي منهج بديل للشكلين التقليديين اللذين اتخذتهما التجربة الأوروبية الحديثة في الغرب والشرق بالرغم من وجود بديل جاهز لا يزال يعيش نظرياً
وعقائدياً في حياة الأمة وإن كان منعزلاً عن مجال التطلبيق وهو المنهج الإسلامي
والنظام الاقتصادي في الإسلام.

و أنا لا أريد هنا أن أقارن بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي من وجهة نظر اقتصادية مذهبية فإن هذا ما أتركه للكتاب نفسه
فقد قام كتاب اقتصادنا بدراسة مقارنة بهذا الصدد وإنما أريد أن أقارن بين
الاقتصاد الأوروبي بكلا جناحيه الرأسمالي والاشتراكي والاقتصاد الإسلامي
من ناحية قدرة كل منهما على المساهمة في معركة العالم الإسلامي ضد
التخلف الاقتصادي ومدى قابلية كل واحد من هذه المناهج ليكون إطاراً
لعملية التنمية الاقتصادية.

ونحن حين نخرج من نطاق المقارنة بين هذه المناهج الاقتصادية في محتواها
الفكري والمذهبي إلى المقارنة بينها في قابليتها التطبيقية لإعطاء إطار للتنمية
الاقتصادية يجب أن لا نقيم مقارنتنا على أساس المعطيات النظرية لكل واحد
من تلك المناهج فحسب بل لابد أن نلاحظ بدقة الظروف الموضوعية للأمة
وتركيبها النفسي والتاريخي لأن الأمة هي مجال التطبيق لتلك المناهج فمن
الضروري أن يدرس المجال المفروض للتطبيق وخصائصه وشروطه بعناية
ليلاحظ ما يقدر لكل منهج من فاعلية لدى التطبيق. كما أن فاعلية الاقتصاد
الحر الرأسمالي أو التخطيط الاشتراكي في تجربة الإنسان الأوروبي لا تعني
حتماً أن هذه الفاعلية نتيجة للمنهج الاقتصادي فحسب لكي تتوفر متي اتبع
نفس المنهج بل قد تكون الفاعلية ناتجة عن المنهج باعتباره جزءاً من كل 

 

مترابط و حلقة من تاريخ فإذا عزل المنهج عن إطاره وتاريخه لم تكن له تلك
الفاعلية ولا تلك الثمار.

ومن خلال دراسة مقارنة للمذاهب الاقتصادية المتعددة وإمكانات
نجاحها عملياً في العالم الإسلامي يجب إبراز حقيقة أساسية يرتبط بها تقدير
الموقف إلى درجة كبيرة وهي أن حاجة التنمية الاقتصادية إلى منهج اقتصادي
ليست مجرد حاجة إلى أطار من أطر التنظيم الاجتماعي تتبناه الدولة فحسب
لكي يمكن أن توضع التنمية ضمن هذا الإطار أو ذاك بمجرد تبنّي الدولة
له والتزامها به بل لا يمكن للتنمية الاقتصادية والمعركة ضد التخلف
أن تؤدي دورها المطلوب إلا إذا اكتسبت إطاراً يستطيع أن يدمج الأمة
ضمنه وقامت على أساس يتفاعل معها. فحركة الأمة كلها شرط أساسي
لإنجاح أي تنمية وأي معركة شاملة ضد التخلف لأن حركتها تعبير عن
نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن
أن تمارس عملية تنمية فالتنمية للثروة الخارجية والنمو الداخلي للأمة يجب أن يسيرا في خط واحد.

و تجربة الإنسان الأوروبي الحديث هي بالذات تعبير تاريخي واضح عن
هذه الحقيقة. فإن مناهج الاقتصاد الأوروبي كإطارات لعملية التنمية لم
تسجل نجاحها الباهر على المستوى المادي في تاريخ أوروبا الحديث إلا بسبب
تفاعل الشعوب الأوروبية مع تلك المناهج وحركتها في كل حقول الحياة
وفقاً لاتجاه تلك المناهج ومتطلباتها واستعدادها النفسي المتناهي خلال تاريخ
طويل هذا الاندماج والتفاعل.

فحين نريد أن نختار منهجاً أو إطاراً عاماً للتنمية الاقتصادية داخل العالم
الإسلامي يجب أن نأخذ هذه الحقيقة أساساً ونفتش في ضوئها عن مركب
حضاري قادر على تحريك الأمة وتعبئة كل قواها وطاقاتها للمعركة ضد

 

التخلف ولابد حينئذ أن نُدخل في هذا الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها
وتاريخها وتعقيداتها المختلفة.

ومن الخطأ ما يرتكبه كثير من الاقتصاديين الذين يدرسون اقتصاد
البلاد المتخلفة وينقلون إليها المناهج الأوروبية للتنمية دون أن يأخذوا بعين
الاعتبار درجة إمكان تفاعل شعوب تلك البلاد مع هذه المناهج ومدى قدرة
هذه المناهج المنقولة على الالتحام مع الأمة.

فهناك مثلاً الشعور النفسي الخاص الذي تعيشه الأمة في العالم الإسلامي
تجاه الاستعمار الذي يتسم بالشك والاتهام والخوف نتيجة لتاريخ مرير طويل
من الاستغلال والصراع، فإن هذا الشعور خلق نوعاً من الإنكماش لدى
الأمة عن المعطيات التنظيمية للإنسان الأوروبي وشيئاً من القلق تجاه الأنظمة
المستمدة من الأوضاع الاجتماعية في بلاد المستعمرين وحساسية شديدة ضدها
وهذه الحساسية تجعل تلك الأنظمة حتى لو كانت صالحة ومستقلة عن الاستعمار
من الناحية السياسية غير قادرة على تفجير طاقات الأمة وقيادتها في معركة
البناء فلا بد للأمة إذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار
وانكماشها تجاه ما يتصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي
ومعالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.

وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتلات السياسية في
العالم الإسلامي تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساساً للتنظيم الاجتماعي حرصاً منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري
للاستعمار انفصالاً كاملاً غير أن القومية ليست إلا رابطة تاريخية ولغوية
وليست فلسفة ذات مبادىء ولا عقيدة ذات أسس بل حيادية بطبيعتها تجاه
تخلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية، وهي لذلك بحاجة
إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة وفلسفة خاصة تصوغ على
أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي.

 

ويبدو أن كثيراً من الحركات القومية أحست بذلك أيضاً و أدركت
أن القومية كمادة خام بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعية ونظام اجتماعي
معين وحاولت أن توفق بين ذلك وبين أصالة الشعار الذي ترفعه وانفصاله
عن الإنسان الأوروبي فنادت بالاشتراكية العربية. نادت بالإشتراكية لأنها
أدركت أن القومية وحدها لا تكفي بل هي بحاجة إلى نظام ونادت بها في
إطار عربي تفادياً لحساسية الأمة ضد أي شعار أو فلسفة مرتبطين بعالم
المستعمرين فحاولت عن طريق توصيف الاشتراكية بالعربية تغطية
الأجنبي المتمثل في الاشتراكية من الناحية التاريخية والفكرية وهي تغطية
فاشلة لا تنجح في استغفال حساسية الأمة لأن هذا الإطار القلق ليس إلا مجرد
تأطير ظاهري وشكليّ للمضمون الأجنبي الذي تمثله الاشتراكية وإلا فأي
دور يلعبه هذا الإطار في مجال التنظيم الاشتراكي وأي تطوير للعامل العربي
في المواقف وما معنى أن العربية كلغة وتاريخ أو دم وجنس تطوّر فلسفة
معينة للتنظيم الاجتماعي بل كل ما وقع في المجال التطبيقي نتيجة للعامل
العربي إن هذا العامل أصبح يعني في مجال التطبيق استثناء ما يتنافى من
الاشتراكية مع التقاليد السائدة في المجتمع العربي والتي لم تحن الظروف
الموضوعية لتغييرها كالنزعات الروحية بما فيها الإيمان بالله فالإطار العربي
إذن لا يعطي الاشتراكية روحاً جديدة تختلف عن وضعها الفكري والعقائدي
المعاش في بلاد المستعمرين وإنما يراد به التعبير عن استثناءات معينة وقد تكون
موقوتة والاستثناء لا يغير جوهر القضية والمحتوى الحقيقي للشعار ولا يمكن
لدعاة الاشتراكية العربية أن يميزوا الفوارق الأصلية بين اشتراكية عربية
واشتراكية فارسية واشتراكية تركية ولا أن يفسروا كيف تختلف الإشتراكية
بمجرد إعطائها هذا الإطار القومي أو ذاك لأن الواقع أن المضمون والجوهر
لا يختلف وإنما هذه الأطر تعبر عن استثناءات قد تختلف من شعب إلى آخر
تبعاً لنوعية التقاليد السائدة في تلك الشعوب.

 

وبالرغم من أن دعاة الاشتراكية العربية قد فشلوا في تقديم مضمون
حقيقي جديد لهذه الاشتراكية عن طريق تأطيرها بالإطار العربي فإنهم أكدوا
بموقفهم هذا تلك الحقيقة التي قلناها وهي أن الأمة بحكم حساسيتها الناتجة
عن عصر الاستعمار لا يمكن بناء نهضتها الحديثة إلا على أساس قاعدة أصيلة
لا ترتبط في ذهن الأمة ببلاد المستعمرين أنفسهم.

وهنا يبرز فارق كبير بين مناهج الاقتصاد الأوروبي التي ترتبط في
ذهن الأمة بإنسان القارة المستعمرة مهما وضعت لها من إطارات وبين المنهج
الإسلامي الذي يرتبط في ذهن الأمة بتاريخها وأمجادها الذاتية ويعبر عن
أصالتها ولا يحمل أي طابع لبلاد المستعمرين فان شعور الأمة بأن الإسلام
هو تعبيرها الذاتي وعنوان شخصيتها التاريخية ومفتاح أمجادها السابقة يعتبر
عاملاً ضخماً جداً لإنجاح المعركة ضد التخلف وفي سبيل التنمية إذا استمد
لها المنهج من الإسلام واتخذ من النظام الإسلامي إطاراً للانطلاق.

وإلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار وكل
المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين يوجد هناك تعقيد آخر يشكّل صعوبة كبيرة
أيضاً في طريق نجاح المناهج الحديثة للاقتصاد الأوروبي إذا طبقت في العالم
الإسلامي وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون.
وهنا لا أريد أن أتحدث عن هذا التناقض لكي أقارن بين وجهة النظر الدينية
ووجهة النظر التي تتبناها تلك المناهج وأحاول أن أفضّل الأولى على الثانية
_ أي أني لا أريد أن أبحث هذا التناقض بحثاً عقائدياً مذهبياً _ وإنما أحاول
إبراز هذا التناقض بين مناهج الإنسان الأوروبي والعقيدة الدينية للإنسان
المسلم بوصفها قوة تعيش داخل العالم الإسلامي بقطع النظر عن أي تقييم لها
فإن هذه القوة مهما قدرنا لها من تفكك وانحلال نتيجة لعمل الاستعمار
ضدها في العالم الإسلامي لا يزال لها أثرها الكبير في توجيه السلوك وخلق
المشاعر وتحديد النظرة نحو الأشياء. وقد عرفنا قبل لحظات أن عملية التنمية

 

الاقتصادية ليست عملية تمارسها الدولة وتتبناها وتشرّع لها فحسب وإنما هي
عملية يجب أن تشترك فيها وتساهم بلون وآخر الأمة كلها. فإذا كانت
الأمة تحس بتناقض بين الإطار المفروض للتنمية وبين عقيدة لا تزال تعتز
بها وتحافظ على بعض وجهات نظرها في الحياة فسوف تحجم بدرجة تفاعلها
مع تلك العقيدة عن العطاء لعملية التنمية والاندماج في إطارها المفروض.

وخلافاً لذلك لا يواجه النظام الإسلامي هذا التعقيد ولا يمني بتناقض
من ذلك القبيل بل إنه إذا وضع موضع التطبيق سوف يجد في العقيدة الدينية
سنداً كبيراً له وعاملاً مساعداً على إنجاح التنمية الموضوعة في إطاره لأن
أساس النظام الإسلامي أحكام الشريعة الإسلامية وهي أحكام يؤمن المسلمون
عادة بقدسيتها وحرمتها ووجوب تنفيذها يحف عقيدتهم الإسلامية وإيمانهم
بأن الإسلام دين نزل من الشماء على خاتم النبيين (ص).

وما من ريب في أن من أهم العوامل في نجاح المناهج التي تتخذ لتنظيم
الحياة الاجتماعية احترام الناس لها وإيمانهم بحقها في التنفيذ والتطبيق.

وهب أن تجربة للتنمية الاقتصادية على أساس مناهج الاقتصاد الأوروبي
استطاعت أن تقضي على العقيدة الدينية وقوتها السلبية تجاه تلك المناهج فإن
هذا لا يكفي للقضاء على كل البناء العلوي الذي قام على أساس تلك العقيدة
عبر تاريخ طويل امتد أكثر من أربعة عشر قرناً وساهم على درجة كبيرة في
تكوين الإطار النفسي والفكري للإنسان داخل العالم الإسلامي. كما أن
القضاء على العقيدة الدينية لا يعني إيجاد الأرضية الأوروبية لتلك المناهج التي
نجحت على يد الإنسان الأوروبي لأنها وجدت الأرضية الصالحة لها والقادرة
على التفاعل معها.

فهناك في الواقع أخلاقية إسلامية تعيش بدرجة وأخرى داخل العالم
الإسلامي وهناك أخلاقية الاقتصاد الأوروبي التي واكبت الحضارة الغربية

 

اقتصـادنا_2

 

 

                                                            

 

الحديثة ونسجت لها روحها العامة ومهدت لنجاحها على الصعيد الاقتصادي.

والأخلاقيتان تختلفان اختلافاً جوهرياً في الاتجاه والنظرة والتقييم وبقدر
ما تصلح أخلاقية الإنسان الغربي الحديث لمناهج الاقتصاد الأوروبي تتعارض
أخلاقية إنسان العالم الإسلامي معها وهي أخلاقية راسخة لا يمكن استئصال
جذورها بمجرد تمييع العقيدة الدينية.

والتخطيط_ أي تخطيط للمعركة ضد التخلف_ كما يجب أن يدخل
في حسابه مقاومة الطبيعة في البلد الذي يراد التخطيط له درجة تمردها على
عمليات الإنتاج كذلك يجب أن يدخل في حسابه مقاومة العنصر البشري
ومدي انسجامه مع هذا الخطط أو ذاك.

إن الإنسان الأوروبي ينظر إلى الأرض دائماً لا إلى السماء وحتى
المسيحية بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان مئات السنين لم تستطع أن
تتغلب على النزعة الأرضية في الإنسان الأوروبي بل بدلاً عن أن ترفع
نظره إلى السماء استطاع هو أن يستنزل إله المسيحية من السماء إلى الأرض
ويجسده في كائن أرضي.

وليست المحاولات العلمية للتفتيش عن نسب الإنسان في فصائل الحيوان
وتفسير إنسانيته على أساس التكييف الموضوعي من الأرض والبيئة التي
يعيش فيها أو المحاولات العلمية لتفسير الصرح الإنساني كله على أساس
القوى المنتجة التي تمثل الأرض وما فيها من إمكانات ليست هذه المحاولات
إلا كمحاولة استنزال الإله إلى الأرض في مدلولها النفسي وارتباطها الأخلاقي
بتلك النظرة العميقة في نفس الإنسان الأوروبي إلى الأرض وإن اختلفت
تلك المحاولات في أساليبها وطابعها العلمي أو الأسطوري.

وهذه النظرة إلى الأرض أتاحت للإنسان الأوروبي أن ينشيئ قيماً
للمادة والثروة والتملك تنسجم مع تلك النظرة.

 

وقد استطاعت هذه القيم التي ترسخت عبر الزمن في الإنسان الأوروبي
أن تعبّر عن نفسها في مذاهب اللذة والمنفعة التي اكتسحت التفكير الفلسفي
الأخلاقي في أوروبا فإن لهذه المذاهب بوصفها نتاجاً فكرياً أوروبياً سجّل
نجاحاً كبيراً إلى الصعيد الفكري الأوروبي لها مغزاها النفسي ودلالتها على
المزاج العام للنفس الأوروبية.

وقد لعبت هذه التقييمات الخاصة للمادة والثروة والتملك دوراً كبيراً
في تفجير الطاقات المختزنة في كل فرد من الأمة ووضع أهداف لعملية
التنمية تتفق مع تلك التقييمات. وهكذا سرت في كل أوصال الأمة حركة
دائبة نشيطة مع مطلع الاقتصاد الأوروبي الحديث لا تعرف الملل أو الارتواء
من المادة وخيراتها وتملّك تلك الخيرات.

كما أن انقطاع الصلة الحقيقة للإنسان الأوروبي بالله تعالى ونظرته إلى
الأرض بدلاً عن النظرة إلى السماء انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن
قيمومة رفيعة من جهة أعلى أو تحديدات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته
وهيأه ذلك نفسياً وفكرياً للإيمان بحقه في الحرية وغمره بفيض من الشعور
بالاستقلال والفردية الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمه إلى اللغة
الفلسفية أو تعبر عنه على الصعيد الفلسفي فلسفة كبرى في تاريخ أوروبا
الحديثة وهي الوجودية إذ توجت تلك المشاعر التي غمرت الإنسان الأوروبي
الحديث بالصيغة الفلسفية فوجد فيها إنسان أوروبا الحديث أماله وأحاسيسه.

وقد قامت الحرية بدور رئيسي في الاقتصاد الأوروبي وأمكن لعملية
التنمية أن تستفيد من الشعور الراسخ لدى الإنسان الأوروبي بالحرية
والاستقلال والفردية في نجاح الاقتصاد الحر بوصفه وسيلة تتفق مع الميول
الراسخة في نفوس الشعوب الأوروبية وأفكارها وحتى حينما طرح الاقتصاد
الأوروبي منهجاً اشتراكياً حاول فيه أن ينطلق من الشعور بالفردية والأنانية
أيضاً مع تحويلها من فردية شخص إلى فردية طبقية.

 

وكلنا نعلم أن الشعور العميق بالحرية كان يوفر شرطاً أساسيا لكثير من
النشاطات التي ساهمت في عملية التنمية وهو انعدام الشعور بالمسؤولية
الأخلاقية الذي لم تكن تلك النشاطات لتتم بدونه.

والحرية نفسها كانت أداة لانفتاح الإنسان الأوروبي على مفهوم الصراع
لأنها جعلت لكل إنسان أن ينطلق دون أن يحده في انطلاقه شيء سوى وجود
الشخص الآخر إلذي يقف في الطرف المقابل كمحدد له فكان كل فرد
يشكّل بوجوده النفي لحرية الشخص الآخر.

وهكذا نشأت فكرة الصراع في ذهن الإنسان الأوروبي وقد عبرت
هذه الفكرة عن نفسها على الصعيد الفلسفي كما رأينا في سائر الأفكار الأساسية
التي كونت مزاج الحضارة الغربية الحديثة. عبرت هذه الفكرة_ فكرة
الصراع_ عن نفسها في الأفكار العلمية والفلسفية عن تنازع البقاء كقانون
طبيعي بين الأحياء أو عن حتمية الصراع الطبقي داخل المجتمع أو عن
الديالكتيك وتفسير الكون على أساس الأطروحة ونقضيها والمركب الناجم
عن الصراع بين النقيضين. إن كل هذه الاتجاهات ذات الطابع العلمي أو
الفلسفي هي قبل كل شيء تعبير عن واقع نفسي عام وشعور حاد لدى
إنسان الحضارة الحديثة بالصراع.

وكان للصراع أثره الكبير في توجيه الاقتصاد الأوروبي الحديث وما
واكبه من عمليات التنمية سواء ما اتخذ منه الشكل الفردي وعبر عن نفسه
بالتنافس المحموم وغير المحدود بين المؤسسات والمشاريع الرأسمالية الشخصية
في ظل الاقتصاد الحر التي كانت تنمو وتنمي الثروة الكلية من خلال صراعها
وتنافسها على البقاء أو ما اتخذ منه الشكل الطبقي وعبر عن نفسه بتجمعات
ثورية تتسلم مقاليد الإنتاج في البلاد وتحرك كل الطاقات لصالح التنمية
الاقتصادية.

 

هذه هي أخلاقية الاقتصاد الأوروبي وعلى هذه الأرضية استطاع هذا
الاقتصاد أن يبدأ حركته ويحقق نموه ويسجل مكاسبه الضخمة.

وهذه الأخلاقية تختلف عن الأخلاقية التي تعيشها الأمة داخل العالم
الإسلامي نتيجة لتاريخها الديني فالإنسان الشرقي الذي ربته رسالات السماء
وعاشت في بلاده ومر بتربية دينية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى
السماء قبل أن ينظر إلى الأرض ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بالمادة
والمحسوس.

وافتتانه العميق بعالم الغيب قبل عالم الشهادة هو الذي عبر عن نفسه
على المستوي الفكري في حياة المسلمين باتجاه الفكر في العالم الإسلامي إلى
المناحي العقلية من المعرفة البشرية دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس.

وهذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان المسلم حددت من قوة أغراء
المادة للإنسان المسلم وقابليتها لأثارته الأمر الذي يتجه بالإنسان في العالم
الإسلامي حين يتجرد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة وإغرائه باستثمارها
إلى موقف سلبي تجاهها يتخذ شكل الزهد تارة والقناعة أخرى والكسل ثالثة.

وقد روّضته هذه الغيبية على الشعور برقابة غير منظورة قد تعبر في وعي
المسلم التقي عن مسؤولية صريحة بين يدي الله تعالى وقد تعبر في ذهن مسلم
آخر عن ضمير محدّد وموجّه وهي على أي حال تبتعد بإنسان العالم الإسلامي
عن الإحساس بالحرية الشخصية والحرية الأخلاقية بالطريقة التي أحس بها
الإنسان الأوروبي.

ونتيجة لشعور الإنسان المسلم بتحديد داخلي يقوم على أساس أخلاقي
لصالح الجماعة التي يعيش ضمنها يحس بارتباط عميق بالجماعة التي ينتسب
إليها وانسجام بينه وبينها بدلاً عن فكرة الصراع التي سيطرت على الفكر
الأوروبي الحديث. وقد عزز فكرة الجماعة لدى الإنسان المسلم الإطار

 

العالمي لرسالة الإسلام الذي ينيط بحملة هذه الرسالة مسؤولية وجودها عالمياً
وامتدادها مع الزمان والمكان فإن تفاعل إنسان العالم الإسلامي على مر التاريخ
مع رسالة عالمية منفتحة على الجماعة البشرية يرسخ في نفسه الشعور بالعالمية
والارتباط بالجماعة. وهذه الأخلاقية التي يعيشها إنسان العالم الإسلامي إذا
لاحظناها بوصفها حقيقة مائلة في كيان الأمة يمكن الاستفادة منها في المنهجة
للاقتصاد داخل العالم الإسلامي ووضعه في إطار يواكب تلك الأخلاقية
لكي تصبح قوة دفع وتحريك كما كانت أخلاقية مناهج الاقتصاد الأوروبي
الحديث عاملاً كبيراً في إنجاح تلك المناهج لما بينهما من انسجام.

فنظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض يمكن أن تؤدي إلى
موقف سلبي تجاه الأرض وما في الأرض من ثروات وخيرات يتمثل في
الزهد أو القناعة أو الكسل إذا فصلت الأرض عن السماء وأما إذا ألبست
الأرض إطار السماء وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة
فسوف تتحول تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم إلى طاقة محركة وقوة
دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع المستوى الاقتصادي. وبدلاً عما
يحسه اليوم المسلم السلبي من برود تجاه الأرض أو ما يحسه المسلم النشيط
الذي يتحرك وفق أساليب الاقتصاد الحر أو الاشتراكي من قلق نفسي في
أكثر الأحيان ولو كان مسلماً متميعاً سوف يولد انسجام كامل بين نفسية
إنسان العالم الإسلامي ودوره الايجابي المرتقب في عملية التنمية.

ومفهوم إنسان العالم الإسلامي عن التحديد الداخلي والرقابة الغيبية الذي
يجعله لا يعيش فكرة الحرية بالطريقة الأوروبية يمكن أن يساعد إلى درجة
كبيرة في تفادي الصعاب التي تنجم عن الاقتصاد الحر والمشاكل التي
تواجهها التنمية الاقتصادية في ظله عن تخطيط عام يستمد مشروعيته في ذهن
إنسان العالم الإسلامي من مفهومه عن التحديد الداخلي و الرقابة غير المنظورة
أي يستند إلى مبررات أخلاقية.

 

والإحساس بالجماعة والارتباط بها يمكن أن يساهم إلى جانب ما تقدم
في تعبئة طاقات الأمة الإسلامية للمعركة ضد التخلف إذا أعطي للمعركة
شعار يلتقي مع ذلك الإحساس كشعار الجهاد في سبيل الحفاظ على كيان
الأمة وبقائها الذي أعطاه القرآن الكريم حين قال (وأعدوا لهم ما استطعتم
من قوة) فأمر بإعداد كل القوى الاقتصادية التي يمثلها مستوى
الإنتاج باعتباره جزءاً من معركة الأمة وجهادها للاحتفاظ بوجودها وسيادتها.

وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر
على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي التي رأيناها وتحويلها إلى
طاقة دفع وبناء كبيرة في عمليات التنمية وإنجاح تخطيط سليم للحياة الاقتصادية.

فنحن حينما نأخذ بالنظام الإسلامي سوف نستفيد من هذه الأخلاقية
ونستطيع أن نعبأها في المعركة ضد التخلف على عكس ما إذا أخذنا بمناهج
في الاقتصاد ترتبط نفسياً وتاريخياً بأرضية أخلاقية أخرى.

وقد أخذ بعض المفكرين الأوروبيين يدركون هذه الحقيقة أيضاً ويلمحون
إليها معترفين بأن مناهجهم لا تتفق مع طبيعة العالم الإسلامي واذكر كمثال
على ذلك جاك أو ستروى فقد سجل هذه الملاحظة بكل وضوح في كتابه
((التنمية الاقتصادية)) بالرغم من أنه لم يستطع أن يبرز التسلسل الفني والمنطقي
لتكوّن الأخلاقية الأوروبية وتكوّن الأخلاقية الإسلامية وترتب حلقاتها ولا
الأبعاد الكاملة لمحتوى كل من الأخلاقيتين وتورط في عدة أخطاء وبالرغم
من أمكان الاعتماد بصورة كاملة في إبراز هذه الأخطاء على ما كتبه الأستاذ
الجليل محمد المبارك في مقدمة الكتاب والأستاذ الدكتور نبيل صبحي الطويل
الذي ترجم الكتاب إلى العربية فإن بودي أن أتوسع في فرصة مقبلة بهذا
الصدد مكتفياً الآن بالقول بأن اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء لا يعني

 

بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر واتكاله على الظروف والفرص
وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع كما حاول ذلك جاك أو ستروي
بل إن هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبر في الحقيقة عن مبدأ خلافة الإنسان
في الأرض فهو يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله
ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان
وطاقاته التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون كما لا أعرف
مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف لأن
الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه ولا مسؤولية بدون
حرية وشعور بالاختيار والتمكن من التحكم في الظروف وإلا فأي استخلاف
هذا إذا كان الإنسان مقيداً أو مسيّراً ولهذا قلنا إن إلباس الأرض إطار
السماء يفجر في الإنسان المسلم طاقاته ويثير إمكاناته بينما قطع الأرض عن
السماء يعطل في الخلافة معناها ويجمد نظرة الإنسان المسلم إلى الأرض في
صيغة سلبية فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء
بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في هذه النظرة بتقديم الأرض إلى هذا
الإنسان في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة.

وإضافة إلى كل ما تقدم نلاحظ أن الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام
يتيح لنا أن تقيم حياتنا كلها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد
لأن الإسلام يمتد إلى كلا الجانبين بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية
الأخرى غير الإسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من
حياة الإنسان ومثله فإذا أخذنا مناهجنا العامة في الحياة من مصادر بشرية
بدلاً عن النظام الإسلامي لم نستطع أن نكتفي بذلك عن تنظيم آخر للجانب
الروحي ولا يوجد مصدر صالح لتنظيم حياتنا الروحية إلا الإسلام فلا بد
 

 

حينئذ من إقامة كل من الجانبين الروحي والاجتماعي على أساس خاص به
مع أن الجانبين ليسا منعزلين أحدهما عن الآخر بل هما متفاعلان إلى درجة
كبيرة وهذا التفاعل يجعل إقامتهما على أساس واحد أسلم وأكثر انسجاماً
مع التشابك الأكيد بين النشاطات الروحية والاجتماعية في حياة الإنسان.

 

العراق _ النجف الأشر ف                           محمد باقر الصدر



 

 

 

 

   مقـدمة الطـبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة المؤلف

كنا يا قرائي الأعزاء على موعد منذ افترقنا في كتاب فلسفتنا، فقد
حدثتكم. أن(فلسفتنا) هي الحلقة الأولى من دراستنا الإسلامية، بوصفها
دراسة تعالج الصرح الإسلامي الشامخ، الصرح العقائدي للتوحيد، وتتلوها
بعد ذلك الدراسات التي تتعلق بالبنيات الفوقية في ذلك الصرح الإسلامي،
لتكتمل لنا في نهاية المطاف صورة ذهنية كاملة عن الإسلام، بوصفه عقيدة
حية في الأعماق، ونظاماً كاملاً للحياة، ومنهجاً خاصاً قي التربية والتفكير.

قلنا هذا في مقدمة(فلسفتنا)، وكنا نقدّر أن يكون(مجتمعنا) هو
الدراسة الثانية في بحوثنا، نتناول فيها أفكار الإسلام عن الإنسان وحياته
الاجتماعية، وطريقته في تحليل المركب الاجتماعي وتفسيره، لننتهي
من ذلك إلى المرحلة الثالثة، إلى النظم الإسلامية للحياة التي تتصل بأفكار
الإسلام الاجتماعية، وترتكز على صرحه العقائدي الثابت. ولكن شاءت
رغبة القراء الملحة أن نؤجل مجتمعنا، ونبدأ بإصدار اقتصادنا عجلة منهم في

 

الإطلاع على دراسة مفصلة للاقتصاد الإسلامي: في فلسفته وأسسه وخطوطه وتعاليمه.

وهكذا كان، فتوفرنا على أنجاز(اقتصادنا) محاولين أن نقدم فيه
الصورة الكاملة نسبياً عن الاقتصاد الإسلامي، كما نفهمه اليوم من مصادره
وينابيعه.

وكنت أرجو أن يكون لقاؤنا هذا أقرب مما كان، ولكن ظروفاً قاهرة
اضطرت إلى شيء من التأخير، بالرغم من الجهود التي بذلتها بالتضامن
مع عضدي المفدى العلامة الجليل السيد محمد باقر الحكيم، في سبيل إنجاز
هذه الدراسة ووضعها بين أيديكم في أقرب وقت ممكن.

*     *     *

وبودّي أن أقول هنا وفي المقدمة شيئاً عن كلمة(اقتصادنا) أو كلمة
الاقتصاد الإسلامي الذي تدور حوله بحوث الكتاب، وما أعنيه بهذه الكلمة
حين أطلقها لأن كلمة الاقتصاد ذات تاريخ طويل في التفكير الإنساني،
وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرت بها، وللازدواج
في مدلولها بين الجانب العلمي من الاقتصاد والجانب المذهبي. فحين نريد
أن نعرف مدلول الاقتصاد الإسلامي بالضبط، يجب أن نميز علم الاقتصاد
عن المذهب الاقتصادي، وندرك مدى التفاعل بين التفكير العلمي والتفكير
المذهبي، لننتهي من ذلك إلى تحديد المقصود من الاقتصاد الإسلامي، الذي
نتوفر على دراسته في هذا الكتاب.

فعلم الاقتصاد هو: العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها
وظواهرها، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي
تتحكم فيها.

 

وهذا العلم حديث الولادة، فهو لم يحدث_ بالمعني الدقيق للكلمة_
إلا في بداية العصر الرأسمالي منذ أربعة قرون تقريباً، وإن كانت جذوره
البدائية تمتد إلى أعماق التاريخ، فقد ساهمت كل حضارة في التفكير
الاقتصادي بمقدار ما أتيح لها من إمكانات، غير أن الاستنتاج العلمي الدقيق
الذي نجده لأول مرة في علم الاقتصاد السياسي، مدين للقرون الأخيرة.

وأما المذهب الاقتصادي للمجتمع فهو: عبارة عن الطريقة التي يفضّل
المجتمع أتباعها في حياته الاقتصادية، وحل مشاكلها العملية.

وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نتصور مجتمعاً دون مذهب اقتصادي،
لأن كل مجتمع يمارس إنتاج الثروة وتوزيعها لا بد له من طريقة يتفق عليها
في تنظيم هذه العمليات الاقتصادية، وهذه الطريقة هي التي تحدد موقفه
المذهبي من الحياة الاقتصادية.

ولا شك في أن اختيار طريقة معينة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس اعتباطاً
مطلقاً، وإنما يقوم دائماً على أساس أفكار ومفاهيم معينة، ذات طابع أخلاقي
أو علمي أو أي طابع آخر. وهذه الأفكار والمفاهيم تكوّن الرصيد الفكري
للمذهب الاقتصادي القائم على أساسها. وحين يدرس أي مذهب اقتصادي
يجب أن يتناول من ناحية: طريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية، ومن ناحية:
رصيده من الأفكار والمفاهيم التي يرتبط المذهب بها. فإذا درسنا مثلاً
المذهب الرأسمالي القائل: بالحرية الاقتصادية.. كان لزاماً علينا أن نبحث
الأفكار والمفاهيم الأساسية، التي يقوم على أساسها تقديس الرأسمالية للحرية
وإيمانها بها.. وهكذا الحال في أي دراسة مذهبية أخرى.

ومنذ بدأ علم الاقتصاد السياسي يشق طريقه في مجال التفكير الاقتصادي،
أخذت بعض النظريات العلمية في الاقتصاد تكوّن جزءاً من هذا الرصيد
الفكري للمذهب.

 

فالتجاريون مثلاً_ وهم طلائع التفكير الاقتصادي الحديث_ حين
زعموا أنهم فسروا من ناحية علمية كمية الثروة لدى كل أمة: بالمقدار الذي
تمكله من النقد، استخدموا هذه الفكرة في وضع مذهبهم التجاري، فدعوا
إلى تنشيط التجارة الخارجية بوصفها الأداة الوحيدة بجلب النقد من الخارج،
ووضعوا معالم سياسة اقتصادية، تؤدي إلى زيادة قيمة البضائع المصدرة على
قيمة البضائع المستوردة، لتدخل إلى البلاد نقود بقدر الزيادة في الصادرات.

والطبيعيون حين جاؤا بتفسير جديد للثروة، قائم على أساس الإيمان:
بأن الإنتاج الزراعي وحده هو الإنتاج الكفيل بتنمية الثروة وخلق القيم
الجديدة، دون التجارة والصناعة. . وضعوا في ضوء التفسير العلمي المزعوم
سياسة مذهبية جديدة، تهدف إلى العمل على ازدهار الزراعة وتقدمها،
بوصفها قوام الحياة الاقتصادية كلها.

و(مالتس) حين قرر في نظريته الشهيرة على ضوء إحصاءاته العلمية:
إن نمو البشر أسرع نسبياً من نمو الإنتاج الزراعي، مما يؤدي حتماً إلى مجاعة
هائلة في مستقبل الإنسانية، لزيادة الناس على المواد الغذائية.. تبنّى الدعوة
إلى تحديد النسل، ووضع لهذه الدعوة أساليبها السياسية والاقتصادية والأخلاقية.

وحين فسر الاشتراكيون قيمة السلعة: بالعمل المنفق على إنتاجها..
شجبوا الربح الرأسمالي، وتبنوا المذهب الاشتراكي في التوزيع الذي يجعل
الناتج من حق العامل وحده، لأنه الخالق الوحيد للقيمة التي يتمتع بها الناتج.

وهكذا أخذت جملة من النظريات العلمية تؤثر على النظرة المذهبية،
وتنير الطريق أمام الباحثين المذهبيين([1]).

 

وجاء بعد ذلك دور ماركس، فأضاف إلى الرصيد الفكري للمذهب
الاقتصادي شيئاً حديداً، وهو علم التاريخ أو ما أسماه بالمادية التاريخية،
التي زعم فيها: أنه كشف القوانين الطبيعية التي تتحكم في التاريخ، واعتبر
المذهب نتاجاً حتمياً لتلك القوانين. فلكي نعرف المذهب الاقتصادي الذي
يجب أن يسود في مرحلة معينة من التاريخ، يجب أن نرجع إلى تلك القوانين
الحتمية لطبيعة التاريخ ونكشف عن مقتضياتها في تلك المرحلة.

ولأجل ذلك آمن ماركس: بالمذهب الاشتراكي والشيوعي بوصفه
النتاج الحتمي لقوانين التاريخ التي بدأت تتمخض عنه في هذه المرحلة من
حياة الإنسان. وبهذا ارتبط المذهب الاقتصادي بدراسة علم التاريخ كما
ارتبط قبل ذلك ببعض الدراسات في علم الاقتصاد السياسي.

وعلى هذا الأساس، فنحن حين نطلق كلمة: (الاقتصاد الإسلامي)
لا نعني بذلك علم الاقتصاد السياسي مباشرة، لأن هذا العلم حديث الولادة
نسبياً، ولأن الإسلام دين دعوة ومنهج حياة وليس من وظيفته الأصيلة
ممارسة البحوث العلمية.. وإنما نعني بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي
للإسلام، الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية،
بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري، يتألف من أفكار الإسلام
الأخلاقية والأفكار العلمية الاقتصادية أو التاريخية التي تتصل بمسائل الاقتصاد
السياسي أو بتحليل تاريخ المجتمعات البشرية.

وهكذا فنحن نريد بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي منظوراً
إليه في إطاره الكامل، وفي ارتباطه بالرصيد الفكري الذي يعتمد عليه،
ويفسر وجهة نظر المذهب في المشاكل التي يعالجها.

وهذا الرصيد الفكري يتحدد لدينا وفقاً لبيانات مباشرة في الإسلام،
أو للأضواء التي يلقيها نفس المذهب على مسائل الاقتصاد والتاريخ. فإن

 

 

المزاج العلمي للإسلام في بحوث علم الاقتصاد السياسي، أو في بحوث
المادية التاريخية وفلسفة التاريخ... يمكن أن يدرس ويستكشف من خلال
المذهب الذي يتبناه ويدعو إليه.

فحينما نريد أن نعرف مثلاً: رأي الإسلام من الناحية العلمية في تفسير
قيمة السلعة وتحديد مصدرها، وكيف تتكون للسلعة قيمتها؟ وهل تكتسب
هذه من العمل وحده أو من شيء آخر؟.. يجب أن نتعرف على ذلك من
خلال وجهة نظر الإسلام المذهبية إلى الربح الرأسمالي، ومدي اعترافه
بعدالة هذا الربح.

وحينما نريد أن نعرف: رأي الإسلام في حقيقة الدور الذي يلعبه كل
من رأس المال ووسائل الإنتاج والعمل في عملية الإنتاج... يجب أن ندرس
ذلك من خلال الحقوق التي أعطاها الإسلام لكل واحد من هذه العناصر في
مجال التوزيع، كما هو مشروع في أحكام: الإجارة، والمضاربة، والمساقاة،
والمزارعة، والبيع، والقرض.

وحين نريد أن نعرف: رأي الإسلام في نظرية مالتس الآنفة الذكر
عن زيادة السكان، يمكننا أن نفهم ذلك في ضوء موقفه من تحديد النسل في
سياسته العامة.

وإذا أردنا أن نستكشف: رأي الإسلام في المادية التاريخية وتطورات
التاريخ المزعومة فيها، يمكننا أن نكشف ذلك من خلال الطبيعة الثابتة للمذهب الاقتصادي في الإسلام، وإيمانه بإمكان تطبيق هذا المذهب في كل مراحل
التاريخ التي عاشها الإنسان منذ ظهور الإسلام، وهكذا...  

*     *     *

والآن، بعد أن حددنا مدلول الاقتصاد الإسلامي بالقدر الذي ييسر
فهم الدراسات المقبلة، يجب أن نتحدث بشكل خاطف عن فصول الكتاب:

 

فالكتاب يتناول في الفصل الأول المذهب الماركسي. ونظراً إلى أنه يملك
رصيداً علمياً يتمثل في المادية التاريخية، فقد درسنا أولاً هذا الرصيد الفكري.
ثم انتهينا من ذلك إلى نقد المذهب بصورة مباشرة، وخرجنا من ذلك بنسف
الأسس العلمية المزعومة التي قوم عليها الكيان المذهبي للماركسية: وأما
الفصل الثاني: فقد خصص لدرس الرأسمالية ونقدها، في أسسها وتحديد
علاقتها بعلم الاقتصاد السياسي.

وتبدأ دراسة الاقتصاد الإسلامي بصورة مباشرة من الفصل الثالث،
فنتحدث في هذا الفصل عن مجموعة من الأفكار الأساسية لهذا الاقتصاد،
ثم ننتقل إلى التفاصيل في الأصول الأخرى، لنشرح نظام التوزيع ونظام
الإنتاج في الإسلام، بما يشتمل عليه النظامان من تفاصيل عن تقسيم الثروات
الطبيعية، وتحديدات الملكية الخاصة، ومباديء التوازن، والتكافل،
والضمان العام، والسياسة المالية وصلاحيات الحكومة في الحياة الاقتصادية،
ودور عناصر الإنتاج: من العمل، ورأس المال ووسائل الإنتاج، وحق
كل واحد منها في الثروة المنتجة، وما إلى ذلك من الجوانب المختلفة،
التي تشترك بجموعها في تقديم الصورة الكاملة المحددة عن الاقتصاد الإسلامي...

*     *     *

وأخيراً، فقد بقيت عدة نقاط تتصل ببحوث الكتاب، وخاصة
الفصول الأخيرة التي تستعرض تفصيلات الاقتصاد الإسلامي، يجب تسجيلها
منذ البدء.

1- إن الآراء الإسلامية فيما يتصل بالجوانب الفقهية من الاقتصاد
الإسلامي، تعرض في هذا الكتاب عرضاً مجرداً عن أساليب الاستدلال
                                                                 

 

 
 

اقتصـادنا_3

 

 


وطرق البحث العلمي في الدراسات الفقهية الموسعة. وحين تسند تلك الآراء
بمدارك إسلامية من آيات وروايات لا يقصد من ذلك الاستدلال على الحكم
الشرعي بصورة علمية، لأن البرهنة على الحكم بآية أو رواية لا يعني مجرد
سردها، وإنما يتطلب عمقاً ودقة واستيعاباً بدرجة لا تلتقي مع الغرض الذي
ألّف لأجله هذا الكتاب، وإنما نرمي من وراء عرض تلك الآيات والروايات
أحياناً، إلى إيجاد خبرة عامة للقاريء بالمدارك الإسلامية.

 

2- الآراء الفقهية التي تعرض في الكتاب، لا يجب أن تكون مستنبطة
من المؤلف نفسه، بل قد يعرض الكتاب لآراء تخالف من الناحية الفقهية
اجتهاد الكاتب في المسألة، وإنما الصفة العامة التي لوحظ توفرها في تلك
الآراء هي: أن تكون نتيجة لاجتهاد أحد المجتهدين، بقطع النظر عن
عدد القائلين بالرأي وموقف الأكثرية منه.

3- قد يعرض الكتاب أحكاماً شرعية بشكل عام دون أن تتناول
تفصيلاتها، وبعض الفروض الخارجة عن نطاقها، نظراً إلى أن الكتاب
لا يتسع لكل التفاصيل والتفريعات.

4- يؤكد الكتاب دائماً على الترابط بين أحكام الإسلام، وهذا
لا يعني أنها أحكام ارتباطية وضمنية بالمعني(الأصولي)، حتى إذا عطل
بعض تلك الأحكام سقطت سائر الأحكام الأخرى، وإنما يقصد من ذلك
أن الحكمة التي تُستهدف من وراء تلك الأحكام لا تحقق كاملة دون أن
يطبق الإسلام، بوصفه كلاً لا يتجزأ، وإن وجب في واقع الحال امتثال
كل حكم بقطع النظر عن امتثال حكم آخر أو عصيانه.

5- توجد تقسيمات في الكتاب في بعض جوانب الاقتصاد الإسلامي،
لم ترد بصراحة في نص شرعي، وإنما انتزعت من مجموع الأحكام الشرعية
الواردة في المسألة، ولذلك فإن تلك التقسيمات تتبع في دقتها مدى انطباق
تلك الأحكام الشرعية عليها.

 

6-جاءت في الكتاب ألفاظ قد يساء فهمها. ولهذا شرحنا مدلولها
وفقاً لمفهومنا عنها، خوفاً من الالتباس، كملكية الدولة التي تعني في
مفهومنا: كل مال كان ملكاً للمنصب الإلهي في الدولة، فهو ملك للدولة.
ولمن يشغل المنصب أصالة أو وكالة التصرف فيه، وفقاً لما قرره الإسلام.

*     *     *

وبعد فإن هذا الكتاب لا يتناول السطح الظاهري للاقتصاد الإسلامي
فحسب، ولا يعني بصبه في قالب أدبي حاشد بالكلمات الضخمة والتعميمات
الجوفاء.. وإنما هو محاولة بدائية_مهما أوتي من النجاح وعناصر الابتكار_
للغوص إلى أعماق الفكرة الاقتصادية في الإسلام، وصبها في قالب فكري
ليقوم على أساسها صرح شامخ للاقتصاد الإسلامي، ثري بفلسفته وأفكاره 
الأساسية، واضح في طابعه ومعلمه واتجاهاته العامة، محدد في علاقته وموقفه
من سائر المذاهب الاقتصادية الكبرى، مرتبط بالتركيب العضوي الكامل
للإسلام...

فيجب إذن أن يدرس هذا الكتاب بوصفه بذرة بدائية لذلك الصرح
الإسلامي، ويطلب منه أن يفلسف الاقتصاد الإسلامي في نظرته إلى الحياة
الاقتصادية وتاريخ الإنسان، ويشرح المحتوي الفكري لهذا الاقتصاد.

((وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)).

      النجف الأشر ف                                  محمد باقر الصدر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                   

مـع الماركسّيـة

نظرية المادية التاريخية

1_ تمهيد

2_ النظرية على ضوء الأسس الفلسفية

3_ النظرية بما هي عامة

4_ النظرية بتفاصيلها

 

المذهب الماركسي

1_ الاشتراكية

2_ الشيوعية



 

 

 

نظرية المادية التاريخيّة

1_ تمهيد

حين نتناول الماركسية على الصعيد الاقتصادي، لا يمكننا أن نفصل بين
وجهها المذهبي، المتمثل في الاشتراكية والشيوعية الماركسية، ووجهها
العلمي المتمثل في المادية التاريخية، أو المفهوم المادي للتاريخ، الذي زعمت
الماركسية أنها حددت فيه القوانين العلمية العامة، المسيطرة على التاريخ
البشري واكتشفت في تلك القوانين النظام المحتوم لكل مرحلة تاريخية من
حياة الإنسان، وحقائقها الاقتصادية المتطورة على مر الزمن.

وهذا الترابط الوثيق بين المذهب الماركسي، والمادية التاريخية، سوف
ينكشف خلال البحوث الآتية أكثر فأكثر إذ يبدو في ضوئها بكل وضوح،
أن الماركسية المذهبية، ليست في الحقيقة إلا مرحلة تاريخية معينة، وتعبيراً
محدوداً نسبياً عن المفهوم المادي المطلق للتاريخ، فلا يمكن أن نصدر حكماً
في حق الماركسية المذهبية، بصفتها مذهباً له اتجاهاته و خطوطه الخاصة،
إلا إذا استوعبنا الأسس الفكرية التي ترتكز عليها، وحددنا موقفنا من

 

المادية التاريخية، بوصفها القاعدة المباشرة للمذهب، والهيكل المنظم لقوانين
الاقتصاد والتاريخ، التي تملي_في زعم الماركسية_على المجتمع مذهبه
الاقتصادي، وتصنع له نظامه في الحياة طبقاً، لمرحلته التاريخية وشروطه
المادية الخاصة.

والمادية التاريخية إذا أدت امتحانها العلمي، ونجحت فيه، كانت هي
المرجع الأعلى في تحديد المذهب الاقتصادي، والنظام الاجتماعي، لكل
مرحلة تاريخية من حياة الإنسان. وأصبح من الضروري أن يدرس كل
مذهب اقتصادي واجتماعي، من خلال قوانينها، وفي ضوئها. كما وجب
أن يرفض تصديق أي مذهب اقتصادي واجتماعي، يزعم لنفسه القدرة على
استيعاب عدة أدوار تاريخية مختلقة، كالإسلام، المؤمن بإمكانية إقامة
المجتمع، وعلاقاته الاقتصادية والسياسية على أساسه بقطع النظر عما طرأ
على المجتمع من تغيير في شروطه المدنية والمادية، خلال أربعة عشر قرناً،
ولأجل هذا يقرر انجلز_على أساس المادية التاريخية_بوضوح:

((إن الظروف التي ينتج البشر تحت ظلها،تختلف
بين قطر
 و آخر. وتختلف في القطر الواحد من جيل
لآخر.لذا فليس من الممكن أن يكـون للأقطار كافة،
وللأدوار التاريخية جمعاء، اقتصاد سياسي واحد
))([2])

وأما إذا فشلت المادية التاريخية في أداء مهمتها العلمية المزعومة، وثبت
لدى التحليل أنها لا تعبّر عن القوانين الصارمة الأبدية، للمجتمعات البشرية،
فمن الطبيعي عندئذ أن تنهار الماركسية المذهبية، المرتكزة عليها. ويصبح من

 

الممكن علمياً عند ذاك، أن يتبنى الشخص المذهب الذي لا تقره قوانين
المادية التاريخية، كالمذهب الإسلامي، ويدعو إليه، بل وأن يزعم له من
العموم وقدرة الاستيعاب، ما لا يتفق مع منطق الماركسية في التاريخ.

ولهذا نجد لزاماً على كل باحث مذهبي في الاقتصاد، أن يلقي نظرة
شاملة على المادية التاريخية، لكي يبرر وجهة نظره المذهبية، ويستطيع أن يحكم
في حق الماركسية المذهبية، حكماً أساسياً شاملاً.

وعلى هذا الأساس سوف نبدأ في بحثنا_مع الماركسية_بالمادية التاريخية،
ثم نتناول المذهب الماركسي، الذي يرتكز عليها. وبمعني آخر ندرس:

أولاً: علم الاقتصاد والتاريخ الماركسي. وثانياً: مذهب الماركسية في
الاقتصاد.

 

نظريات العامل الواحد

والمادية التاريخية طريقة خاصة في تفسير التاريخ، تتجه إلى تفسيره بعامل
واحد وليس هذا الاتجاه في المادية التاريخية فريداً من نوعه، فقد جنح
جمهور من الكتاب والمفكرين، إلى تفسير المجتمع والتاريخ بعامل واحد،
من العوامل المؤثرة في دنيا الإنسان، إذ يعتبرونه المفتاح السحري الذي يفتح
مغاليق الأسرار، ويمتلك الموقف الرئيسي في عمليات التاريخ. ويفسرون
العوامل الأخرى على أنها مؤثرات ثانوية، تتبع العامل الرئيسي في وجودها
وتطورها، وفي تقلباتها واستمرارها.

*     *     *

فمن ألوان هذا الاتجاه إلى توحيد القوة المحركة للتاريخ في عامل واحد،
الرأي القائل: بالجنس كسبب أعلى في المضمار الاجتماعي فهو يؤكد أن

 

الحضارات البشرية، والمدنيات الاجتماعية، تختلف بمقدار الثروة المذخورة
في صميم الجنس، وما ينطوي عليه من قوى الدفع والتحريك، وطاقات
الإبداع والبناء. فالجنس القوي النقي المحض، هو مبعث كل مظاهر الحياة في
المجتمعات الإنسانية، منذ الأزل إلى العصر الحديث، وقوام التركيب
العضوي والنفسي في الإنسان وليس التأريخ إلا سلسلة مترابطة من ظواهر
الكفاح بين الأجناس والدماء التي تخوض معركة الحياة في سبيل البقاء،
فيكتب فيها النصر للدم النقي القوي، وتموت في خضمه الشعوب الصغيرة،
وتضمحل وتذوب، بسبب ما تفقده من طاقات في جنسها، وما تخسره من
قابلية المقاومة النابعة من نقاء الدم.

*     *     *

ومن تفسيرات التاريخ بالعامل الواحد: المفهوم الجغرافي للتأريخ، الذي
يعتبر العامل الجغرافي والطبيعي أساساً لتأريخ الأمم والشعوب، فيختلف تأريخ
الناس، باختلاف ما يكتنفهم من العوامل الجغرافية والطبيعية،لأنها هي التي
تشق لهم طريق الحضارة الراقية، وتوفر لهم أسباب المدنية، وتفجّر في
عقولهم الأفكار البنّاءة أحياناً، وتوصد في وجوههم الأبواب، وتفرض
عليهم السير في مؤخر القافلة البشرية أحياناً أخرى، فالعامل الجغرافي هو الذي
يكيّف المجتمعات، بما يتفق مع طبيعته ومتطلباته.

*     *     *

وهناك تفسير ثالث بالعامل الواحد، نادى به بعض علماء النفس قائلاً:
إن الغريزة الجنسية، هي السر الحقيقي الكامن وراء مختلف النشاطات

 

الإنسانية، التي يتألف منها التاريخ والمجتمع فليست حياة الإنسان إلا سلسلة
من الاندفاعات الشعورية، أو اللاشعورية عن تلك الغريزة.

*     *     *

وآخر هذه المحاولات، التي جنحت إلى تفسير التأريخ والإنسان بعامل
واحد، هي المادية التاريخية التي بشر بها كارل ماركس، مؤكداً فيها: إن
العامل الاقتصادي، هو العامل الرئيسي، والرائد الأول للمجتمع في نشوئه
وتطوره والطاقة الخلاقة لكل محتوياته الفكرية والمادية، وليست شتى العوامل
الأخرى، إلا بنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ، فهي تتكيف وفقاً
للعامل الرئيسي، وتتغير بموجب قوته الدافعة، التي يسير في ركبها التأريخ
والمجتمع.

*     *     *

وكل هذه المحاولات لا تتفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام، لأن كل
واحد منها قد حاول أن يستوعب بعامل واحد، تفسير الحياة الإنسانية كلها،
وأن يهب هذا العامل من ادوار التأريخ وفضول المجتمع، ما ليس جديراً به
لدى الحساب الشامل الدقيق.

والهدف الأساسي من بحثنا هذا، هو: دراسة المادية التاريخية من تلك
المحاولات وإنما استعرضناها جميعاً لأنها تشترك في التعبير عن اتجاه فكري
في تفسير الإنسان المجتمعي بعامل واحد.

العامل الاقتصادي أو المادية التاريخية

ولنكوّن الآن فكرة عامة عن المفهوم الماركسي للتاريخ، الذي يتبنى
العامل الاقتصادي، بصفته المحرك الحقيقي لموكب البشرية في كل الميادين.

 

فالماركسية تعتقد أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع، هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والفكرية، وما إليها من ظواهر الوجود
الاجتماعي. والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به، ككل شيء في
هذه الدنيا. وهذا السبب_السبب الرئيسي لمجموع التطور الاجتماعي، وبالتالي
لكل حركة تاريخية في حياة الإنسان_هو وضع القوة المنتجة ووسائل الإنتاج.
فوسائل الإنتاج هي القوة الكبرى
، التي تصنع تاريخ الناس وتطورهم وتنظمهم.
وهكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط، وتصل إلى تسلسلها الصاعد
إلى السبب الأول، في الحركة التاريخية بمجموعها.

وهنا يبدو سؤالان: ما هي وسائل الإنتاج؟. وكيف تنشأ عنها الحركة
التاريخية، والحياة الاجتماعية كلها؟.

وتجيب الماركسية على السؤال الأول: بأن وسائل الإنتاج هي الأدوات
التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادية ذلك أن الإنسان مضطر إلى
الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده، وهذا الصراع يتطلب وجود قوي
وأدوات معينة، يستعملها الإنسان في تذليل
 الطبيعة واستثمار خيراتها. وأول
أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال، هي: يده وذراعه. ثم أخذت الأداة
تظهر في حياته شيئاً فشيئاً، فاستفاد من الحجر بصفته كتله ذات ثقل خاص
في، القطع، والطحن، والطرق. واستطاع بعد مرحلة طويلة من التأريخ،
أن يثبت هذه الكتلة الحجرية على مقبض فنشأت المطرقة. وأصبحت اليد
تستخدم في تكوين الأداة المنتجة، لا في الإنتاج المباشر، وصار الإنتاج يعتمد
على أدوات منفصلة، وأخذت هذه الأدوات تنمو وتتطور كلما ازدادت سلطة
الإنسان على الطبيعة، فصنع الفؤوس، والحراب، والسكاكين الحجرية،
ثم تمكن بعد ذلك أن يخترع القوس والسهم ويستعملهما في الصيد. وهكذا
تدرّجت القوى المنتجة تدرجاً بطيئاً، خلال آلاف السنين، حتى وصلت
إلى مرحلتها التاريخية الحاضرة، التي أصبح فيها البخار، والكهرباء،

 

والذرة، هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث. فهذه هي القوى
المنتجة التي تصنع للإنسان حاجاته المادية.

وتجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضاً: بأن الوسائل المنتجة تولد
الحركة التاريخية، طبقاً لتطوراتها وتناقضاتها. وتشرح ذلك قائلة إن القوى
المنتجة في تطور ونمو مستمر، كما رأينا وكل درجة معينة من تطور هذه
القوى والوسائل، لها شكل خاص من أشكال الإنتاج. فالإنتاج الذي يعتمد
على الأدوات الحجرية البسيطة، يختلف عن الإنتاج القائم على السهم،
والقوس، وغير هما، من أدوات الصيد، وإنتاج الصائد، يختلف عن
إنتاج الراعي أو المزارع، وهكذا يصبح لكل مرحلة من تاريخ المجتمع
البشري، أسلوبه الخاص في الإنتاج، وفقاً لنوعية القوى المنتجة، ودرجة
نموها وتطورها.

ولما كان الناس في نضالهم مع الطبيعة، لاستثمارها في إنتاج الحاجات
المادية ليسوا منفردين، منعزلاً بعضهم عن بعض، بل ينتجون في جماعات
وبصفتهم أجزاء من مجتمع مترابط، فالإنتاج دائماً ومهما تكن الظروف
إنتاج اجتماعي. ومن الطبيعي حينئذ، أن يقيم الناس بينهم علاقات معينة،
بصفتهم مجموعة مترابطة خلال عملية الإنتاج.

وهذه العلاقات_علاقات الإنتاج_التي تقوم بين الناس، بسبب
خوضهم معركة موحدة ضد الطبيعة، هي في الحقيقة علاقات الملكية،
التي تحدد الوضع الاقتصادي، وطريقة توزيع الثروة المنتجة في المجتمع
وبمعني آخر: تحدد شكل الملكية_المشاعية، أو العبودية،أو الإقطاعية،
أو الرأسمالية، أو الاشتراكية_ونوعية المالك، وموقف كل فرد من
الناتج الاجتماعي.

وتعتبر هذه العلاقات(علاقات الإنتاج، أو علاقات الملكية)_من

 

وجهة رأي الماركسية_الأساس الواقعي، الذي يقوم عليه البناء العلوي
للمجتمع كله فكل العلاقات السياسية، والحقوقية، والظواهر الفكرية،
والدينية مرتكزة على أساس علاقات الإنتاج(علاقات الملكية). لأن
علاقات الإنتاج، هي التي تجدد شكل الملكية السائد في المجتمع، والأسلوب
الذي يتم بموجبه تقسيم الثروة على أفراده. وهذا بدوره، هو الذي يحدد
الوضع السياسي، والحقوقي والفكري، والديني، بصورة عامة.

ولكن إذا كانت كل الأوضاع الاجتماعية، تنشأ وفقاً للوضع
الاقتصادي وبتعبير آخر: تنشأ وفقاً لعلاقات الملكية(علاقات الإنتاج)،
فمن الضروري أن نتساءل عن علاقات الإنتاج هذه كيف تنشأ؟ وما هو
السبب الذي يكوّن ويكيف الوضع الاقتصادي للمجتمع؟.

وتجيب المادية التاريخية على ذلك: أن علاقات الإنتاج(علاقات
الملكية)، تتكون في المجتمع بصورة ضرورية، وفقاً لشكل الإنتاج،
والدرجة المعينة التي تعيشها القوي المنتجة. فلكل درجة من نمو هذه القوى،
علاقات ملكية ووضع اقتصادي، يطابق تلك الدرجة من تطورها. فالقوى
المنتجة هي التي تنشيء الوضع الاقتصادي، الذي تتطلبه وتفرضه على المجتمع
ويتولد عن الوضع الاقتصادي، وعلاقات الملكية عندئذ، جميع الأوضاع
الاجتماعية، التي تطابق ذلك الوضع الاقتصادي و تتفق معه.

ويستمر الوجود الاجتماعي على هذه الحال، حتى تبلغ قوى المجتمع
المنتجة درجة جديدة من النمو والتطور فتدخل في تناقض مع الوضع
الاقتصادي القائم لأن هذا الوضع، إنما كان نتيجة للمرحلة أو الدرجة،
التي تخطتها قوى الإنتاج إلى مرحلة جديدة، تتطلب وضعاً اقتصادياً جديداً،
وعلاقات ملكية من نمط آخر، بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي السابق،
معيقاً لها عن النمو. وهكذا يبدأ الصراع بين القوى المنتجة لوسائل الإنتاج،

 

في مرحلتها الجديدة من ناحية، وعلاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية،
التي خلفتها المرحلة السابقة لقوى الإنتاج من ناحية أخرى.

وهنا يأتي دور الطبقية في المادية التاريخية. فإن الصراع بين القوى
المنتجة النامية، وعلاقات الملكية القائمة، ينعكس على الصعيد الاجتماعي
دائماً، في الصراع بين طبقتين: أحداهما: الطبقة الاجتماعية، التي تتفق
مصالحها مع نمو القوي المنتجة، ومستلزماته الاجتماعية. والأخرى الطبقة
الاجتماعية، التي تتفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة، وتتعارض
منافعها مع متطلبات المد التطوري للقوى المنتجة.ففي المرحلة التاريخية
الحاضرة_مثلاً-يقوم التناقض بين نمو القوى المنتجة، والعلاقات الرأسمالية
في المجتمع. ويشب الصراع تبعاً لذلك، بين الطبقة العاملة، التي تقف إلى
صف القوي المنتجة في نموها، وترفض بإصرار ووعي طبقي علاقات
الملكية الرأسمالية، وبين الطبقة المالكة، التي تقف جانب العلاقات
الرأسمالية في الملكية، وتستميت في الدفاع عنها.

وهكذا يجد التناقض، بين قوى الإنتاج، وعلاقات الملكية_دائماً_
مدلوله الاجتماعي، في التناقض الطبقي.

ففي كيان المجتمع_إذن_تناقضان: الأول: التناقض بين نمو
القوي المنتجة، وعلاقات الملكية السائدة، حين تصبح معيقة لها عن التكامل.

والثاني: التناقض الطبقي، بين طبقة من المجتمع، تخوض المعركة لحساب
القوى المنتجة، وطبقة أخرى، تخوضها لحساب العلاقات القائمة. وهذا
التناقض الأخير، هو التعبير الاجتماعي والانعكاس المباشر، للتناقض الأول.

ولما كانت وسائل الإنتاج، هي القوى الرئيسية في دنيا التاريخ فمن
الطبيعي أن تنتصر في صراعها، مع علاقات الملكية ومخلفات المرحلة القديمة.

 

فتقضي على الأوضاع الاقتصادية، التي أصبحت في تناقض معها وتقيم
علاقات وأوضاعاً اقتصادية تواكبها في نموها وتنسجم مع
مرحلتها.

ومعنى ذلك بالتعبير الاجتماعي: أن الطبقة الاجتماعية التي كانت
تقف في المعركة إلى صف القوى المنتجة، هي التي يكتب لها النصر على
الطبقة الأخرى التي كانت تناقضها، وتحاول الاحتفاظ بعلاقات الملكية
كما هي.

وحين تنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية، وبمعنى آخر: تفوز
الطبقة الحليفة لوسائل الإنتاج، على نقيضتها حينئذ تتحطم علاقات الملكية
القديمة، ويتغير الوجه الاقتصادي للمجتمع. وتغير الوضع الاقتصادي
بدوره، يزعزع كل البناء العلوي الهائل للمجتمع، من سياسة، وأفكار،
وأديان، وأخلاق لأن هذه الجوانب كلها، كانت تقوم على أساس الوضع
الاقتصادي فإذا تبدل الأساس الاقتصادي، تغير وجه المجتمع كله.

والمسألة لا تنتهي عند هذا الحد فان التناقض بين قوى الإنتاج، وعلاقات
الملكية، أو التناقض بين الطبقتين الممثلتين لتلك القوى والعلاقات، إن هذا
التناقض وإن وجد حله الآتي، في تغير اجتماع شامل، غير أنه حل موقوت.
لأن القوى المنتجة، تواصل نموها وتطورها حتى تدخل مرة أخرى في
تناقض، مع علاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية الجديدة. ويتمخض
هذا التناقض، عن ولادة طبقة اجتماعية جديدة، تتفق مصالحها مع النمو
الجديد في قوى الإنتاج ومتطلباته الاجتماعية. بينما تصبح الطبقة، التي
كانت حليفة لقوى الإنتاج، خصماً لها منذ تلك اللحظة، التي بدأت
الوسائل المنتجة تتناقض مع مصالحها، وما تحرص عليه من علاقات الملكية.
فتشتبك الطبقتان في معركة جديدة، كمدلول اجتماعي للتناقض بين قوى

 

الإنتاج، وعلاقات الملكية. وينتهي هذا الصراع إلى نفس النتيجة، التي
أدى إليها الصراع السابق. فتنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية.
وبالتالي تنتصر الطبقة الحليفة لها، ويتغير تبعاً لذلك الوضع الاقتصادي.
وكل الأوضاع الاجتماعية.

وهكذا، فإن علاقات الملكية، والأوضاع الاقتصادية، تظل محتفظة
بوجودها الاجتماعي، ما دامت القوى المنتجة تتحرك ضمنها وتنمو، فإذا
أصبحت عقبة في هذا السبيل، أخذت التناقضات تتجمع، حتى
تجد حلها في انفجار ثوري، تخرج منه وسائل الإنتاج منتصرة، وقد حطمت
العقبة من أمامها. وأنشأت وضعاً اقتصادياً جديداً، لتعود بعد مدة من
نموها، إلى مصارعته من جديد، طبقاً لقوانين الديالكتيك، حتى يتحطم
ويندفع التاريخ إلى مرحلة جديدة.

المادية التاريخية والصفة الواقعة

وقد دأب الماركسيون، على القول بأن المادية التاريخية، هي الطريقة
العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي، التي قفزت بالتاريخ إلى مصاف
العلوم البشرية الأخرى، كما حاول بعض الكتّاب الماركسيين بإصرار.
اتهام المناوئون للمادية التاريخية، والمعارضين لطريقتها، في تفسير الإنسان
المجتمعي: بأنهم أعداء علم التاريخ وأعداء الحقيقة الموضوعية، التي
تدرسها المادية التاريخية وتفسرها. ويبرر هؤلاء اتهامهم هذا. بأن المادية
التاريخية تقوم على أمرين: أحدهما: الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية
والآخر: أن الأحداث التاريخية لم تخلق صدفة، وإنما وجدت وفقاً لقوانين
عامة: يمكن دراستها وتفهمها. فكل معرضة للمادية التاريخية، مردها
إلى المناقشة في هذين الأمرين.

 

 
 

اقتـصادنا_4

 


وعلى هذا الأساس كتب بعض الماركسيين يقول:

 

((قد دأب أعداء المادية التاريخية، أعداء علم التاريخ على أن يفسروا الاختلافات في إدراك الأحداث التاريخية، على أنها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة، ويؤكدون أننا قد نختلف في وصف حادث وقع قبل يوم، فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون؟!.)) ([3]).

وقد شاء الكاتب بهذا، أن يفسر كل معارضة للمادية التاريخية، على
أساس أنها محاولة للتشكيك في الجانب الموضوعي للتاريخ، وفي الحقائق
الموضوعية للأحداث التاريخية. وهكذا يحتكر الكاتب، الإيمان بالواقع
الموضوعي، لمفهومه التاريخي الخاص.

ولكن من حقنا أن نتساءل: هل أن عداء المادية التاريخية، يعني حقاً
التشكيك في وجود الحقيقة، خارج شعور الباحث وإدراكه أو إنكارها؟.

والواقع أننا لا نجد في هذه المزاعم. شيئاً جديداً على الصعيد التاريخي،
فقد استمعنا إلى هذا اللون من المزاعم قبل ذلك في الحقل الفلسفي، حين
تناولنا في(فلسفتنا) المفهوم الفلسفي للعالم. فان الماركسيين كانوا يصرون:
أن المادية، أو المفهوم المادي للعالم، هون وحده الاتجاه الواقعي، في مضمار
البحث الفلسفي. لأنه اتجاه قائم على أساس الإيمان بالواقع الموضوعي للمادة،
وليس للمسألة الفلسفية جواب إذا انحرف البحث عن الاتجاه المادي، إلا
المثالية. التي تكفر بالواقع الموضوعي، وتنكر وجوده المادة. فالكون إما
أن يفسر تفسيراً مثالياً لا مجال فيه لواقع موضوعي مستقل عن الوعي
والشعور، وإما أن يفسر بطريقة علمية، على أساس المادية الديالكتيكه..

 

وقد مر بنا في(فلسفتنا) أن هذه الثنائية تزوير على البحث الفلسفي.
يستهدف من وارئه اتهام كل خصوم المادية الجدلية، بأنهم تصوريون
مثاليون، لا يؤمنون بالواقع الموضوعي للعالم، بالرغم من أن الإيمان بهذا
الواقع، ليس وقفاً على المادية الجدلية فحسب ولا يعني رفضها بحال من
الأحوال، التشكيك في هذا الواقع أو إنكاره...

وكذلك القول في حقلنا الجديد، فإن الإيمان بالحقيقة الموضوعية
للمجتمع، ولأحداث التاريخ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادي، فهناك واقع
ثابت لأحداث التاريخ، وكل حدث في الحاضر أو الماضي قد وقع فعلاً
بشكل معين، خارج شعورنا بتلك الأحداث وهذا ما نتفق عليه جميعاً.
وليس هو من مزايا المادية التاريخية فحسب، بل يؤمن به كل من يفسر
أحداث التاريخ أو تطوراته، بالأفكار، أو بالعامل الطبيعي، أو الجنسي،
أو بأي شيء آخر من هذه الأسباب.  كما تؤمن به الماركسية، التي تفسر
التاريخ بتطور القوى المنتجة. فالإيمان بالحقيقة الموضوعية، هو نقطة
الإنطلاق لكل تلك المفاهيم عن التاريخ، والبديهة الأولى التي تقوم تلك
التفسيرات المختلفة على أساسها.

*     *     *

وشيء آخر: أن أحداث التاريخ بصفتها جزءاً من مجموعة أحداث
الكون، تخضع للقوانين العامة، التي تسيطر على العالم. ومن تلك القوانين.
مبدأ العلية القائل: إن كل حدث، سواء أكان تاريخياً أو طبيعياً، أم أي
شيء آخر لا يمكن أن يوجد صدفة وارتجالاً، وإنما هو منبثق عن سبب.
فكل نتيجة مرتبطة بسببها، وكل حادث متصل بمقدماته وبدون تطبيق هذا
المبدأ_مبدأ العلية_على المجال التاريخي يكون البحث التاريخي غير ذي معنى.

فالإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التاريخ، والاعتقاد بأنها تسير

 

وفقاً لمبدأ العلمية، هما الفكرتان الأساسيتان لكل بحث علمي، في تفسير
التأريخ وإنما يدور النزاع بين التفاسير والاتجاهات المختلفة، في درس
التأريخ، حول العلل الأساسية، والقوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع.
فهل هي القوى المنتجة؟، أو الأفكار؟، أو الدم؟ أو الأوضاع الطبيعية؟،
أو كل هذه الأسباب مجتمعة؟. والجواب على هذا السؤال_أياً كان
اتجاهه_لا يخرج عن كونه تفسيراً للتاريخ، قائماً على أساس الإيمان بحقيقة
الإحداث التاريخية وتتابعها وفقاً لمبدأ العلية.

*     *     *

وفيما يلي سنتناول المادية التاريخية، بصفتها طريقة عامة في فهم التاريخ
وتفسيره وندرسها:

أولاً: على ضوء الأسس الفلسفية والمنطقية، التي يتكون منها مفهوم
الماركسية العام عن الكون.

وثانياً:بما هي نظرية عامة تحاول استيعاب التاريخ الإنساني.

 

وثالثاً: بتفاصيلها، التي تحدد مراحل التاريخ البشري، والقفزات
الاجتماعية على رأس كل مرحلة.

عنوان المكتب

6 نهج جبيل

عمارة النخيل 1 - المنزه 1

تونس

الجمهورية التونسية

اتصل بنا على 

الهاتف : 074 423 55 00216

البريد الإلكتروني : contact@alwehda.net

الفاكس : 195 230 71 00216

مكتب العلاقات العامة و الإتصال 

من الإثنين إلى السبت

08.00 - 20.00